شغل جاك ريغو، مؤلف هذا الكتاب، عدة مناصب ثقافية من بينها رئيس مكتب «جاك دوهاميل»، وزير الشئون الثقافية في عهد الرئيس الفرنسي الراحل جورج بومبيدو. كما شغل منصب رئيس ومدير عام اذاعة وتلفزة اللوكسمبورج ورئيس جمعية المراكز الثقافية. وهو ايضاً مؤلف العديد من الكتب من بينها «الثقافة من اجل كسب العيش» و«الثقافة الحرّة» و«الاستثناء الثقافي» و«شرفة على الزمن»، ـ الذي نشره عام 1999 ـ و«مرآة الكلمات»... الخ. «ما هو مستقبل السياسات الثقافية»؟ هذا الكتاب برمته هو محاولة للاجابة عن هذا السؤال. اما عنوان «اواخر الحلم»، فإنه لابد وان يدفع العارفين بالشأن الثقافي الفرنسي نحو التفكير برواية كتبتها الروائية الفرنسية الكبيرة الراحلة «مرجريت يورسنار» التي كانت اول سيدة تصبح عضواً في الاكاديمية الفرنسية بعد قرون من تأسيسها، وهي صاحبة احدى أهم الروايات الفرنسية، وربما ليس خلال القرن العشرين وحده، وانما في كل القرون اي رواية «مذكرات ادريان» التي أمضت الكاتبة من اجل انجازها اربع سنوات في خرائب قصور «ادريان» اخر اباطرة روما، كي تكتب بعد ذلك «مذكراته». اما الرواية التي تبدو على علاقة بعنوان هذا الكتاب فهي تحمل عنوان «آخر الحلم» التي تم نشرها للمرة الاولى عام 1934 ثم اعيد نشرها بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد «تعديلها كثيراً» عام 1959. وفي سياق التساؤلات حول مستقبل السياسات الثقافية ينطلق المؤلف من تجربة ثلاثين عاماً امضاها في «الالتزام الثقافي» من موقع المسئولية. وهو يبني تساؤله في الحقبة الراهنة انطلاقاً من الاطار الذي خلقته العولمة وهيمنة «اقتصاد السوق». هذه الهيمنة خلقت نوعاً من «تهميش» دور الدولة التي كانت في مختلف بلدان العالم عنصراً فاعلاً في تحديد السياسات الثقافية وتوجيهها في أكثر الاحيان. كما ان ثورة المعلوماتية وما تم تحقيقه من تقدم تكنولوجي هائل كان له آثاره على خلق آليات ثقافية جديدة غيّرت كثيرآً من المعطيات الثقافية في شتى المجتمعات. ثم ان «غياب الارادة السياسية» وتراخي «التزام الدولة» جعل الحياة السياسية رهينة اكثر فأكثر لقواعد «السوق». وهذا لابد وأن يكون له اثره العميق في بلد مثل فرنسا، وما ماثلها من البلدان، حيث يتم النظر الى الثقافة باعتبارها «نشاطاً عاماً»، اي كتراث وكمشروع مشترك. واذا كان من الصحيح القول بان الناس لم يتظاهروا في اي يوم من الأيام من أجل المطالبة بانشاء متحف او مكتبة او مسرح فإن هذا لا يمنع واقع ان هذه «المؤسسات» كلها تلعب دوراً مهماً في تعزيز اللحمة الاجتماعية، بل انها احد مصادر الهوية الوطنية. ان مؤلف هذا الكتاب، ولعل هذا من أهم ميزات تحليلاته، ينظر الى الثقافة، ويحللها، على اساس انها نشاط متجدد باستمرار. ولذلك تتطلب اعادة النظر بها دون انقطاع. وعلى هذا الاساس يقوم «جاك ريغو» بدراسة نقدية لعدد من الظواهر التي يطلق عليها صفة «الثقافية» مثل «التهميش الاجتماعي» و«العلاقات داخل المؤسسات». وهو يوظف لهذا الغرض عدداً كبيراً من الشهادات الشخصية والذكريات. وهذا الكتاب، يشكل باحد ابعاده، نوعاً من «السيرة الذاتية الثقافية» لصاحبه منذ دخوله الى وزارة الثقافة في شهر يناير من عام 1971 وعدم ابتعاده بعد ذلك عن عالم الثقافة بشكل عام حتى الشروع بكتابة هذا العمل في شهر يناير من عام 2001 كي ينجزه في شهر اكتوبر من السنة نفسها. لكن مخطوطاته الاولى تعود الى عقد السبعينيات.. ان المؤلف يؤكد على اهمية «الحيوية الثقافية» التي تمتلكها المجتمعات التي تستعيد الثقة بنفسها، ويرى بان هذه العفوية تكون ذات طبيعة «عفوية» اكثر مما هي ترجمة لارادة سياسية محددة ومبرمجة. واذا كان المؤلف يؤكد على «القيمة التاريخية» الكبيرة للروائي والكاتب الفرنسي الكبير «اندريه مالرو» الذي اصبح وزيراً للثقافة في ظل رئاسة شارل ديجول، مؤسس الجمهورية الخامسة، فإنه يؤكد بالوقت نفسه بان «السياسة الثقافية» لمالرو قد وجدت اصداء ونجاحات مهمة، لانها لاقت «ارضاً خصبة» كانت تمتلك «الحيوية الثقافية» المطلوبة. والجدير بالذكر ان الجنرال ديجول كان قد استحدث وزارة الشئون الثقافية بصيغة تتناسب مع «قامة مالرو» وهكذا عندما استقال «الجنرال» غادر «الأديب» المنصب الوزاري. وكان مالرو قد «سعى من اجل دفع الجماهير الواسعة لولوج سبيل الوصول الى كنوز الثقافة». وتتحدد «الحالة الثقافية» لأية حقبة بدعامتين اساسيتين هما «القدرة على الابداع والتجدد» و«الفعالية الاجتماعية لنشرها». ولكن يكون «النموذج الثقافي» السائد مقتصراً على اقلية من «اصحاب الامتياز» حيث ان هذا النموذج «يعيد انتاج نفسه» باستمرار بحيث يفرض «ممارسات ثقافية» محددة للمعنيين فيها والذين يجدهم المؤلف في المشهد الثقافي الفرنسي بشريحة من البورجوازيين. اما «عامة الجماهير فانها تميل نحو اشكال التسلية، باعتبارها صيغة تجارية للاغتراب». وتتم في هذا الاطار ملاحظة «التدهور» الذي يصيب الحياة الثقافية في المجتمعات الاستهلاكية المعاصرة وحيث يمكن ان يلحظ كل انسان «وبالعين المجردة بان الانتاج السمعي البصري ـ التلفزة والاذاعة وغيرهما ـ لا يؤدي اليوم دوره الثقافي المطلوب منه»، ثم ان مسيرة «الانحدار الثقافي» هذه قد بدأت منذ مطلع عقد السبعينيات، هذا على الرغم من الاعتمادات الهائلة التي تم رصدها باستمرار للثقافة. ان الملاحظة الاساسية التي يقدمها مؤلف هذا الكتاب حول الحياة الثقافية في المجتمعات الغربية الاستهلاكية عامة تتمثل في التناقض الكبير بين «مجتمع يطرح التساؤلات على نفسه ويتحرك ويخترع وبين حالة من الثبات والانهاك تخيم على الممارسة الثقافية التي تبدو وكأنها مقيّدة بالنجاحات التي حققتها بالتأكيد، وانما تبدو ايضا وكأنها مصابة بالشلل بسبب هذه النجاحات نفسها». وملاحظة اخرى تدل على ان «المبادرات» الثقافية الخلاّقة انما هي في اغلبية الحالات صادرة عن دوائر لا علاقة لها بمؤسسات الدولة. وليس غريباً في مثل هذه الحالة احساس الادارات الثقافية الرسمية بالحرج من مثل هذه المبادرات وبالتالي الاعتراف بها، ناهيك عن دعمها. ويناقش المؤلف في احد فصول هذا الكتاب العلاقة بين «الثقافة» و«السياسة» حيث يؤكد على وجود علاقة «وثيقة» باستمرار بين هذين الميدانين. ويبدو ان «الثقافة» تشكل احد الرهانات الاساسية في برامج رجال السياسة عندما يقومون بحملاتهم الانتخابية، لكنهم ينسون غالبا هذه «الرهانات» بعد نهاية حملاتهم تلك. كما ان الرهانات الثقافية هي احدى وسائل التعبئة على صعيد السياسة الوطنية العامة. هكذا مثلاً واثناء المفاوضات من اجل اتفاقية التعرفة الجمركية الدولية المعروفة بـ «الجات» شكلت المسألة الثقافية الموضوع الذي استمر النقاش حوله طويلا مع الطرف الامريكي الذي اصر اثناء المفاوضات على اخضاع «السلع الثقافية»، اي الافلام والمسلسلات التلفزيونية وغيرها، لقواعد «تحرير المبادلات التجارية» مما يهدد اليات الدعم الوطنية التي كانت بعض البلدان مثل فرنسا قد تبنتها. لكن اذا كان الاجماع قد تحقق حيال مسألة «التعبئة»، فإنه مع ذلك لم يؤد الى اي نقاش جوهري حول «مستقبل منظومات الحماية» الثقافية، وانما بقى اجماعاً «بلاغياً» ان مثل هذه المنظومات تشكل صلب النقاش الدائري في البلدان الغربية اليوم ـ باستثناء كبير يخص الولايات المتحدة الامريكية ـ بين «الليبراليين» و«دعاة تأكيد دور الدولة» على المستوى الثقافي، ثم ان مثل هذا النقاش يمكن ان يمتد الى مفاهيم «التأكيد على السيادة» او «الاندماج مع الآخر».. اما الترجمة السياسية لمثل هذه المقولات فإنها يمكن ان تطال موقف كل بلد من البلدان الاوروبية الغربية من زاوية علاقتها بالاتحاد الاوروبي. ان مسألة «السيادة» هذه قد تحدد مستقبلاً درجة «اندماج» و«تكامل» الوحدة الاوروبية. لكن يبقى من المهم والأساس لكل امة وشعب الاستمرار بـ «حلم ثقافة تنتشر وسط الشعب كله بواسطة معجزة التعلق بالجمال وبالتعطش للمعرفة والرفعة». ان المؤلف يدرك جيدا بان مثل هذه الامنية هي «يوتوبيا جميلة»، ولكن هذا لا يمنع ضرورة التعلق بها. وانطلاقا من هنا ينبغي طرح مشكلة «الارادة السياسية» التي ينبغي ان تكون في خدمة «الحلم الثقافي» للبشر المعنيين به. ان مؤلف هذا الكتاب، يؤكد بالمقابل، على «غياب اية دلائل ملموسة على توفر مثل هذه الارادة السياسية في المجتمعات الاستهلاكية الراهنة». وبالوقت نفسه تعززت العلاقة اكثر فأكثر بين «الثقافة» و«المال». «اواخر الحلم» ام «الحلم المتأخر» من اجل ثقافة متجددة؟!