يعتبر «جيري وايت» احد أهم الباحثين البريطانيين في ميدان دراسة المجتمعات المدنية الصغيرة، اذ سبق له وقدم عددا من الدراسات حول هذا الموضوع، وكان نشر كتابا «شوارع شمال لندن خلال فترة ما بعد الحربين العالميتين». في هذا الكتاب يبحث في تاريخ مئة عام من حياة العاصمة البريطانية لندن «انه يبحث في حياة الناس فيها ولياليها ومصارفها وبنوكها ونشاطاتها التجارية».. وذلك على مدى خمسة اقسام يتألف منه الكتاب. وهو يدرس موضوعه من زاويتين اساسيتين تتعلق احداهما بدراسة «المدينة» ذاتها وبالمسار التطوري الذي عرفته خلال القرن العشرين عمرانيا في ميداين البناء والنقل والتصنيع والتوسع الجغرافي.. اما الزاوية الاخرى فتخص دراسة لندن من حيث «سكانها».. وحيث يتم التركيز بشكل خاص على التكوين «الديموغرافي» لها في ظل الهجرات الكبيرة التي شهدتها طيلة القرن.. مما خلق تراتبيات جديدة وبينية اكثر تنوعا.. ويقوم المؤلف ضمن هذا الاطار ايضا بدراسة النشاط الاقتصادي الذي عرفته لندن حيث انها احد أهم مراكز دورة رأس المال العالمي، علما بأنها كانت قد بدأت بفقدان مثل هذا الدور تدريجيا منذ الحرب العالمية الاولى مع بروز دور مدن اوروبية اخرى وخاصة «امستردام».. ثم عادت لندن للصعود من جديد كعقدة تالية دولية اعتبارا من عقد الستينيات كما يدل تزايد عدد المؤسسات المالية والمصرفية فيها وحيث عرفت هذه الظاهرة أوج ازدهارها في ظل فترة حكم السيدة الحديدية مارجريت تاتشر. ويولي المؤلف أيضا أهمية خاصة لدراسة «الثقافة الشعبية» لمدينة لندن حيث يؤكد على التعددية الثقافية فيها. كما يبدو وبوضوح من طبيعة الكتب التي تخرجها دور النشر الانجليزية وحيث ان عددا هاما من الكتاب البريطانيين الذين نالوا شهرة عالمية خلال القرن العشرين كانوا من اصول هندية او باكستانية او غيرها.. بل ولا يتردد المؤلف في القول بأن هذه التعددية الثقافية التي غيرت وجه لندن تشكل احد أهم الاحداث التي عرفتها المدينة «منذ غزو النورمانديين لها» قبل عدة قرون. ومن الملاحظ ان المؤلف يكتب بتعاطف كبير مع «المهاجرين» الذين يرى بهم دما جديدا اثرى حقيقة من ثقافة المدينة ولذلك يعلن رفضه «بل شجبه» لكل ما يضعه امامهم البعض من عقبات وعراقيل. ان المؤلف يقدم في هذا العمل كما كبيرا من التفاصيل الصغيرة حول مجموعة مظاهر وظواهر تشهدها مدينة لندن.. وقد تكون هذه التفاصيل ليست ذات أهمية كبيرة بحد ذاتها، ولكنها تصبح في مجملها شديدة الدلالة على الاطار العام الذي يقدم فيه «جيري وايت تحليلاته» ثم انه يعتمد على مصادر متعددة لمعلوماته التي تمتد من الكتب والدراسات الاكاديمية حتى اراشيف اجهزة القضاء والشرطة.. هكذا يجد القارئ نفسه احيانا مع الكاتب الكبير «جورج اورويل» صاحب كتاب «1984» الذي كتبه عام 1948 وقلب فيه نظام الرقمين الاخيرين ليقدم صورة عما سيكون عليه العالم بعد حوالي اربعة عقود.. لكنه يجد نفسه ـ اي القارئ ـ احيانا اخرى امام حكايات مأخوذة من «الثقافة الشعبية» او من واقع حياة الشرائح الاكثر بؤسا من المجتمع اللندني. من جهة اخرى يمثل هذا الكتاب «دليلا هاما» لسياسات السلطات المحلية ـ البلدية ـ المسئولة عن مدينة لندن.. وحيث يرى بأن هذه السياسات قد تراوحت بين «الافضل» و«الاسوأ» ويبدو وبوضوح ان المؤلف يقدم تحليلاته من موقع «اليسار العمالي» الذي يلتزم به هو نفسه سياسيا، كما يولي اهتماما خاصا لآراء «الطبقة الوسطى» التي تشكل غالبية سكان المدينة. لندن .. من منظار معجب