بيير موسكوفيتش مؤلف هذا الكتاب هو نائب في البرلمان الاوروبي منذ عام 1994 ووزير مفوض مكلف بالشئون الاوروبية في الحكومة الفرنسية منذ عام 1997. سبق له ونشر ثلاثة كتب هي: «ساعة الخيارات: من اجل اقتصاد سياسي» و«بحثاً عن اليسار الضائع»، ـ على غرار كتاب مارسيل بروست الشهير» البحث عن الزمن الضائع ـ و«الدفاع عن سياسة اخرى «مطلب ملح». يصدر هذا الكتاب «اوروبا، قوة في العولمة» قبل اسابيع قليلة من تبني عدد من دول الاتحاد الاوروبي التعامل بـ «اليورو» وذلك اعتباراً من مطلع عام 2002. لكن هذه العملة الموحدة ليست برأي مؤلف هذا العمل سوى احد المظاهر الكثيرة والجوهرية التي حققتها اوروبا خلال السنوات الاخيرة في مسيرة توحيدها، اذ هناك ايضاً شبه اتفاق كامل ونهائي حول الدفاع الاوروبي المشترك وحول سياسات الاستخدام وحول الامن البحري.. والغذائي واتفاقات اخرى كثيرة وجامعة في ميادين الشرطة والقضاء.. الخ. وبالمحصلة ان اوروبا اليوم تعيش «منعطفاً حاسماً» في تاريخها الحديث كله. لكن هذه المنجزات كلها وهي منجزات حقيقية وجوهرية، لا يمكنها ان تخفي عدة مسائل لا تزال مشوشة إلى هذا الحد او ذاك بخصوص الاتحاد الاوروبي والبناء الاوروبي الكامل والشامل. اذ ان ما يجرى لا يثير الكثير من «الحماس» لدى الآراء العامة في البلدان المعنية. بل لا تزال شرائح شعبية واسعة تجد نفسها «بعيدة» عن اوروبا هذه التي تقوم. ثم هناك اكثر من مصدر قلق حيال المستقبل وتحدياته العديدة المطروحة على جدول الاعمال»، اذ وبعد رهان العملة الاوروبية الموحدة عام 2002، هناك رهان توسيع نطاق الاتحاد الاوروبي عام 2003 ورهان اصلاح المؤسسات الاوروبية عام 2004. ان السنوات القليلة المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة لاوروبا، هذا ما يؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب في تحليلاته المقدمة. ذلك انه يمكن لهذه «القارة القديمة» ان تصبح قوة ديمقراطية وسلمية وقادرة على تنظيم العولمة». لكن يمكنها ايضاً ان تنكفي نحو واقع «منطقة حرة» منطقة للتبادل الحر لا قواعد ولا شرعية لها، وخاضعة بالتالي بصورة شبه كاملة لسيطرة النموذج الامريكي. ولعل هذا الكتاب هو الاكثر اكتمالاً في معالجة القضايا الاوروبية في نهاية قرن وبداية قرن جديد، لاسيما وان مؤلفه هو احد الفاعلين الاساسيين في السياسة الاوروبية لفرنسا بحكم موقعه منذ خمس سنوات تقريباً على رأس وزارة تعنى تحديداً بالملف الاوروبي. ومن الملفت للانتباه ان «بيير موسكوفيتش» يتحدث بكل صراحة وحرية ودون اي حرج، عن تجربته «الاوروبية» خلال السنوات الاخيرة مع عدد من اصحاب القرار الاوروبيين من الصف الاول مثل توني بلير وجيرهارد شرويدر ورومانو برودي وبالطبع جاك شيراك وليونيل جوسبان وغيرهم. وكإشارة صغيرة نقول ان مؤلف هذا الكتاب قد امضى اطول فترة عرفها اي وزير آخر مسئول عن الشئون الاوروبية في ظل الجمهورية الخامسة «تأسست عام 1958 من قبل الجنرال شارل يجول». تتوزع مواد هذا الكتاب بين قسمين رئيسيين يحمل الاول عنوان: «اوروبا على مفترق الطرق» وفي الثاني يحاول المؤلف ان يقدم رؤيته لما يعتقده «الطريق الصحيح نحو المستقبل». واذا كان «بيير موسكوفيتش» لا يتوقف طويلا حيال ملف العملة الموحدة «اليورو» التي اصبحت ـ عملياً ـ واقعاً ملموساً بعد ان قامت مختلف الدول الاوروبية المعنية بالتحضير لها وتداولها اعتبارآً من مطلع عام 2002. لكن «اليورو» في الواقع هو اكثر من عملة للتبادل وكأية عملة «يترجم هوية».. لذلك لا يمثل استخدامه في الحياة اليومية للناس، وفي السوق العالمي، سوى مجرد مرحلة يفترض منها ان تؤدي إلى الذهاب ابعد في مجال الوصول إلى «سياسة اقتصادية اوروبية حقيقية». لكن مثل هذه «السياسة» لا تزال في الواقع احد رهانات المستقبل الاساسية. اما الرهان المستقبلي الاول الذي يتعرض مؤلف هذا الكتاب لتحليله فهو مسألة توسيع اطار الاتحاد الاوروبي. انه يتحدث عن «التوسيع او خيار التاريخ».. ان مشروع التوسيع هذا يستهدف بلداناً من وسط القارة الاوروبية وشرقها. اي بلدان الكتلة الشيوعية «السابقة». وحيث يبدو ان افق 2003 سيشهد ترجمة مثل هذا التوجه على ارض الواقع. «لكن التوسع نحو اوروبا الوسطى والشرقية يثير غالباً الكثير من التساؤلات»، كما يقول المؤلف ويشير إلى الكثير من الحماس والحديث عن «الواجب التاريخي والاخلاقي» في الخطاب الرسمي الاوروبي بينما قد لا يتردد هؤلاء المتحمسون انفسهم في الافصاح عن مخاوفهم وشكوكهم، بل واحياناً عدائهم اثناء احاديثهم الجانبية. وبالمقابل لا يتردد مؤلف هذا الكتاب عن القول: «انني لا اتفق مع هذا القلق والتردد والعداء». بل ويذهب في تحليلاته ابعد من هذا حيث يؤكد بان انضمام بعض الدول المعنية «ليس مجرد واجب» ينبغي على الاتحاد الاوروبي تأديته وانما هوايضاً «حظ» حقيقي ينبغي العمل من اجل الظفر به. ويبقى الانتقال من اوروبا الخمسة عشر بلداً الى اوروبا الثلاثين هو بالتأكيد اكثر التحديات اثارة للقلق، اذ ان اوروبا الموحدة قد انطلقت من «نواة» الدول الست التي وقعت عام 1957 على معاهدة روما، لكن لاشك بأن مخاطر حقيقية ترتسم في افق التوسيع وليس اقلها خطراً الشلل في مجال اتخاذ القرارات في ظل واقع يعاني من «التنافر» الى هذه الدرجة او تلك مع وصول حوالي مئة مليون مواطن جديد «بمعزل عن تركيا» وبحيث ان مساهمتهم في الثروة العامة للاتحاد الاوروبي لن تزيد على 5% من اجمالي الانتاج القومي الاوروبي، لكن مع هذا كله يبقى التوسيع هو خيار التاريخ ولكنه خيار مطلوب السيطرة عليه بشكل كامل وفاعل بحيث تتم عملية التوسيع تدريجيا كي تطال اولا بلدانا مثل بولندا وتشيكيا وهنجاريا الاكثر تأهيلاً اقتصادياً ثم تأتي رومانيا وبلغاريا وتليهما دول اخرى. ويفتح المؤلف هنا قوسين للحديث عما يسميه ب«المسألة التركية» التي يربط حلها بمدى ما تقطعه هذه البلاد من الطريق نحو اقامة «دولة القانون» وتبني النموذج الديمقراطي الاوروبي واحترام حقوق الانسان.. ولا يتردد في ان يؤكد بأنه ليس مناضلاً متحمساً لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي دون اية شروط. هذا الى جانب التأكيد على المعنى الاستراتيجي والتاريخي والجيوسياسي والاقتصادي لانضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي هذا فضلا عن ان اوروبا الموحدة مطلوب منها ان تؤمن في الوقت نفسه بعدين اساسيين هما التوحيد والتعددية. ان اوروبا تعبر عن واقع جغرافي وتاريخي وثقافي لكنها بدأت ومنذ حوالي نصف قرن من الزمن تتكون كواقع سياسي وايضا انها تبحث عن صوتها كـ «قوة» لها كلمتها على المسرح الدولي السياسي، بل ان بييرمو سكوفيتش يرى في تبني «اليورو» كعملة موحدة خياراً سياسياً، من المطلوب دعمه عبر تبني سياسة اوروبية مشتركة للنمو الاقتصادي وتأمين فرص العمل، لكن هذه الاهداف الاقتصادية والسياسية كلها لا ينبغي منها ان تطمس ما يعتبره مؤلف هذا الكتاب على قاعدة الانتماء الايديولوجي، بمثابة مطلب لا يمكن التنازل عنه وهو تحقيق اوروبا الاجتماعية التي تتجاوز مجرد افق البناء المؤسساتي والمالي، المطلوب اذن هو تأمين التقدم الاجتماعي لفائدة جميع المواطنين الاوروبيين مع تحقيق الحرية والامن والعدالة. ويؤكد مؤلف هذا الكتاب على معيارين اساسيين في مدى مصداقية التوجه المستقبلي الاوروبي وهما الوصول الى دفاع اوروبي موحد وتبني سياسة خارجية موحدة. ان الموقف من العلاقة مع الحلف الاطلسي ومع الولايات المتحدة الامريكية يشكل صلب النقاش حول هذين المعيارين في ظل توجه ولائي واضح تقوده بريطانيا وتوجه اوروبي استقلالي الى هذه الدرجة وتلك تبنته فرنسا تاريخيا، ولكن بكل الحالات يبقى المطلوب الاول من اوروبا اذا ارادت ان يكون لها صوت مسموع في قضايا العالم الذي نعيش فيه، من ان تملك ادوات القوة التي تثبت مصداقيتها وقدرتها في التأثير على مجرى الاحداث والنزاعات على الصعيد العالمي. ثم ان امتلاك القوة والمصداقية شرطان اساسيان للتأثير في مسيرة العولمة وتوجيه دفتها ولابد ان تكون قوة متعددة الاصوات وان تكون مجالا ديمقراطيا تصونه القوانين النافذة وربما في افق الوصول الى تحقيق المشروع السياسي المتمثل في «اتحاد الدول ـ الامم» ويبقى «التعاون القوي والوثيق» بمثابة مفتاح المستقبل وهذا ما يراه بيير موسكوفيتش مؤلف هذا الكتاب. في مقدمة هذا الكتاب يقول بيير موسكوفيتش بأنه كان من يوم 11 سبتمبر 2001 في طائرة بسماء نيويورك حيث شاهد تدمير برجي مركز التجارة الدولية،، وقد احس يومها بأن المعطيات الدولية قد تبدلت منذ ذلك اليوم لذلك «وفي هذا العالم الذي فقد بوصلة التوجه بمطلع القرن 21 لابد من استعادة النظام والخروج من اشكال الخلل والتناقض ومن اجل ذلك على امريكا ان تنفتح ولاتنعزل وان تتعاون ولا تأخذ قراراتها لوحدها وان تبحث عن زعامة مع آخرين وليس فرض نفسها بالقوة وضمن هذا الاطار يمكن وينبغي على اوروبا ان تسعى كي تكون قوة في العولمة».