ولد الروائي والكاتب والشاعر بول أوستر في نيو آرك بنيوجيرسي في سنة 1947، وبالاضافة الى انه أحد أهم روائيي امريكا المعاصرين فهو معروف كمترجم وكاتب سيناريو وكاتب صحفي. ومؤخرا، التقى به المحرر الثقافي بجريدة «الأوبزيرفر» في هذا الحوار حول آخر أعماله، المجموعة القصصية «قصصه حقيقية» من واقع الحياة الامريكية. ـ هل يمكن القول بأن الكتاب الأخير «حكايات حقيقية» هو جزء من المجموعة الكاملة لبول أوستر؟ ـ هذا سؤال لم أتوقعه على الاطلاق، وعلى أي حال فأنا أنظر على انه عمل كتبه اشخاص آخرون، ولكنني ساهمت في ظهوره بهذا الشكل، انه عمل تشعر معه كما لو انك مدير مراسم. وهذا المشروع المعروف باسم «مشروع القصة القومية» هو من اختراعنا أنا واذاعة صوت أمريكا الوطني وكانت فكرته قد بدأت بالتوجه الى المستمعين لكي يرسلوا لنا بقصص حقيقية من واقع حياتهم وكنت أقوم بقراءة القصص التي يقع عليها الاختيار في برنامج خاص. لقد كانت ردود الفعل عظيمة في تلك المرحلة الى حد انها جعلتني افكر بعد أشهر قليلة في اصدار مجموعة كاملة من هذه الأعمال القصصية. ـ إذن فالكلمات ليست كلماتك؟ ـ كنت عاملا محرضاً فقط. ـ ألا توجد علاقة بين اختيارك لهذه القصص وبين توجهاتك الفنية والابداعية؟ ـ توجد مثل هذه العلاقة، بلاشك، وربما تغير الأمر كلية لو ان كاتباً آخر غيري كان هو المشرف على المشروع، لأنه سيفعل الشيء ذاته، لقد اعتمدت في اختياري لها على ذوقي الخاص واهتماماتي الشخصية. ـ من حيث الأسلوب.. ألا توجد علاقة بين هذه الموضوعات وبين الموضوعات التي تكتبها أنت؟ ـ الناس يتصورون دائما انني امتلك فهماً مرتكسا للواقع، وانني أكتب عن أشياء مستحيلة ومنافية للعقل، على الرغم من تأكيدي المستمر على انتمائي للواقعية وان الحياة في حقيقتها أغرب مما يتصوره الناس وان ما يتعاطون معه ليس الا الأشكال القديمة للرواية، تلك الاشكال والقواعد التي لم يطرأ عليها أي تغيير منذ ولادتها في أواخر القرن التاسع عشر وان اعتقادهم بأن هناك أشياء غير ملائمة للكتابة عنها غير صحيح، فكل الاشياء تصلح للكتابة عنها، واننا إذا لم نجرب تلك الاشياء فلن نكون صادقين في نقل الحقائق المتعلقة بهذه الحياة. وعلى نطاق أوسع كنت أسعى الى الكشف عما إذا كان الآخرون قد مروا بتجارب استثنائية غير عادية لا يمكن تصديقها بسهولة كما هو الأمر بالنسبة لي كي يتسنى لي التأكد من انني لست مجنوناً ويسرني ان أعلن في النهاية بأن غالبية هؤلاء الذين أرسلوا اليّ بأعمالهم كانوا كما لو انهم يتقاسمون معي الرؤية ذاتها عن الحياة. ـ هل اكتشفت كتاباً جدداً في غمار انجاز هذا الكتاب؟ ـ هذا جميل.. إن المستويات التي ظهرت عليها تلك الأعمال كانت متفاوتة، فهناك قصص يظهر من مستواها ان كتّابها لم يمسكوا يوما بالقلم لكي يكتبوا قصة، ولكنهم على الرغم من ذلك كانوا يرغبون في ان يوصلوا شيئا مهما.. شيئا ملحا وممتعا في الوقت ذاته، لذلك فإنهم موجودون في هذا الكتاب، وآخرون كانوا يكتبون طوال سنوات، ويضعون ما يكتبونه في الادراج، ولم يكونوا قد تجرأوا بعد وأطلعوا الناس على تجاربهم، مع ان بعض هذه التجارب يبدو ناضجا الى حد بعيد. وأخيرا هناك عدد من المساهمات التي قدمها الشباب، وأعتقد ان بعضها جيد وواعد. ـ هل أثر عملك في هذا المشروع على أعمالك الأخرى؟ ـ لا أعتقد ذلك، فعندما بدأت عملي في هذا المشروع كنت أكتب عملا روائيا آخر بدأته قبله مباشرة، وبالتالي فإن ما كتبه هؤلاء الناس لم يكن له أي تأثير على عملي، ومع ذلك فإن تجربة كهذه تقرأ فيها كل هذه الأعمال التي ترد اليك من كل انحاء أمريكا لابد وان تكون منعشة، وملهمة، وفريدة من نوعها وأنا أعتز بها، إنها شيء عظيم حقاً. ـ ما هي الفوائد التي لم تتوقعها؟ ـ هذا النوع من الاحساس بالاقتراب من الآخرين الذي يجعلك تشعر بأنه السبب الذي ستبقى من أجله الكتابة الى الأبد رغم المزاعم التي تقول بموت الرواية أو موت الكلمة المكتوبة عموماً. إن الكتاب قطعة الورق هذه التي تشتمل على الكلمات المكتوبة عليها التي يكتبها الانسان للآخر هي المكان الوحيد في العالم الذي يمكن لأي غريبين ان يلتقيا معا فيه على المستوى الأكثر عمقا، انه الشيء الذي يعزز لدينا الشعور بالانسانية. وهذه هي قوة الكتابة التي لا يمكنك ان تحس بها وانت تشاهد فيلما سينمائيا أو لوحة مرسومة، على الرغم من انك تكون قريبا منها في ذلك الوقت. إن الكلمة المكتوبة والفكر المكتوب اللذين ينتقلان من شخص لآخر هما العالم الذي يشكل الأدب والكتابة. ـ هل تعتقد ان القصة القصيرة هي اللبنة الأساسية للرواية؟ ـ إن القصة ضرورية في حياة الانسان، وأعتقد اننا نحتاج الى القصة كما نحتاج الى الطعام والهواء والماء والنجوم لأن القصص في الحقيقة هي الأسلوب الذي نعيد بواسطته ترتيب واقعنا، والواقع ما هو الا مجموعة رؤى متنافرة النغمات تقتحمنا في كل دقيقة وتفصل اجزاء هذا الغزو الذي نتعرض له عن بعضها من خلال القدرة على رسمها بشكل واضح ثم وصلها بمرور الوقت وهذا هو ما تفعله القصة تماماً بحيث نصبح قادرين على التفكير في أنفسنا سواء تعلق ذلك باللحظة التي نعيشها أو بالماضي أو المستقبل وبدون هذه القصة لا يمكننا ان نعيش بالفعل.