هذه رؤية خاصة بالمؤلف وهي تحمل حيزاً كبيرا من المنطق في تصورها لمجريات احداث التاريخ الاسلامي انطلاقا من الزاوية التي يتناولها منه. والكتاب محاولة لتقصي العوامل التي ادت الى نشوء المذهبية في اطار مرونة النص الاسلامي بما اتسم به من نسخ سواء في القرآن او الحديث راعى ألية التغير المجتمعي ومتابعة لانتقال المذهبية الى التطوؤف بعد تحول الافتاء الى وظيفة رسمية عند الدولة او في الضد منها فصار التمذهب محددا مقسرا للافراد فتراجع التسامح لصالح العنف والكراهية والتسطح، ولا ينطلق الدكتور فاضل الانصاري في ذلك من نفي للتعدد بل انه يذهب الى اهمية التعددية العقائدية الدينية لتحسين الاداء الجماعي والتحرك الى الصواب مؤكدا على اهمية الاقرار بمشروعية التمذهب اصلا كضرورة من الضرورات المعاصرة. ويأتي تناول الكتاب لموضوعه في اطار ما يعتبره الكاتب تأسيساً لمنهج تاريخي لمشروع نهضوي عربي تقوم فكرته على الربط بين الهوية المجتمعية الراهنة والخصوصية التاريخية التي مرت بها المنطقة العربية كنتاج لمشتركات جغرافية فكرية مميزة انعكست بقوة على مسار الاحداث ومن مفرزات تلك الخصوصية ان اعترضت صراعات البداوة والحضارة النسق التقليدي المفترض لتطور المجتمع واعاقت نهوضاً كان مهيئاً له بل وتراجعت به في اكثر من فترة تاريخية وهنا يشخص الكاتب انتكاستين كبيرتين الاولى حدثت اثر النهوض الذي شهدته المنطقة في ظل الكيانات السياسية القديمة مثل البابلية والاشورية والثانية اثر النهوض الشمولي الذي صاحب قوة الدولة العباسية وبخاصة في عصرها الاول واذا كان ظهور الاسلام اتاح الخروج من الانتكاسة الاولى فان مخاضات الانتقال ودوامات الصراع الاعتيادي بين القديم والجديد افرزت سعي الدولة لحرف الافكار والعقائد التي باتت تؤثر بقوة في نزعات العامة وعقولهم وبهذا جهدت المؤسسات الحاكمة لتحويل التمذهب عن مساراته الاجتهادية وزج المذاهب في العصبيات والتطوؤف فأنهك المجتمع بالتناقضات واصبح التحول الطائفي بوابة مشرعة للتناحر والاحتراب. وفي تمييزه بين الاختلاف المذهبي والطائفية يشير الى ان الاول اقرب الى التنوع الفكري في التفسير الذي سلك طرقاً ومناهج متعددة كوسيلة لاجتهاد يساهم بتحريك المجتمع وتجدده اي انه صنو للتسامح واللاإكراه بينما الطائفية انقسام فئوي حاد يصرف المجتمع الى اهتمامات هامشية ونزاعات ونزعات تصد تقدمه، وفيما قد يحافظ التمذهب على نوع من الوحدة العقائدية المشتركة العامة فان الطائفية تخل بتلك الوحدة وتشكل حالة من الدفاع عن امتيازات فئوية ويغدو التعصب للمألوف او التقليدي اقوى رسوخاً مما ينعكس على حركة الوعي العامة، وبمقدار المساحة بين المفهومين تحددت الصلة بين ما اراده ما يسميه بالاسلام الرسولي للمجتمع وما فعله الاسلام التاريخي به، فهو في الاول ظاهرة عقائدية فيما اصبحت الثانية ظاهرة سياسية وظفتها الدولة لصالح بقاء السلطة ومنع المحكومين من التعبير عن قضاياهم تعبيرا ثورياً مضاداَ وهي السمات التي ميزت تاريخ بداية تداعي الدولة العربية وانهيارها ولبت الحاجات السياسية للاحتلالات التي تعاقبت اثر ذلك. ويشير الى انه اذا كانت الديانة استجابة لحاجات اجتماعية ملحة يقتضيها تطور الحياة البشرية فان الاسلام ترك الباب مفتوحا للاتساق مع تطور المجتمع فكان ظهور ائمة المذاهب متناسباً وهذه الحقيقة، وعندما اريد وقف الاجتهاد بقرار والاقتصار على تقليد السلف ظهرت التجديفات الكثيرة بما فيها ادعاءات النبوة. وقد قسم المؤلف كتابه الى جزئين يتناول في الاول منه ما يسميه بالحقبة المذهبية على مدى اربعة فصول يعرض من خلالها لبوادر التباين وعصر النهوض الفقهي وتعدد المذاهب متناولا المذاهب المختلفة سواء السنية او الشيعية او غيرهما عارضا في نهاية الفصل الرابع لتباشير التحول الى الطائفية والتي يخصص لها الباب الثاني على مدى ثمانية فصول من خلال مسيرة التحولات السياسية في المنطقة. ويؤرخ المؤلف لبوادر التباين بالخلاف الحاصل بعد وفاة الرسول «صلى الله عليه وسلم» حول الحكم وطبيعة الحاكم وكيفية توليه والخلاف حول حدود التفسير والاجتهاد في الديانة وفيما يرى ان الاول يمثل الحاضنة الاساس للفرقة الطائفية فان الثاني اصبح الحاضنة الاساس للتفقه والتعددية المذهبية مشيراً الى انه مع حكم معاوية انتقل الامر الى مرحلة تسييس الديانة فيما كانت زعامة الامام الحسين بن علي وحركته نقلة نوعية اخرى لتحويل التحزب او الولاء السياسي المعارض الى عمل منظم له اطره ومهامه وليس مجرد عواطف جياشة بهذا الاتجاه او ذاك، في ذات الوقت كان للصراع بين علي ومعاوية اثره في ظهور الخوارج كما تسبب الاختلاف في امر عثمان وعلي الى ظهور الارجاء، فيما ترجع بدايات الاعتزال الى الجماعات التي تركت ميدان الصراع بين الامويين والعلويين وبذلك بدأ التحزب يخطو سريعا نحو المذهبية لتحول الحزبية السياسية الى احزاب مذهبية جنبا الى جنب مع المذاهب الفقهية الصرفة والخلاصة ان الخلفاء افتتحوا باب الاجتهاد على مصراعيه كأعلى سلطة سياسية بعد الرسول «صلى الله عليه وسلم». وساهم ازدهار مدرستي الرأي والحديث في التنوع الفكري والتهيئة لولادة المدارس الفقهية وتعددية المذاهب، ولأنهما كانا يشكلان معا جانب المعارضة الثورية سعى الامويون الى التفريق بينهما لتفكيك وحدة خصومهما وطرحوا القول بالجبر والارجاء لتسويغ نشاطات الخلفاء وسياسات الدولة وفقا لهذين المبدأين على اعتبار ان الارادة الالهية اقتضت ان يفعلوا ما يأتونه. ومع حلول القرن الثاني الهجري واستقرار دولة القوة المركزية وسياق حركة نهوض شمولية بدأ الفقه والتمذهب عصرا جديداً بنقلات حثيثة بما جعله فترة ذهبية لعطاء كبار الفقهاء ومعظمهم من العلماء الموسوعيين في اكثر من اختصاص والى جانب الفرق انتشرت المذاهب الاربعة. ورغم ما عرف عن العباسيين من بطش مطلق بخصومهم فقد تساهلوا نسبيا في إتاحة نوع من الحرية والمجادلة مع خصومهم من الفقهاء الاخرين، كما ساهم اتساع الدولة الامبراطورية في زيادة مدى التعددية المذهبية تلبية للحاجات المستجدة التي يمكن تباينها باختلاف المكان والزمان. غير انه ازاء المعارضات التي تهدد بقاء الدولة اراد الحكم العباسي مجاراة العصر واكتساب منازل القوة لمواجهة هذه المعارضات فكان انقلابه المذهبي بتبني الاعتزال مذهبا رسمياً للدولة في عهد المأمون والمعتصم والواثق وأرادت الدولة العباسية بذلك اتخاذ الاعتزال حصانة مذهبية ايديولوجية متميزة ضد الخصوم غير أن التوافق العقائدي بين الدولة المعتزلية والمعارضة المعتزلية ايضا مثل اشكالية فكان الانقلاب التاريخي الحاسم المضاد للسلطة على المذهب وما تبعه من مظاهر تالية مؤثرة وساعد على ذلك ظهور الترك في بنية الدولة العباسية والذين رأوا في التيارات العقلية للمعتزلة تهديداً لهم رغم عدم اشتراط المعتزلة ان يكون الحاكم عربياً او قرشياً ووصل الأمر حد تكفير المعتزلة وإقامة المجازر ضدهم وهنا بدأ مصطلح السنة في التشكل كقاعدة للتمييز بين فريقين في تجذير حالة التمايز وساد التنازع حول علاقة السنة بالكتاب ونسخ الكتاب بالسنة مما أدى حسب الكاتب الى شروخ شكلت البنى الأساسية للعطب التاريخي في تقسيم المسلمين وبدأ التأسيس الفعلي للتقليد لإيقاف الاجتهاد وتهيأت العوامل لانتصار التسلف وتحجب العقل عن تلقي الحقيقة عن طريق تبني مذاهب معينة لاستقطاب المزيد من الاصطفافات وتعزيز قدرة السلطة في التصدي الايديولوجي للاعتزال بمحاربته بالمذاهب الاربعة وليس بواحد منها فقط للحيلولة دون استقواء أي منهم وساعد على ذلك مسألة موقف المذاهب الاربعة من الحكام. وهو الأمر الذي تكرس باعتماد المذاهب الأربعة وحصر اسلامية المسلم بها دون سواها رسميا. وبمقتل المتوكل عام 240 هـ طويت صفحة من التاريخ اكتملت فيها مفردات التحول المذهبي الى الطائفية في رجعة هامة عن مقومات النهوض التي بدأت ارهاصاتها تبشر بمجتمع جديد فكان ذلك التحول احد بوابات التداعي المضاد التي مهدت لدخول موجات الاحتلال المتوالية بحرية ويسر وانهيار وحدة الدولة المركزية بين دويلات الطوائف التي خرجت عنها في اكثر من منطقة لتتهاوى طموحات التغيير في حجب القهر والتخلف، فكان من بين الدويلات التي تقاسمت المنطقة مع الدولة العباسية الأخشيد بمصر والشام والطولونيين في مصر والزيادية في اليمن والأغالبة في تونس والأدارسة في الغرب العربي والظاهرية في بلاد فارس. وكان من مظاهر الحقبة الطائفية ان أصبح الإفتاء وظيفة رسمية وساد الانغلاق الفقهي وجرى اشهار الحرب على الفلسفة وتحول حفظ الدين ومصلحة الأفراد والأمة الى حفظ للعرش وصون لمصالح الحكام وأصبحت كتب الرواية تعج بالاسرائيليات ووصل الامر في تطويع الحديث الى حد تجويز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، كما سادت الخلافات حول التفاصيل والجزئيات، فالحنابلة قالوا بجواز الأذان بغير العربية مطلقا والباقين لم يجوزوه، كما جرى الاختلاف حول مبطلات الوضوء وموجباته والاستطراد في فقه الجنس. ومع مجييء دولة العسكر الترك «256 ـ 333» شهدت هذه الفترة احتراب الطوائف بدعم من السلطة الحاكمة بشكل يساعد على نجاحها في كبح خصومها وصلت الى مرحلة يؤسف لها وامتد التقاتل الطائفي الى المدينة المنورة وكان ظهور القرامطة ذريعة اضافية لتعميم القمع الطائفي في أكثر من منطقة. ومع حكم الطولونيين لمصر «255 ـ 293» وفصلها عن المشرق العربي حاول احمد بن طولون الإيغال في التمذهب السني لقطع الطريق على مراكز النفوذ في العراق من التآمر عليه طائفيا وجرى استخدام تهم الزندقة والارتداد لمحاربة الخصوم. أما المرحلة البويهية والتي جاءت بعد أن أخلي العساكر الترك دورهم القيادي للبويهيين «333 ـ 447» فقد تفاقمت خلالها الانقسامات الطائفية في فصل آخر للحقبة الطائفية رغم ان بدايتهم اتسمت بالتسامح الطائفي. اما المرحلة السلجوقية «488 ـ 690» فقد عمد فيها السلاجقة لتسويغ شرعيتهم وقبول استبدادهم بغطاء فقهي فتنامى في عهدهم دور المدارس الفقهية والتي كانت إحدى المقومات الطائفية لإذكاء انقسامات المجتمع. وعلى هذا المنوال تجذرت الطائفية في المراحل الفاطمية والأيوبية والمماليك والعثمانيين مع خلاف في التفاصيل. ويخلص المؤلف من استعراض موضوعه الى أن الطائفية كانت تحولا تراجيديا فرضته الأحداث لتطوي صفحة عصر التمذهب مؤكدا ان التعددية المذهبية لا تعني البدء باسلام جديد وإنما هي احدى الضوابط والمقومات لوضع الاسلام في سياقه الحقيقي وأن معالجة هذه القضية يعد أحد المهام الكبيرة التي تتجاوز بها الأمة ضعفها وهو عمل لابد ان يرتبط بإعادة التنقيب في التاريخ وازالة ذلك الغموض المتعمد عن كيفية التشكل الفئوي الطائفي وأوعيته الفضفاضة بأطروحات اسلامية وهي مهمة رجال الدين والباحثين المخلصين الذين يعتبرون أقدر على تحمل المسئولية من اولئك المستغربين الذين يريدون الغاء الدين من حياتنا ولذا فإن المطلوب جهد مؤسسي بما يدعم التجديد في قراءة الموروث الديني. مصطفى عبدالرازق