كما عوّدنا دائماً على شكل من الكتابة الرشيقة الحارة الممعنة في استخلاص العبر، يقدّم لنا الدكتور حسن مدن كتابه الجديد «مزالق عالم يتغيّر»، ذلك العالم الذي نعيشه للتوّ واللحظة وعلى أعتاب الألفية الثالثة بمشكلاته الجديدة التي برزت لتؤكّد أن الثقافة القديمة مازالت مستمرة فينا، وترمي بظلالها الغبية على سائر بقاع العالم وبمساواة تامة هذه المرة، دون تفريق بين غني وفقير، وبين متخلّف ومتقدّم، إنها ثقافة العنف المتبادل التي مازلنا نتوارثها منذ بداية الوعي الإنساني مع إضافة بعض الرتوش لها لجعلها مقبولة في كلّ حقبة.. إنها في الحقيقة كل تاريخ الانسانية الذي لم يقم إلا على الدماء، دماء الأضحية من أجل إعادة ترتيب البيت، وإلى ذلك فإن كلّ هذا التاريخ الموغل في القتل، بات علينا إيقافه، ولكن كيف السبيل الى ذلك؟! التاريخ على حدّ تعبير الدكتور مدن قابل على الدوام للمقايسة بين الأمس واليوم، فهو الذي يرينا جذور الأشياء ومسبباتها وبواعثها، وهو على الدوام يكتب بأقلام المنتصرين، ولطالما أن هذه الأقلام مختلفة زمانياً، فإن الروايات ستتعدد بحسب ثقافة كل عصر، بمعنى أنه بالإمكان دائماً إجراء تعديلات بسيطة عليه، لكي يظلّ مستوطناً خلايانا فنأخذه معنا أينما شئنا، أليس هو مفخرتنا؟! ولكن ماذا عن إعادة كتابة هذا التاريخ الدامي، ماذا لو أهملنا ثقافة العنف والدم، وسارعنا الى بناء بيتنا الكبير دون قتل ودماء، وهل من الضروري ان يظل التنافس في هذا العالم الضارب في قسوته من أجل الغاء الآخر، وليس من أجل الارتقاء به ومعه؟ أعتقد أن الثقافة الانسانية لن تصغي الى نداءات المثقفين العاجلة، وانما سيعجب السادة الساسة بشرى الانتصار التي زفها عمنا فرانسيس فوكوياما، حول «نهاية التاريخ» او عمنا الآخر حول «صراع الحضارات»، مما يدفع الدكتور مدن للردّ قائلاً: بأن أطروحة فوكوياما حول نهاية التاريخ الموعودة، ليست سوى بداية لتاريخ جديد من الهيمنة والغطرسة وإملاء الشروط من القوي على الضعيف الذي وجد نفسه عارياً الى الحائط، ومثل هذا التاريخ لا يمكن ان يشكّل نهاية أبداً. إنه سيرورة دائمة تعيد انتاج نفسها بأشكال مختلفة، وكأننا في ذلك نعيد انتاج قصة الخلق التي قامت على الدماء، ودليلنا على ذلك «أولى حروب القرن» التي تشنّها الأمم المزهوة بأسلحتها وجبروتها على الأمم الضعيفة المستلبة.. إنها بالأحرى قوّة النظام العولمي الجديد الذي دشّن ولادته بالذهاب الى حافة العالم على حد تعبير المؤلّف ليواجه ظاهرة أنتجها هو بنفسه في أيام الحرب الباردة، فبات علينا جميعاً القبول بمنطق القوّة الهمجي، وإلاّ فإننا سنعتبر مع الإرهاب، وليس ثمة خيار ثالث.. بمعنى أن خيار المثقفين الناص على هندسة العالم إنسانياً وفق المباديء العظيمة التي شرعها التاريخ الانساني، سيتم اقصاؤها الى الأبد، وستدخل الانسانية متاهة «بورخيسية» أشبه بأمثولة السجين التي أوردها الكاتب: «حيث تبدو حرية الإنسان المعاصر أشبه بالعبء فوق كاهله. شيء يشبه رزمة الرز الضخمة التي يثبتها المحكوم عليه بالأشغال الشاقة هناك فوق ظهره المتقوّس الذي قد لا يستوي أبداً، وفيما يدفع إنسان المجتمعات الغربية المتقدمة الى متاهات من هذا النوع من «الحرية السجينة» تعززها آليات العولمة التي تطبق الخناق على هذا العالم، وفي سبيل تمكّنها من أسباب القوّة فإنها ستذهب بالأمور الى أقصى احتمالاتها بما فيها شنّ الحروب وتجريب وسائل وأسلحة الدمار في البشر والحجر، وهي في هذا كلّه لا تؤسس تاريخاً جديداً من الهيمنة فحسب، وإنما تعيد تكييف التاريخ برمته في خطاب جديد ينضح بالايديولوجيا تحت زعم نقض الايديولوجيا ذاتها..» وإلى ذلك فإنه سوف يستحضر مثال نعوم تشومسكي كرمز للثقافة الديمقراطية وللحركة الاجتماعية في أمريكا ذاتها، والذي رد على سؤال صحفي حول التأثير الذي أحدثته هجمات الحادي عشر من سبتمبر على الحركة المناهضة للعولمة، وعموماً على اليسار فأجاب بالقول: جاء الاعتداء ليوجّه ضربة موجعة حقاً لكل من يقف ضد بنية سلطة مركزية احادية، وبهذا كانت ايضاً ضربة موجعة للفلسطينيين، للفقراء والمضطهدين، لأن مخاوفهم المشروعة وشكاواهم قد أجّلت وأحيلت الى الظلّ.. وبالطبع كلّنا عاش اللحظات الرائعة في مؤتمر «دوربان» حيث تمكّنت المنظمات غير الحكومية العالمية من احراج ثقافة القوّة، وكأنها كانت بداية لزمن جديد سيبني أسواره بمتانة بوجه ثقافة العنف والهيمنة، وإنها بالفعل كادت لتكون لحظة خالدة، لولا العملية الانتحارية وضرب برجي مركز التجارة العالمي بنيويورك، التي ستبرر للساسة تأجيل كلّ شيء والعودة الى نهر الدماء، وذلك بتهديد العالم وترويع أمنه ومن ثمّ القصف المركّز الذي يستخدم تكنولوجيا فائقة الدقّة على أهداف متواضعة، أو على «منازل تشبه الأطلال لأبرياء قادهم حظّهم العاثر أن يولدوا على أرض أفغانستان، وأن يعيشوا على مقربة من الهلاك الذي يأتيهم زائراً متخفياً في الليل»، وكأنها عقاب من السماء، بينما سيبدو للناظر اليها عبر شاشات التلفزة وكأنها مهرجان للألعاب النارية، فتسرّ ولا تزعج وعلى حدّ تعبير المؤلّف: إنها الحرب النزهة التي كنا نسمع عنها ولا نصدّق بوجودها، وهي لفرط بساطتها ولفرط فاعليتها في تحقيق أهدافها بسرعة قياسية، وانعدام خسائر من يشنّها تغري بتكرارها في أي منطقة في العالم كلّما عنّ له ذلك.. وهنا يكمن بيت القصيد كما يقال، الإغراء في إعادة مهرجانات الألعاب النارية كلما عنّ لهم أن يفعلوا ذلك، طالما ان المسألة لن تقتضي سوى كبسة زرّ من بارجة او مدمّرة، أو من طيارة ليلية، ولن تكلّف شيئاً على الإطلاق، بل إن من كبس الزر، سيظلّ فرحاً ومنتشياً، وسيذهب الى فراشه لينام هانئاً، ولن يشعر حتّى بتأنيب الضمير! والى ذلك سيشير المؤلّف مستشهداً بسمير أمين الى أن النمط الأمريكي للحياة الذي يقدّم بوصفه مشروعاً كونياً للعالم كلّه وللشعوب كلّها، يتقدّم عبر القوّة العسكرية التي وصفها توماس فريدمان باليد الخفية الموازية لليد الخفية لاقتصاد السوق. البحث عن منفذ من خلال حوارات عدّة لمثقفين مرموقين سوف يستنتج المؤلّف ان حضارتنا الراهنة تعاني من حالة تأزم واختناق، حيث شيّأت الآلة والعلم الانسان وأبعدته بقسوة عن عوالم الروح المشرقة والقلب الفياض بالرحمة والإنسانية، ورغم انفتاح العالم على بعضه عبر وسائل الاتّصال الحديثة، واختزال المسافات وتداخل الثقافات، فإن رائحة الانغلاق تفوح أساساً في تلك البلدان التي تبشّر بالعالمية، وعلى حدّ تعبير ريجيس دوبريه: أوروبا اليوم أنانية ومقفلة أكثر مما كانت في الماضي، والى ذلك سيبزغ السؤال الذي لابدّ منه عن السبيل الأمثل لفكّ حالة الاختناق المستعصية هذه؟ وسيجيب المؤلّف عن ذلك قائلاً: ربّما آن الأوان لمضاعفة الجهود نحو صوغ ثقافة مضادة لتلك التي جعلت الغرب حتى الان وصياً على الآخر، زاعماً احتكار تمثيله، وإقصاء هذا الآخر، الذي هو نحن كمجتمعات الشرق أو أهل الجنوب، وفق التصنيفات المتّبعة، عبر شحذ آليات ديناميكية ثقافية جديدة، لا لتشكّل بديلا لثقافة الآخر، وإنما لإبراز الندية الثقافية والحضارية التي تبرهن على أن في الشرق من الفاعلية الروحية ما هو ضروري لخلق التوازن الضروري. نحو أنسنة الحضارة المعاصرة التي تذهب بعيداً في ماديتها واستهلاكيتها وفقرها الروحي. نحو حضارة ذات عقل وقلب في الآن نفسه. وسيتدارك المؤلّف حماسه هذا بعد قليل ليشير الى صعوبة تحقيق ذلك بسبب فقدان لغة الإيصال والاتصال، حيث ان المثقفين والمبدعين في اليابان، البلد الأكثر تقدماً، لم يتمكنوا الوصول الى مراكز الشهرة والتأثير في ثقافة الغرب كما هو مطلوب، فكيف اذن ببقية مثقفي العالم..! العالم بوصفه صورة لاشك ان التطورات الخطيرة التي عصفت بالاقتصاد العالمي ساهمت بدورها في تطور وسائط الإعلام وعولمتها. فمنذ أواخر الثمانينيات ومع سقوط الحصون الشيوعية التي كانت منيعة، بدأ يتّضح للعالم ان الثورة الاعلامية الجديدة، إنما هي سلطة حقيقية وصناعة ربحية ممتازة لبارونات وسائل الاعلام الجدد من أمثال: ماكسويل ومردوخ وتيرنر وغيرهم، وبالتالي فإن هذه السلطة الجديدة باتت أحد أهم ركائز النظام العالمي الجديد، الذي باتت معالمه تتضح بعيد سقوط الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة، والى ذلك فإن د. مدن سوف يتناول في هذا الفصل أثر هذا الاعلام الكوني الجديد، في صناعة الحدث، وبأن من هم وراء الشاشة تحديداً هم أسياد صنع الحدث، سواء وقع الحدث في الواقع، ام لم يقع، فإن لحظة وقوعه الحقيقية في زمننا هذا هي لحظة بثّه على الشاشة، أي لحظة توظيفه، وهو الى ذلك سيسوق أمثلة كثيرة في هذا المجال بدءاً من الذكرى العاشرة لانتفاضة الطلبة في الصين، الى المجاعة المدمّرة التي اجتاحت اثيوبيا، الى مونيكا لوينسكي، ومن كلّ تلك الأمثلة التي استحضرها، إنما كان يريد اثبات فكرته بأن الحدث مهما كان كبيراً، «ولنفترض هنا على سبيل المثال الهجوم الارهابي على مركز التجارة العالمي» فإنه لن يبدأ واقعياً إلاّ حين بثّه على الشاشة، أي لحظة توظيفه في الأغراض السياسية وغير السياسية، فهل كان الحدث الأمريكي سيترك مثل ما ترك من آثار على العالم لولا الكاميرا التي كانت موجودة لحظة اصطدام الطائرة بالبرج، ومن ثم بثّه على سائر شبكات التلفزة في أرجاء المعمورة، بمعنى آخر: ان وسائل الاعلام باتت طرفاً حقيقياً في صناعة القرار وفي تكوين قناعات الكتلة الواسعة من المتلقّين، وهي بمقدار ايجابياتها في تنوير الرأي العام، والوقوف مع قضايا الانسان وحريته، إلاّ أنها في الوقت نفسه تسعى لخدمة الرأسمالية الكونية الجديدة.. انها صورة الديكتاتور المابعد حداثي على حد تعبير المؤلّف، ديكتاتور يحقق أغراضه بأنامل ناعمة وابتسامات رقيقة، ولكنه في المحصلة النهائية يحقق ما كان الديكتاتور التقليدي يفعله: فرض كلمته بوصفها الكلمة الفصل. والسبب في منتهى البساطة: أن من يقف وراء الشاشة هم أنفسهم من كانوا يقفون عبر كل العصور خلف مواقع القوّة. والشاشة اليوم هي إحدى أهم هذه المواقع. انه في الختام عالمنا الذي يتغير سواء شئنا ام أبينا، وعلينا ان نفهمه ونبادر دائماً الى تأكيد حضورنا الثقافي والإنساني فيه عبر وسائل الإعلام نفسها، وإلاّ فإن التطورات العاصفة وسوء النية، وسوء الفهم، ستمكن أعداءنا منّا.. إنه كتاب ممتاز، يقرأ ويناقش. عزت عمر