خلاصة تجربة سليمان ماجد الشاهين عصارة تجربة دبلوماسي حصيف سلخ أكثر من ثلاثة عقود سفيرا لبلاده في دول عربية وأجنبية ثم وكيلا لوزارة الخارجية ووزير دولة للشئون الخارجية، قد جعله موقعه الدبلوماسي المتقدم أحد صناع السياسة الكويتية أحيانا ومراقبا لصناعة القرار دائما. وبحكم موقعه الفعال في بلاده والمتصل مباشرة بالعالم كواجهة للدبلوماسية الكويتية فقد شارك بأوراق بحثية وبمحاضرات مهمة في ندوات محلية وعربية وعالمية ثم وجد بعد النظر في هذه الحصيلة من الثقافة السياسية أو من المهارة الدبلوماسية المتبلورة في هذه المحاضرات خيطا رفيعا ينظمها واحدة تلو الأخرى انه حدث الغزو والاحتلال العراقي للكويت في أغسطس 1990 فهذه الأوراق تتناول قضايا خليجية سابقة على الغزو ولكنها في مضامينها ارهاصاته. وقد أتاحت هذه الأوراق والوثائق الملحقة التعبير عن الأفكار دون تردد، وبين حصافة السياسي وسعة أفق رؤاه وبين الكلمة المنسابة بعذوبة على قلمه نمضي مع الدبلوماسية الكويتية بين المحنة والمهنة. من يكتب عن الحديث بعدما يعايشه منذ الارهاصات الأولى أو منذ كانت الأيادي تنثر بذوره لتصنعه كمن يكتب وهو ينظر أو يراقب الأحداث مراقبة عادية ولكنه يعمل قلمه معتمدا على دأبه فقط، ولعل المتعة في قراءة المحاضرات التي ضمها كتاب «الدبلوماسية الكويتية بين المحنة والمهنة» مستمدة من ان كاتبها الاستاذ سليمان ماجد الشاهين عاش أحداث الاحتلال العراقي لدولة الكويت وعايشها، عاشها كواحد من صناع القرار في كويت السلام والوئام وله اطلاعاته على كل كبيرة وصغيرة كانت تدور على الصعيد العالمي أو العربي أو المحلي بخصوص هذا الحدث العظيم، وعايشها كواحد من أبناء الكويت الذين لم تنته معاناتهم الى اليوم من جريرة ذلك التهور والانسياق خلف الأطماع التي استيقظ العالم على فظاعتها في الثاني من أغسطس 1990 حين دخلت الآلة العسكرية العراقية أرض الكويت غازية وليست الكويت وحدها التي تعاني من جرائر ذلك اليوم وانما العرب قاطبة لا يزالون يلوكون مرارة ذلك الحدث المؤلم المحزن، وقد عبر أمير الكويت عن فداحة ذلك الاعتداء بقوله حينذاك: «ما يحزننا أيها الاخوة.. ان مصدر هذا العدوان الغاشم لم يكن عدوا معروفا فنتقي شره أو بعيدا عنا فنرتاب في أمره ... واذا كان هذا العدوان قد تمكن من احتلال أرضنا فانه لن يتمكن أبدا من احتلال عزيمتنا»، وذلك ما كان حقا فمادامت العزيمة حرة فان استعادة الارض أمر ممكن وهذا ما كان في الخامس والعشرين من فبراير 1991م، حين يكتب سليمان ماجد الشاهين عن ذاك الخطب الجلل ـ بضع محاضرات فانه يسلسل هذه المحاضرات وفق مراحل الحدث فيبدأ بارهاصاته أو بقراءة في خلفيات ما قبل الغزو والتي بدأت بتجاوزات النظام العراقي على الأراضي الكويتية ورغبة الكويت في ازالتها وتفاعلات القضية ومن ثم مطالبة العراق بالاستفادة من جزر الكويت وممراته المائية وموانئه، رغم ان لدى العراق مجالا لاقامة موانئ على الخليج، وتلا ذلك مذكرة عراقية الى الجامعة العربية تضمنت مضامين ثلاثة أساسية، أولها موضوع الحدود واتهام الكويت باقامة منشآت عسكرية ومخافر ومنشآت نفطية على أرض العراق. وثانيهما اتهام الكويت ودولة الامارات بتنفيذ عملية مدبرة لاغراق سوق النفط بمزيد من الانتاج خارج الحصة المقررة في الأوبك. وثالثهما اعتبار ما تقدم حربا اقتصادية على العراق، وتطالب المذكرة بالغاء الديون عن العراق، وكانت هذه المذكرة مما رفع حرارة الأجواء المتوترة، ولكن الكويت فندت ما جاء فيها في 18 يوليو 1990. دوامة الحسابات الخاطئة في المحاضرة الثانية والتي كانت رؤية كويتية للمسألة العراقية بين متطلبات الحاضر وخيارات المستقبل، يتوقف الشاهين مع جغرافية وتاريخ الكويت مفندا ادعاءات النظام العراقي ومن ثم يتحول إلى مبررات العراق للغزو انطلاقا من اتهامه للكويت والامارات باغراق السوق النفطية والتسبب بتدني الأسعار، وأخذ المحاضر يستعرض وقائع الاجتياح المرير والحسابات الخاطئة التي وقع بها النظام العراقي، فبالاضافة الى مطالبه بمنافذ وموانئ على الخليج واصراره على الغاء ديونه كان يدعي تارة بأن انقلابيين كويتيين استدعوا النظام العراقي للمساندة وتارة أخرى يضع سيناريوهات لا يتقبلها العقل ولا المنطق وهي أقرب الى الخيال وبموجبها يتحرك بخطوات تأتي حساباتها خاطئة جدا، هذا فضلا عن زعمهم بأن الكويت فرع من العراق، وردا على ذلك يستند المحاضر الى الحدود والتاريخ الثابت والمعروف لدولة الكويت، فحدود الكويت تم ترسيمها عام 1913، وبعد ان يصور واقع المنطقة المحموم وترقبها القلق وتوجهها الى اتخاذ الاجراءات الأمنية والدفاعية المكلفة وهذه الصورة التي أكرهها عليها النظام العراقي بحساباته الخاطئة يتحول الشاهين الى مطالب وموقف الكويت المتضررة الأولى من حسابات النظام العراقي الخاطئة، وأول هذه المطالب الضمانات الأمنية ومن ثم فهي تطالب بالأسرى والمفقودين الذين يصل عددهم الى 605 ممن اقتادهم النظام العراقي الى سجونه بعد خروجه مرغما من الكويت، وتطالب أيضا بالتزام العراق بحزمة من القرارات الدولية وأما بخصوص الاعلام العراقي فانه لا يزال يعتمد منذ ما قبل التسعينيات نهجا خطيرا من تسميم الفكر بمعلومات مغلوطة عن الكويت والمنطقة. فهلا صاغت العراق اعلامها بما يطمئن الكويت للبدء بالخطوة الأولى لمسيرة الألف ميل ولا تتدخل العراق في قرار دول الحوار وتكف العراق عن وهمها بانتصار في أم المعارك معالجة هذه القضايا ولا بأية حركة، مع العلم ان اهتمام العراق بهذه القضايا لا يرضي الكويت فحسب وانما يساهم في رفع الحصار عنه ويفتح الأبواب أمام بغداد لاستعادة العلاقات الطيبة مع مختلف دول العالم، فالغزو والتدمير لم يلحقا بالكويت وحدها بل تأثر بهما الخليج العربي وتجاوزاه الى العالم العربي ومن ثم العالم بأكمله، والدمار الذي شمل العالم تخطى الخسائر المادية ليترك أثرا سياسيا غير محمود ألم بالعمل العربي المشترك. وحول احتمالات التغيير في العراق وأثرها على الكويت كانت ثالث محاضرات الكتاب وتبين المحاضرة ان حرارة الخليج ستظل مرتفعة طالما ظل العراق مريضا بسياساته العنيفة والمدمرة، واذا كانت الكويت اهتمت بالشأن الداخلي فقد تولد هذا الاهتمام اثر كارثة الثاني من أغسطس 1990 وبعد ذلك يضع الشاهين الأوضاع السياسية في العراق تحت المجهر مقسما المجتمع العراقي الى شرائح ما قبل ظهور حزب البعث وما بعده كما يقسم الأجيال السياسية في العراق تأثيراتها والمؤثرات فيها، ثم يحلل الوجه الآخر للوضع الراهن ويبحث في رؤى المراقبين السياسيين وتحليلاتهم للكيفية التي يمكن أن يحدث بها التغيير في العراق فينظر في حالة بقاء الوضع الحالي ومن ثم فيما لو تم تغيير القيادة وبقي الحكم ويتحول الى احتمال ثالث ألا وهو التغيير الجذري وهناك أيضا احتمال لا يتغاضى المحاضر عنه وهو التآكل الداخلي فالسلطة المركزية التي تعتمد الاستبداد والعنف ليست بالضرورة هي الأطول عمرا والأقوى على البقاء، ويبحث المحاضر في تأثيرات الوضع الراهن. على الكويت حاضرا ثم يستشرف احتمالات المستقبل ومردودها على الكويت. بين المحنة والمهنة واذا كانت محاضرات الكتاب تبحث في النزاع الذي تمخض عن أحداث الثاني من أغسطس المأساوية وتطورات ذلك النزاع وتفاعلاته رغم ما مضى من وقت إلا ان الكتاب الذي ضم هذه المحاضرات التي بحثت في الأمن السياسي بين مصادر التهديد وضوابط الردع بحثت أيضا المنظور الأمني لبلدان مجلس التعاون الخليجي في ظل هواجس دائمة لتهديدات قائمة وفي العلاقات العربية ودور الجامعة العربية التي يعزو المحاضر كل ما يصدر عنها من قرارات الى أعضائها وليس الى أمانتها العامة فأي دور اتسم به لقاء الأعضاء في المحن والمسلمات؟ وبعد أربع سنوات من المحنة التي ابتليت بها الكويت والمتمثلة باجتياح العراق لأراضيها يتأمل سليمان ماجد الشاهين تلك المحنة فلا يرى في تطوراتها وما جرته من تأزمات صغرت أم كبرت إلا شريطا متتابعا يبعث على الألم والقنوط وفي ورقة بحث أعدها في 1994 تدور هموم السياسي، والمتمعن في كل ما يحدث، حول الحدود والأمن والأسرى معتبرا ان الذي أصاب الكويت لا يمكن أن ينسى ولو استطاعت الكويت مع الزمن أن تتسامح وتصفح فالجراح غائرة حتى أعماق النفس، وتتوالى المحاضرات والبحوث المهمة التي تمعن في الانكسارات التي نتجت عن أحداث أغسطس 1990 ولكنها لا تقتصر جميعها على تقليب أوجه المحنة ودبلوماسيتها وانما تتوجه الى الدبلوماسية الكويتية كمهنة، ففي محاضرة ألقاها في لندن عام 1995 بعنوان «قراءة في التجربة الدبلوماسية» بين فيها ان الكويت الدولة المحدودة المساحة القليلة السكان تستغل ثروتها للانتشار على مساحات أوسع من مساحتها في مختلف عواصم العالم والمساعدات المختلفة لدول العالم والاستثمارات الخارجية أينما سنحت الفرصة والانفتاح على العالم الخارجي وفتح أبواب المجتمع على العالم الخارجي للاستفادة من الطاقات الأجنبية. وفي محاضرة «دبلوماسية المفاوضات» يتطرق الشاهين الى بعض أشكال التفاوض كطريقة المفاوضة الدبلوماسية الاعتيادية وطريقة المساعي الحميدة وطريق الوساطة ولجان التحقيق، فالتحكيم والتسوية القضائية ومن التعميم ينتقل الى التخصيص ليدور حديثه حول المفاوضات في السياسة الخارجية للكويت. واذا استعرضنا بعض محاضرات الكتاب لنقدم صورة عنه فان هذا الكتاب ضم محاضرات عديدة أخرى ولكنها تدور في الفلك ذاته ما بين قضايا المحنة وتشعباتها ودبلوماسية المهنة واتقانها، وفي الحالتين يقدم الكتاب الكلمة النظرية مقرونة بالفعل الذي كان أوانه سوف يكون ناظرا اليه بعين الحصيف الذي منحته خبرته بالماضي ودوره فيما يحدث حاضرا امكانية الرؤية البعيدة التي تستقرئ ملامح المستقبل. أنور الياسين