يرفع جنس جولد صورة قديمة لاسطورة جريتا جاربو التقطها مصور المشاهير نيكولاس مري سنة 1929 ثم يسحب من ملف سميك صورة اخرى هي طبق الاصل للصورة التي صنعها بنفسه. انها نسخة متطابقة يمكنها ان تغش اكثر المتاجرين بالصور مهارة، وقد يبيعها محتال بألوف الدولارات في مزاد علني. في غرفة التظهير المعتمة يعرض جولد طبخته السحرية اي ادوات التقليد التي يستعملها والمؤلفة من ورق طباعة الصور صنع في الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين استطاع جمعها في رحلاته الى اوروبا الشرقية ونسخ الطبعات السالبة «النيجاتيف» لبعض اغلى الصور في العالم. ويقول جولد بابتسامة ذات مغزى ان الصور القديمة اخذت قيمتها ترتفع ولذلك اخذ النشاط الجرمي يزداد. وفي مكتبته الملحقة بمختبره الارضي، يستعد كلاوس بولماير لطلب براءة اختراع لطريقة تحليل الورق مصممة لمكافحة الصور المزيفة من النوع الذي برع جولد في انتاجه. جولد وبولماير مواطنان المانيان خبيران في المحافظة على الصور الفوتوغرافية وهي مهنة تخصصية جدا، توجد فقط في فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة. وقد امضى الاثنان مؤخرا فترة زمالة في متحف جورج ايستمان هاوس، اقدم متاحف الصور الفوتوجرافية في العالم، حيث وجدا نفسيهما على نحو غير متوقع غارقين في القضية الابرز التي يعنى بها الميدان الذي اختارا العمل فيه وهو كيفية كشف الصور الفوتوغرافية القديمة المزورة. ان الصور المستنسخة من اطار «نيجاتيف» واحد تبدو متماثلة ولكنها متراوحة جدا من حيث القيمة ففي سوق الصور الفوتوجرافية الفنية التي يبلغ حجمها السنوي 200 مليون دولار الصور الاصلية التي التقطتها كاميرات ووكر ايفانز وانسيل ادامس ودوروثيا لانج او نسخها اصحاب استوديوهاتهم شخصيا قيمتها اكبر بكثير من قيمة النسخ التي صنعت بعد وفاتهم. وقد شهدت التسعينيات ارتفاعا حاداً في قيمة الصور القديمة، وقد رفع احد الجامعيين مبلغاً قياسياً قدره مليون دولار ثمنا للنسخة بصورة «دموع زجاجية» التقطها مان راي في العام 1932 واليوم يتكاثر في الساحة ظهور صور يفترض انها نادرة من القرن العشرين ومرشحة للتزييف. ان التزييف ظاهرة شائعة وقديمة تتحسب لها تجارة التحف الفنية كالاثاث والكتب واللوحات والمنحوتات القديمة، إلا ان الروائع الفوتوجرافية دخلت منذ عهد حديث فقط في اطار الاشياء التي ينبغي التدقيق في اصالتها وذلك بعد اكتشاف العديد من الاعمال المزورة. الجامع الالماني فرنز بوكلبرج جمع 78 صورة لمان راي بعد وفاة الفنان الامريكي في العام 1976 وقبل اربع سنوات اكتشف لهوله الهواة ان معظم تلك الصور مطبوعة على ورق اجفا ـ جيفرت الذي بدأ تسويقه في العامين 1992 و1993 فقط، وفاقت خسائره المليون دولار. وفي شهر فبراير الماضي خصص والتر روزنبلوم، حافظ اعمال المصور لويس هاين مبلغ مليون دولار للتعويض على تجار اشتروا منه نسخا تعود للعام 1940 ولكن تبين انها صنعت في الحقيقة بعد العام 1950 وكان هاين الذي اشتهر بتصوير الحدادين الذين بنوا مبنى امبايرستيت، قد توفى في العام 1940 اي قبل عشر سنوات من البدء باستعمال مواد التلميع التي تجعل ورق طباعة الصور الفوتوغرافية تبدو اكثر بياضا. وساعد الحافظان بول مسيير وفاليري باي على اثبات ان تلك النسخ المشبوهة تحتوي على مواد تلميع او انها طبعت على ورق يحمل شعار جفا الذي بدأ استعماله في الخمسينيات. ويقول جرانت رومر، مدير المحافظة في متحف ايستمان هاوس ان التزييف ملازم لارتفاع التصوير الفوتوغرافي الى مرتبة الفنون الجميلة. ان اي سوق فنون جميلة معرضة للاختراق وعلى المشترين ان يحترسوا ويتوقعوا وجود سلع مغشوشة. ان الاعمال المزورة بشكل فظ وظاهر تملأ سوق الصور الفوتوغرافية الرخيصة اصلا، مثل صور الحرب الاهلية الامريكية التي تباع على شبكة الانترنت ومع ان اعمال تزوير الصور الغالية تعتبر معزولة إلا انها قد تصبح اقل عزلة قريبا. ومن اسباب ذلك انه يتوقع ان تتصاعد الاسعار مع حلول التصوير الرقمي محل التصوير التقليدي. هذا الامر حفز الجميع على التدقيق اكثر في الصور «وهذا بالضبط ما نريده» كما يقول رومر. والحقيقة ان غموض منشأ الصورة لا يعني بالضرورة وجود غش او هدف شرير في معظم الاحيان، فالنسخ لا تسجل عادة ولذلك تاريخها معرض للخطأ، وفي سوق الفن لا تثير الصور العائدة الى ما قبل العام 1900 مشاكل تذكر، اذ ان التعرف عليها سهل نسبيا في رأي باس عميد معهد ديترويت للفنون. ويقول باس: ولكن الاعمال العائدة لمرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية تدعو الى التساؤل ويتوجب علينا ان نركز على المرحلة التي تبدأ بنهاية كميات كبيرة من الصور التي ينبغي ان يتم تنقيتها وترتيبها اننا بحاجة ماسة لذلك. والتأكد من الاصالة وصحة المنشأ تحتاج الى خبرة واسعة وعين حادة، إلا ان عشاق هذا الفن بدأوا في الآونة الاخيرة يستعينون بالادوات القديمة والحديثة لتحليل الالياف وعلامات الماركة والتفاعلات والعمليات الكيميائية وقواعد المعلوماتية التي اخذت تمتليء ببصمات اصابع «المصورين». ويقول مسيير عميد متحف بوسطن للفنون الجميلة ان ذلك النوع من الفهرسة شيء تقليدي تماما في سوق الفنون الجميلة، فنحن نعرف اي نوع من الورق كان يطبع عليه رامبرانت ومتى. ولكننا لا نعرف نفس الشيء بالنسبة للتصوير الفوتوغرافي بعد. ولكنه اصبح في متناول ايدينا. ويوافق باس على ذلك قائلا: ان الخبرة متوفرة فمكتب التحقيقات الفيدرالي والمختبرات الجنائية وخبراء المعامل الكيميائية ومصانع الورق كانوا يعرفون طيلة الوقت ما اخذنا نكتشفه لتونا، إلا ان هؤلاء لا يتعاملون بالفن. واكتشفنا الآن ان ثمة حاجة لان نحاول حشد جهود وخبرات الجميع. لقد قامت بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة والمانيا برعاية التصوير الفوتوجرافي كفن منذ طفولته في العام 1939 واشرفت على نموه ليصبح سلعة جماعية احدثت تغييرا في الوعي الانساني ولكنها لم تباشر تأسيس معاهد مكرسة فقط للمحافظة على الصور الفوتوجرافية إلا في العام 1975. وتعود الريادة في هذا المجال لـ «استمان هاوس» دارة عائلة ايستمان المشهورة في عالم الفوتوجرافيا، والتي تم تحويلها الى متحف في العام 1949، وفي العام 1999 اصبح المتحف سباقا مرة اخرى عندما اسس برنامجا خاصا لتدريس المحافظة على الصور. وبما ان ما يتراوح بين 50 و100 شخص فقط يعملون في هذه المهنة بدوام كامل في العالم، يسعى المتحف الى نقل خبرته بسرعة الى البلدان التي تملك ارشيف صور مبهرة ولكن لا يوجد لديها خبراء مؤهلون للمحافظة عليها. واستعان جولد بكمية من الورق القديم بحوزته، واجرى اختبارات بمحاليل قديمة معروفة او سوائل يعتمد عليها، مثل الشاي فاكتشف انه يستطيع يقلد بسرعة علامات التلف التي تظهر مع السنين، مثل اصفرار الورق واللمعان المعدني وهي تتطلب عشرات السنين لتحدث طبيعيا. ويقول جولد: اذ اتقن شخص الناحية التقنية يحتاج الى اناس مفسدين لاعطائه النسخ الاصلية ولبائع او جامع لا يتوانى عن انزال قطعتك المزورة الى السوق. ويقول باس: يعتقد الخبراء انه مهما كانت مهارة المزورين فإن التزييف لن يبلغ مستوى الكمال وستكون هناك فوارق، مهما كانت صغيرة يستطيع الخبراء ان يكتشفوها اذا توفرت لهم الادوات اللازمة. خدمة أ. ب خاص ل«البيان»