المصطلح العلمي، وهو اللفظ الذي يتفق عليه العلماء، ليدلوا به على شيء محدد ويميزوا به معاني الاشياء بعضها عن بعض، وهو جزء من المنهج العلمي، وركن أساسي في كل علم. والمصطلحات العلمية تتبع بالضرورة تقدم العلوم وازدهارها، بما يصاحبها من اكتشافات واختراعات وهي قديمة قدم العلم. وقد كان لمدرسة المفكرين الاحرار في الاسلام، وهي مدرسة المعتزلة، بحوث عقلية هدفها الملاءمة بين العقل والنقل، وكان من الطبيعي ان تظهر في كتاباتهم مصطلحات واضحة استعملوها في مجادلاتهم وسجلوها في كتبهم وقد تسللت الى كتبهم بعض المصطلحات الأعجمية نتاجا للترجمة التي كانت ناشطة. ومؤلف كتاب «مفاتيح العلوم» هو أبو عبدالله محمد بن احمد بن يوسف الكاتب البلخي الخوارزمي، وهو عالم غير أبي عبدالله الخوارزمي الرياضي المعروف والذي عاش في النصف الأول من القرن الثالث الهجري، إذ ان عالمنا هذا عاش في القرن الرابع الهجري وألف كتابه الوحيد. وقد أورد «حاجي خليفة» ان الخوارزمي هذا قد توفي سنة 387هـ وقد قسم المؤلف كتابه الى مقالين، تحتوي الأولى على ستة أبواب فيها اثنان وخمسون فصلا. وتحتوي المقالة الثانية على تسعة أبواب وفيها واحد واربعون فصلا. وقد خص المقالة الأولى بالعلوم الأدبية أو ما يغلب عليه روح الأدب من فقه وعلم وكلام ونحو وكتابة دواوين شعر وعروض وأخبار. وخص المقالة الثانية بالعلوم التي تغلب فيها روح العلم من فلسفة ومنطق وطب وحساب وهندسة وعلم النجوم وموسيقى وحيل وكيمياء. يبدأ الخوارزمي بالحديث عن الفقه في الباب الأول من المقالة الأولى، فيتكلم في أصول الفقه والطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج وشروط البيع والنكاح والفريضة والنوادر. فهو في أصول الفقه يذكر انها: ستة أصول، ثلاثة متفق عليها وهي: الكتاب، السنة، الاجماع. وثلاثة مختلف فيها وهي: القياس والاستحسان والاستصلاح، وهو في كل ذلك يضع شروطا وتعريفات توضح السبيل لمن يشتغل بعلم الاصول. وهكذا فيما يتعلق بالطهارة والصلاة والأذان والصوم والزكاة والحج والطلاق والنكاح... الخ. أما المقالة الثانية من «مفاتيح العلوم» فهي تتناول الأمور العلمية، حيث يبدأ المؤلف مقالته بالكلام في الفلسفة، وقد اعتبرها من علوم العجم، وقد قسم الباب الخاص بها الى ثلاثة فصول، تكلم في الفصل الأول عن اقسام الفلسفة واصنافها، وفي الثاني عن ألفاظ ومواضعات يكثر جريها في كتب الفلسفة. أما فيما يتعلق بأقسام الفلسفة فيبدأ المؤلف في الكلام فيها بأن الفلسفة مشتقة من كلمة يونانية وتعني محبة الحكمة. ومعنى الفلسفة: علم حقائق الأشياء، والعمل بما هو أصلح، ثم قسمها الى قسمين: جزء نظري وآخر علمي. والنظري له ثلاثة أقسام: قسم يفحص فيه عن الاشياء التي لها عنصر ومادة، ويسمى علم الطبيعة، وقسم يفحص فيه عما يخرج عن العنصر والمادة ويسمى الامور الالهية، وقسم يفحص فيه عن اشياء موجودة في المادة لا عن اشياء لها مادة، مثل المقادير والاشكال والحركات ويسمى العلم التقييمي والرياضي، وهذا القسم متوسط بين العلم الأعلى وهو الالهي وبين العلم الاسفل وهو الطبيعي. ثم يتناول «الخوارزمي» الفلسفة العملية فيقسمها الى ثلاثة أقسام ايضا: علم الاخلاق، تدبير المنزل والسياسة. ثم يخلص المؤلف الى الفصل الثالث الذي خصه بالألفاظ التي تذكر كثيرا في الفلسفة فعرّف الصورة والمكان والزمان والهيولي. وهكذا ينتقل الى موضوعات الطب وعلم النجوم والموسيقى وآلاتها وايقاعاتها، وبنفس الطريقة تلك من الدقة والموضوعية. لقد قدم لنا المؤلف كتابا يوضح العقل العربي وهو ينظر الى العلوم الحديثة، وكيف استطاع ان يدخل الى دقائقها ويرسم مداراتها. إعداد ـ محمد سطام الفهد