القارئ لتاريخ الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها، يمكنه أن يلحظ إلى أي حد مثل الدين أساسا أقيم عليه العالم الجديد أمريكا. وهذا مايؤكده كتاب صدر مؤخرا للمؤلف سمير مرقس بعنوان الأصولية البروتستانتية والسياسة الخارجية الأمريكية.. حيث يقول الكتاب ان المهاجرين الجدد، أو ما اصطلح على تسميتهم البيوريتانيين سنة 1620 حملوا معهم العقيدة البروتستانتية الكالفينية، التي كانوا يحاولون، بلا طائل، تطبيقها في إنجلترا ولكنهم طوردوا واضطهدوا، فراح يحدوهم الأمل بإمكان العيش وفقا لمبادئ الإصلاح الكالفيني على الأرض الجديدة. وعلى الرغم من أن الكالفينية كان لها رؤيتها الخاصة للعالم وللحياة وللإنسان وخلاصه، إلا أن هذه الرؤية لم تكن منقطعه الصلة عن الواقع الاجتماعي الذي وجدت فيه. لقد كانت لهذه الرؤية جذورها الاجتماعية والمعرفية بحكم نشأتها في سياق مجتمعي خاص وفي لحظة تاريخية محددة، إلا وهو السياق الأوروبي بتفاعلاته التاريخية المحتدمة آنذاك، لذا فإن الإنتقال بهذه الرؤية إلى العالم الجديد كان يتطلب قدرا من المواءمة، وعليه نجد الكالفينية وقد تطورت لتتناسب مع الوضع في العالم الجديد. الذي فرض نفسه على العقيدة المهاجرة، فتطورت من نفسها لتستجيب إلى حاجة العالم الجديد المرجعية التي تحكم حركته الناشئة، لذا لم يكن غريبا أن يولد المجتمع والدين في آن واحد، ولأن المهاجرين الجدد كانوا من البروتستانت فقد كانوا قوة غالبة، فسادت كنيستهم وساد مذهبهم. لقد ذهب كثير من الباحثين إلى أن المهاجرين الجدد البروتستانت، كانوا متأثرين باليهودية تأثرا مركبا: لاهوتياً، وتاريخيا، وكتابيا وسياسيا، حيث أفرز هذا التأثير صيغة (تعايش) بين البروتستانتية واليهودية بقيت إلى الآن، وبالذات في الإتجاهات والتيارات الأصولية. ويعود هذا التأثر لرؤية المستوطنين الجدد البروتستانت للعالم الجديد باعتباره (القدس الجديدة)، حيث شعروا أن تجربتهم الناشئة تجعلهم متمثلين مع المنفيين والعبرانيين الذين ذكروا في التوراه. وكان لهذا الشعور أثره على أرض الواقع، تمثل في الكيفية التي تعايش بها المستوطنون الجدد مع المكان، من حيث إطلاق أسماء عبرانية على الأماكن التي يجيئون إليها، وإطلاق أسماء عبرانية على المواليد الجدد يضاف إلى ما سبق تعلم اللغة العبرية في المدارس والجامعات ويشار هنا إلى أول دكتوراه منحتها جامعة هارفارد في العام 1642 كانت حول (العبرية هي اللغة الأم) وكان أول كتاب يصدر في أمريكا (سفر المزامير) وأول مجلة تصدر حملت عنوان (اليهودي) لقد باتت أمريكا بالنسبة للمستوطنين الجدد (النموذج الروحي للعهد القديم العبري). وتأكد هذا التعاطف أكثر وأكثر بين البروتستانتية واليهودية، عندما بدأت الولايات المتحدة الأمريكية تشهد موجات من الهجرة الكثيفة من اليهود والكاثوليك، فلوحظ كيف كانت العلاقة أكثر حميمية بين البروتستانت واليهود، وعلى النقيض تماما كانت العلاقة بين البروتستانت والكاثوليك. وسرعان ما كان لهذه العلاقة الحميمية تجلياتها العملية، مع بداية القرن الثامن عشر، إحتلت فلسطين (كوطن لليهود) ، مكانة خاصة لدى البروتستانت، الأمر الذي ولد اعتقادا راسخا في اللاهوت البروتستانتي الأمريكي بضرورة البعث اليهودي، وهكذا أصبح هناك (ميل بروتستانتي قوي للاعتقاد بأن معني المسيح المنتظر يجب أن ينتظر عودة الدولة اليهودية، والتقوا عمليا مع الحركة الصهيونية في مبادئها). وهذا هو مؤسس الكنيسة المورمونية القس جوزيف سميث، يتبنى نظرية البعث اليهودي في فلسطين وتلحق به كوكبة من ألمع اللاهوتيين الإنجيليين مثل سايروس سكوفيلد والقس وليم بلا كستون، حيث عملوا على إنشاء مستوطنات لليهود مثلما فعل وردر جريسون الذي قام (بإنشاء مستوطنة زراعية يهودية لتدريب المهاجرين اليهود على شئون الزراعة والإنتاج الزراعي).. وهكذا تحول التعاطف الوجداني والتبرير اللاهوتي إلى الضغط السياسي لتحقيق هذا الهدف الروحي السياسي، ألا وهو إقامة وطن يهودي، فنجد القس بلا كستون يقوم بتأسيس منظمة تدعى (البعثة العبرية من أجل إسرائيل) لم تزل مستمرة في مهمتها حتى اليوم باسم جديد هو (الزمالة اليسوعية الأمريكية) والتي تعد قلب جهاز الضغط الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية. ويرصد هنا أن أول عمل يمكن أن يندرج تحت أعمال الضغط هو ما قام به بلاكستون من جمع توقيعات تأييد لاقامة وطن صهيوني في فلسطين، ورفع عريضة بذلك إلى الرئيس الأمريكي آنذاك ولم يمض وقت طويل حتى وافق الكونجرس الأمريكي بمجلسيه على وعد بلفور، وتوالي الدعم السياسي الرسمي والشعبي بتكوين العديد من المنظمات والكيانات التي صارت بمثابة جماعات ضغط مؤثرة ذات طبيعة أخطبوطية في أنحاء الولايات المتحدة الأمريكية. وهكذا إتحد السياسي بالديني واللاهوتي بالتاريخي فخلق علاقة مميزة، بين البروتستانتية واليهودية بشكل عام، وبين الأصولية البروتستانتية والصهيونية اليهودية بشكل خاص، بل زاد الأمر أن تأسس ما سمي بالصهيونية المسيحية. لقد آمنت الصهيونية المسيحية قبل تأسيس دولة إسرائيل بعودة اليهود كشعب إلى أرضه الموعودة في فلسطين، وإقامة كيانه الوطني فيها، تمهيدا للعودة الثانية للمسيح وتأسيسه مملكة الألف عام.وبعد قيام إسرائيل، أخذت الصهيونية المسيحية تنظر إلى إسرائيل كحدث وإشارة تؤكد معتقداتها. إن الرصد التاريخي لمسيرة البروتستانتية في الولايات المتحدة الأمريكية يشير بما لا يدع مجالا للشك إلى أمرين: - التهود الذي طال الإتجاهات الاصولية، حيث تم (عبرنة) المسيحية في أمريكا بسببها، فبدت (العبرنة) واضحة في الثقافة السائدة إلى الدرجة التي دفعت الرئيس الأمريكي جيفرسون بتقديم اقتراح إلى الكونجرس مفادة: - (أن يمثل رمز أمريكا على شكل أبناء إسرائيل تقودهم في النهاية غيمة، وفي الليل عمود من النار) بدلا من النسر. ويتفق هذا الاقتراح مع النص الوارد في سفر الخروج (وكان الرب يسير أمامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلا في عمود نار ليضيئ لهم. لكي يمشوا نهارا وليلا) وقد أدت هذه الإتجاهات المتهودة إلى صياغة قالب ديني بروتستانتي يهودي قاعدته التوراة، كانت من نتيجة الترويج لمفاهيم مثل. - التراث المسيحي اليهودي المشترك - الأخلاق المسيحية اليهودية -الالتزام الأدبي - الاخلاقي بدعم إسرائيل وقد كان لهذا الإتجاه القدرة على حصاد الإتجاهات الليبرالية أو التي عرفت باسم (المسيحية الجديدة) والتي حاولت أن تواكب النتائج التي ترتبت على التقدم في مجالات التطبيع والتكنولوجيا. لقد دعم القادة الأصوليون مثل أرنوجيبيلين وبيلي صانداي، الخلاص الفردي والشخصي المنفصل عن الواقع، وذلك في مواجهة الإتجاه الذي يدعم الخلاص القائم على المشاركة المجتمعية القائمة على ما أسموه بـ (الإنجيل الاجتماعي). إن اليمين المسيحي في صورته الجديدة، هو الإمتداد للأصولية البروتستانتية التي ظهرت مع بداية القرن، ويشتركان معا في الأساس النظري من حيث النظرة إلى العالم والمجتمع والإنسان. فالأصولية المسيحية التي أخذت في التشكل مع بدايات القرن العشرين وتبلورت فكريا في أعقاب نشر سلسلة من 12 مجلدا تحت عنوان (الأصول) تضم تسعين مقاله حررها مختلف اللاهوتيين البروتستانت المعارضين لكل تسوية أو حل وسط مع الحداثة. ويأتي اليمين المسيحي ليأخذ طبيعة سياسية تحمل القيم الأصولية الأولى دون تغيير، ولكنه بدأ يعمل في أن يجعل هذه القيم موضع التنفيذ، وتري النظرة الأصولية ممثلة في أحد أهم روادها المعاصرين - بات روبرتسون - كيف أن أمريكا ستكون في حالة نهوض ودورها مركزيا عندما تستعيد تراثها اليهودي المسيحي. إن التصورات النظرية التي روج لها الأصوليون في بداية القرن العشرين كان لابد لها من كيان تنظيمي يؤهلها للتجسيد العملي. لذا يعتبر عام 1942 نقطة تحول مهمة في تاريخ الأصولية البروتستانتية، حيث تأسست (الرابطة الوطنية للإنجيليين) الكيان التنظيمي الذي ضم تحته الآلاف من الكنائس الأصولية في أمريكا ونجد أن روبرتسون يقدم برنامجا من خمسة عناصر لإدخال العناصر الأصولية في برامج الأحزاب السياسية وذلك كما يلي: 1- تدريب المسيحيين على القيام بأفعال اجتماعية مؤثرة 2- مقاومة الذين يتعصبون ضد الدين. 3- تنبيه المسيحيين للقضايا المتنوعة للتشريعات المزمع سنها في الوقت المناسب 4- الترويج للقيم الأسرية 5- تمثيل المؤمنين في كل مستويات الإدارة الأمريكية. وتوضح دراسة حديثة كيف لعب (التحالف المسيحي) منذ عام 1990، دورا سياسيا مباشرا، يؤكد ما سبق، وذلك قبل بداية كل إنتخابات تشريعية، حيث يقومون بتوزيع (دليل للناخبين) وذلك في أكثر من 70000 كنيسة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفيها يحاول - التحالف - من خلال هذا الإئتلاف أن يوضح للناخب مدى توافق المرشحين مع رأي اليمين المسيحي فيما يثيره من قضايا مثل الاجهاض والسياسة التعليمية، وتشير الأرقام إلى أنه تم توزيع 33 مليون دليل للناخبين قبل إنتخابات الكونجرس عام 1994 وصلت إلى 45 مليون دليل للناخبين في عام 1996. لقد استخدمت الأصولية المسيحية في حركتها كل الوسائل، التقليدي منها والحديث، مثل وسائل البث المرئية للدعوة لأفكارها والوصول بفاعلية إلى أكبر عدد ممكن من الناس،وباتت البرامج التلفزيونية التي يقدمها الأصوليون من الموارد المهمة والتي تستأثر بنسبة مشاهدة عالية، كما أنها كانت من المصادر المهمة لجمع المال. القاهرة ـ امين اسكندر