إذا كانت الحرب هي من «اختصاص» الرجال، فإن النساء هن اليوم أول ضحاياها. وهذا الكتاب ليس سوى واحد من سلسلة من الكتب التي تم نشرها خلال السنوات الأخيرة حول هذا الموضوع ومن بينها «نساء ورجال الحرب» و«معركة النساء» و«الحقد الانثي ووسائله: الاغتصاب المبرمج». وهذه الكتب صدرت باللغة الفرنسية. إن مؤلفة هذا الكتاب «كريمة غينيفيه» تبحث في «استراتيجية الاغتصاب» وغيره من أشكال «العنف الجنسي» الذي يقع على النساء أثناء الحرب. وهي تناقش هذا الموضوع انطلاقا من دراسة عدة حالات عيانية من أهمها رواندة في افريقيا والبوسنة في منطقة البلقان، وسط أوروبا. وتنقل المؤلفة عن الجنرال الصربي «مالديك» أحد قادة الصرب في البوسنة، وهو الذي تتم ملاحقته بتهمة ارتكاب جرائم ضد الانسانية، قوله: «ان أكثر من أكن له أسمى آيات الاحترام، الأرض والمرأة. فكلاهما تهبان الحياة. لكن مثل هذا القول الذي يجمع بين رمزي الخصب والعطاء، لم يمنع واقع اصرار البعض على «تدنيسهما». وهذا ما عرفته بالتحديد بضعة الآلاف من النساء المسلمات في البوسنة واضعافهن بعشرات الآلاف في مختلف النزاعات والحروب. وتربط المؤلفة بين تعاظم اللجوء الى مختلف أشكال العنف الجنسي وبين التبدل الذي عرفته طبيعة الحرب في الفترة الراهنة، خاصة في مجال المواجهات بين المدنيين فيما بينهم مع امكانية التزود بالاسلحة دون عناء كبير. وتدل الاحصائيات المقدمة على ان النساء شكلن 70% من مجموع الضحايا المدنيين في الحروب خلال العقود الاخيرة المنصرمة بينما وصلت هذه النسبة الى ما بين 70% الى 80% فيما يتعلق بالذين دفعتهم الحروب للهجرة عن ديارهم. إن من أكثر أشكال الاضطهاد التي تستهدف النساء أثناء الحرب، تركز المؤلفة على «العنف الجنسي». وقد كان مثل هذا العنف معروفا حيث تتم معاملة النساء كغنائم. كان معروفا من أجل «تسلية» الجنود، كما كان الأمر يتم بصورة شبه رسمية أثناء الحرب الفيتنامية أو في اليابان أثناء الحرب العالمية الثانية حيث كان الجنود الأمريكيون على بعد آلاف الأميال عن بلادهم، وتنقل المؤلفة عن «ساشاماشيل» الخبير لدى الأمم المتحدة وصفه العنف الجنسي أثناء الحروب بأنه «عمل ثانوي، ويستدعي الأسف، ولكن لا يمكن تجنبه أثناء الحروب». إن مؤلفة هذا الكتاب لا تقبل أبدا باطلاق صفة «ثانوية» على العنف الجنسي.. بل ترى فيه فعلا مبرمجا ضمن اطار استراتيجية محددة وحيث يكون القصد هو النيل من «شرف العدو» عبر تدنيس نسائه.. أي ان المرأة قد لا تكون مستهدفة لذاتها وإنما بما يمكن أن تمثله لـ «معسكرها» من رمز. وبهذا المعنى تصبح «هدفا استراتيجيا». وفي عام 1991، بدأت الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة. وكان الصربيون قد لجأوا فيها الى استخدام سلاح «الاغتصاب»، بل والحمل «السفاح» قسرا. هذا وقد دلت الاحصائيات التي قدمتها اللجنة الأوروبية أثناء عقد اتفاق «دايتون» الذي أنهى الحرب في البوسنة، بأن عدد النساء اللواتي تعرضن للاغتصاب في البوسنة كان يتراوح بين 20 ألف و30 ألف امرأة، لكن تقديرات صحفية أخرى قدمت رقم 50 ألف امرأة جرى اغتصابهن في البوسنة خلال الفترة الواقعة بين عام 1991 وعام 1993 وحيث شهدت الأشهر الواقعة بين ابريل ونوفمبر من عام 1992 أكبر نسبة من عمليات الاغتصاب. وكان هذا كله يتم في أفق الوصول الى «التنقية الاثنية». باختصار كانت هناك «سياسة اغتصاب مبرمجة»، كما جاء في تقرير أعدته مجموعة من خبراء الأمم المتحدة. ويتم الحديث ضمن السياق نفسه عن اقامة «معسكرات للاغتصاب» حيث كان يتم جلب النساء لها بالقوة ليتم اغتصابهن وجعلهن يحملن، ثم الاحتفاظ بهن «باشراف أطباء مختصين» كانوا يقومون بـ «العناية» بهن حتى انقضاء الفترة التي يمكن خلالها اجراء عمليات «الاجهاض». ولم يكن يتم الافراج عنهن إلا بعد الشهر السابع من الحمل بحيث يتم «ضمان» ولادة الطفل «الهجين».. لكن لم يكن مستبعدا ان تقوم النساء المعنيات أنفسهن بـ «قتل أطفالهن» عند الولادة أو تركهم في البراري. أما من يبقى منهم على قيد الحياة، فلا شك فان سؤالا جوهريا سيظل يتردد أمامهم حيال «ابوتهم» السفاحة. وفي رواندة حيث كان يسود منطق آخر للحرب وفي موقع جغرافي آخر، كانت النتائج متشابهة الى حد كبير بالنسبة للنساء الضحايا، وتدل احصائيات «المركز الوطني الرواندي للسكان» بأن عدد الاطفال الذين رأوا النور نتيجة لعمليات الاغتصاب أثناء مجازر ربيع عام 1994 يتراوح بين 2000 و5000 طفل. ان المؤلفة تنقل عن الصحفي الرواندي «حسان نغيز» في كتاب صدر له تحت عنوان «الوصايا العشر للهوتو ـ اسم احدى القبيلتين المتنازعتين في رواندة» ما مفاده: «ينبغي على كل فرد من قبيلة الهوتو أن يعرف بأن المرأة التوتسية ـ القبيلة الأخرى ـ أينما كانت تعمل لصالح قبيلتها. وبالتال يمكن وصف كل رجل هوتو بالخيانة إذا: ـ تزوج من امرأة توتسية ـ عاشر امرأة توتسية ـ استوظف امرأة توتسية لسكرتيرة.. «وينبغي على كل هوتو أن يدرك بأن فتياتهن أكثر كرامة في دورهن كامرأة وكزوجة وكربة أسرة». وتشير التقديرات الى ان حوالي 50 ألف امرأة رواندية تعرضن للتعذيب والاغتصاب، بل ويرى بعض المراقبين بأن جميع النساء اللواتي بقين على قيد الحياة بعد المجزرة قد تعرضن عمليا للاغتصاب.