ليس هناك خط فاصل واضح بين الترفيه والتغذية في ستيلفيل، وهي بلدة أمريكية تقع على بعد 80 ميلا تقريبا الى الجنوب الغربي من سان لويس، ويبلغ عدد سكانها 1429 نسمة. ويبدو للناظر الى التلال المنحدرة والمناظر الطبيعية الخلابة ان هذا الجزء من سفوح تلال أوزاركس قد وجد لكي يلائم العين البشرية، لكن الأرض لا تصلح لزراعة أي شيء باستثناء الاشجار. وقد اعتمد المستوطنون الاوائل الذين وصلوا الى البلدة في الثلاثينيات من القرن التاسع عشر في عيشهم على الغزلان والديكة الرومية والسناجب لتدعيم محاصيلهم القليلة من الفاصولياء والبطاطا والذرة، وفي الوقت الذي لا يزيد دخل نصف الأسر الحالية في ستيلفيل عن 15000 دولار في السنة، فان الكثيرين من سكان البلدة ما زالوا يعتمدون في معيشتهم على هذه القائمة من العناصر والمكونات. كانت ستيلفيل في يوم من الأيام المركز الديموغرافي للولايات المتحدة، لكن التحديات التي تواجهها هذه المنطقة الجميلة المعطاءة منحت البلدة شخصية خاصة خارج التيار الرئيسي. فالثقافة الأمريكية تدور حول الطموح الدائم الى المزيد من الاغتناء بينما ثقافة ستيلفيل تدور حول العيش وفقا لما هو موجود. وهي واحدة من أماكن قليلة لا تزال موجودة في الولايات المتحدة حيث العيش على ما هو أكثر بقليل من المهارة والدهاء لا يمثل نقيصة وانما مبعث فخر. يعتبر اريل هالبيرت «89 عاما» والدون دونلاب «85 عاما» من اشد المناصرين لنمط الحياة القديم في أوزاركس. ويصف دونلاب طفولته في فترة الكساد الاقتصادي الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي بأنها «عالم مليئ بالمشكلات» عاشت فيه عائلته كاملة على ثلاثة دولارات كان يجنيها في الاسبوع، ويتذكر هالبيرت كيف تخلّى في يوم من الأيام عن عمل نهاري فوق الارض لصالح دورية عمل ليلي في منجم للبوكسيت «صخر يستخرج منه الألمنيوم» لأنه كان يدر عليه 50 سنتا اضافية في اليوم. ومع ذلك، فان الاثنين يبدوان مندهشين أكثر من كونهما مغتاظين عندما يتحدثان عن تلك الأيام. ويوضح هالبيرت، الذي يملك مزرعة في البلدة، حقيقة الوضع بقوله ان جني المال من الزراعة غير وارد بسبب رداءة التربة. ويقول بهذا الخصوص: «تكون محظوظا اذا تمكنت من زراعة ما يكفي لاطعام عائلتك وتسمين بعض الحيوانات. ولكن اذا كنت تعرف ما تقوم به، فيمكنك تعويض الفرق في الخلجان والغابات، واذا كان هناك شيء يحتاج الى شراء، فان بامكانك ان تحمل بعض الخشب الى احد المعامل او تقوم بطبخ بعض من دبس السكر». واذا كنت، مثل صديق هالبيرت الاسطوري الراحل تريهاوس بداون، «صلباً مثل عقدة خشب الصنوبر» وقنوعا جدا، فان بامكانك أن تعيش حياتك كلها بشكل مريح خارج نطاق الاقتصاد الرسمي. واذا كنت مستعدا لاضافة تركة من الوظائف قليلة الأجر، فقد ينتهي بك الحال، مثل هالبيرت ودونلاب، بالعيش على مساحة واسعة من الارض. ويقول هالبيرت: «لقد كانت حياة صعبة، ولكنها كانت ايضا حياة رائعة». ان الاثارة القاسية للحياة الريفية ليست حكراً على المسنين وحدهم. فالشباب أيضا يستمتعون بالحياة الريفية على طريقتهم في بلدة ستيلفيل. يعمل معظم الشباب في البلدة بتحطيب الاخشاب المتوفرة من الغابات المحيطة بالبلدة. نك ادامز، الذي يرتدي ميدالية ذهبية ويقص شعره قصة رائجة، يتحدث عن عمله بجاذبية شاب يبلغ من العمر 22 عاما ويعيش الحياة التي يريدها. في المدرسة الثانوية، كان ادامز راكب ثيران جيد بما فيه الكفاية لاستقطاب المنح الدراسية الخاصة بالروديو، ولكن لرؤيته عدم جدوى ردع مالا مفر منه، ذهب للعمل مع لاري ادامز. في أوقات الصباح، ينطلقون الى أحد المواقع في شاحنتين لتحميل الأخشاب طول الواحدة 60 قدما. وعندما يجرون ما يكفي من خشب البلوط أو الصنوبر لملء الشاحنتين، يكونون قد أنهوا عملهم لذلك اليوم. وهم يعملون على مدار العام، فبرد الشتاء يعوضه خفة الأشجار، التي عادت عصارتها الى التربة، وسيواصلون قطع الأشجار حتى يقتل أحدهم أو تنضب الغابات. ويقول أدامز «التحطيب ليس شيئا تتقاعد منه». وعندما لا يقوم أدامز بقطع الاشجار، فانه يبقى في الغابات لصيد الطرائد أو صيد السمك. ويملك سكان ستيلفيل ثلاث طرق أثيرة لصيد السمك من الخلجان الصافية. فهناك طريقة الصيد بالجيج وهو نشاط شتوي ليلي يتم باستخدام مصباح وحربة وطريقة أخرى تتضمن تعليق صنارة ثقيلة من قضيب معدني ورميه في الخليج ثم جره الى الوراء عبر القاع على أمل ان تعلق بطرفه احدى الاسماك. والطريقة الثالثة وهي المفضلة لدى أدامز تتم في الربيع، وتتلخص في ادلاء صنارة من فرع شجرة متدل وعندما تأتي الاسماك في اسرابها يقوم بجذب الصنارة بقوة من الماء. وتقول نانسي كول، وهي صاحبة محل لبيع الهدايا، ان «ستيلفيل بلدة جنوبية تبدو مثل بلدة غربية» تضم البلدة ستة رجال شرطة، يقومون بمهام الحفاظ على الأمن في البلدة الصغيرة، التي تكثر فيها الاشاعات والقيل والقال. وفي ستيلفيل، تتعايش المدينة والريف في تعارض مستمر. فأنت تعيش في «الريف» وتأتي الى «المدينة» وبينما يعتبر الريف محمية للرجال، فان ملاكي «مين ستريت» مركز البلدة، هم من النساء اللواتي لا يذهبن إلى «الريف». ضرار عمير


