دق جرس الفسحة وخرج عشرات من الأطفال باتجاه ملعب المدرسة ولكن صبيا واحدا ظل جالسا في فصله. فماثيو كرومبتون ذو العشرة اعوام، تعمد التظاهرة بانهماكه بعمل شيء ما الى ان غادر الفصل جميع التلاميذ ثم وقف وأوصاله ترتعش من رأسه الى أخمص قدميه، تسلق نافذة الفصل وأغمض عينيه واستجمع شجاعته للقفز من الطابق الثاني لمبنى المدرسة وهي المأساة التي حال دون وقوعها التصرف السريع والحكيم لزميل له عاد للفصل لأخذ شيء من درجه وأمسك بماثيو من ظهره قبل لحظة من اقدامه على تلك الخطوة. بيد أن مشكلة ماثيو ليست مع مدرسته أو مع أحد اقرانه ولكنه شعر بدافع للتخلص من حياته لسبب مرعب آخر وهو ان شبحا كان يطارده في المنزل. ففي غضون اسبوعين من انتقال عائلته الى منزل كبير مؤلف من خمس غرف في منطقة «هل» البريطانية ادركوا انه مسكون بالاشباح العنيفة. وتشعر تريسي والدة ماثيو البالغة من عمرها 33 عاما وهي أم لثمانية أطفال اضافة لآخر قادم في الطريق انها ملامة لتعريض ماثيو واشقائه وشقيقاته السبع لهذا الأمر وهي تقول انها وزوجها هاري «43 عاما» شعرا أنهما عثرا على منزل الأحلام فقد كان كبيرا الى حد يتسع لعائلتها الكبيرة وبحديقة تسمح للاطفال باللعب في الخارج. ولكن بمجرد انتقال العائلة الى المنزل فان الجو الودود الذي اجتذبهم في بادئ الأمر للمنزل اختفى بين ليلة وضحاها. فقد كان المنزل على حد قولها باردا الى درجة التجمد عندما وصلوا اليه وحتى قططهم رفعت ذيولها وفرت في الحال من المنزل لكن تريسي لم تعر الأمر اهتماما لأنها بطبعها لا تؤمن بالخرافات. وفي البداية فان الاشياء الغريبة التي كانت تحدث في المنزل اقتصرت على أصوات الصرير وكانت تريسي ترجعها لكون المنزل جديدا ولكن بعد مرور اسبوعين هادئين نسبيا سمع في المنزل صوت صراخ طفلة يشق عباب الليل. اندفعت تريسي تجري من غرفتها للاطمئنان على ابنتيها سمانثا ذات السبعة أعوام وسارة ذات الثمانية اعوام فوجدتهما نائمتين في سريريهما. فأدركت بعد ذلك أن الصرخات صادرة من غرفة ماثيو، فاندفعت نحو غرفته وفتحت الباب وأنارت الأضواء فتوقف الصراخ فجأة ووجدت ماثيو جالسا يبكي في سريره، وقد بلغ الفزع منه مدى جعله يبلل فراشه. وكانت تلك واحدة من سلسلة من الحوادث التي بدا فيها وكأن هناك حملة خارقة للطبيعة تهدف لاخراج عائلة كرومبتون من المنزل. وفي عطلة نهاية الاسبوع نفسه بعد اصطحاب اطفالها لمدرسة الأحد عادت تريسي للمنزل لتجد جميع الأنوار مضاءة، وملابسها المكوية مرمية على الأرض. انتاب تريسي خوف فقد ظنت في بادئ الأمر ان المنزل دخله لصوص. لكن بعد فترة وجدت ان صنابير الماء في المنزل قد فتحت وبدأت المياه الساخنة الى درجة الغليان تنسكب منها مع أصوات رش وكأن أحدا ما يغتسل. وفي احدى الليالي ارتعبت تريسي لسماع صوت شخص ما يستخدم المرحاض ولدى فتح الباب وجدت ان طية محارم الورق تفتح نفسها بنفسها ثم انسكب الماء من صنبور الماء فجأة أمام عينيها فصرخت تنادي زوجها ولكن عندما وصل عاد كل شيء لطبيعته باستثناء طيات الورق الملقاة على الأرض. وبرغم تلك الاحداث الغريبة كانت تريسي وزوجها هاري عازمين على عدم الانتقال من هذا المنزل لا سيما وأنها في مرحلة حملها الاخيرة ولا تقوى على عبء الانتقال لمنزل آخر. وبدلا من ذلك قررت العائلة تركيز جهودها على العمل في الحديقة بمساعدة من ماثيو. واثناء انشغاله بالحفر لنثر البذور اكتشف ماثيو قطعة مستديرة من الخشب المحروق. وبعد التمعن فيها أدركت تريسي وهي مفزوعة انها لوحة عويجة محروقة، وتبدو على حوافها كتابة اشبه بالهيروغليفية، فجذبتها على وجه السرعة من ماثيو والقت بها في الخارج. وتقول تريسي ان ماثيو لحسن الحظ لم يعرف ما هية ما وجده لكن رعبا سرى في أوصالها لرؤية ذاك المنظر وبعد ذلك بفترة عادت أصوات الصراخ الليلي بقوة مترافقة مع رائحة اشجار صريمة الجدي في كل غرفة بالمنزل. بعد مرور شهر شعرت تريسي أنها لم تعد تقوى على تحمل المزيد فتلك الاحداث الغريبة بدأت تؤثر على مدى تماسك شمل الاسرة. وبعد ولادة طفلها التاسع جيسي في مايو الماضي كانت تريسي تأمل أن تهدأ الامور لكن في كل ليلة لاحظت ان اطفالها الاكبر سنا يتعمدون اطالة الوقت الذي يمضونه في الطابق الاسفل ويتجنبون الذهاب الى غرفهم الى ما بعد مواعيد نومهم، وان ذهبوا فانهم يسيرون متشابكي الأيدي. وبسبب قلقها على اصغر اطفالها اليكس ذي الاعوام الأربعة وكريستيان ذي العامين، وضعت تريسي جهازا لنقل الأصوات في غرفتهما. ولكن ما التقطه الجهاز في غرفة الصبيين أدهشها فقد سمعت صوت بنت صغيرة تهمس بعبارة: «أنا ذاهبة الآن يا أليكس وارتعبت عندما سمعت صوت أليكس يرد عليها وفجأة فان صوت البنت الحاد اصبح أعمق وتحول الى صوت رجل يقول «أنا ذاهب الآن ولن أعود». وبينما كانت تريسي تستمع لهذا الحوار وهي مرتعبة هرع زوجها الى غرفة الأولاد لاقتناعه بأن رجلا غريبا موجود بالمنزل. لكنه لم يجد احدا هناك وبدلا من ذلك رأى اليكس يبكي بشكل هيستيري أثناء محاولته تسلق الجدار. في تلك الليلة اخذ الزوجان طفليهما للاسفل وناما معهما في غرفة المعيشة. ومع تزايد جدية الاحداث تقدمت العائلة للسلطات المحلية بطلب انتقال لمنزل آخر رغم ان المنزل الحالي حقق حلم تريسي بأن يكون لها وزوجها غرفة خاصة بهما، لكنها اضطرت للتنازل عنه لسبب قوي. وفي غضون ذلك كان هاري يستيقظ كل صباح برضوض وكدمات على جسمه الامر الذي جعل الجيران يتهمون تريسي بضرب ابنها ورغم ان الامر يغيظ على حد قول تريسي الا انها كانت تدرك ان احدا لن يصدق ان شبحا يضرب ابنها. وشيئا فشيئا لاحظت تريسي ان الافعال الصادرة عن الشبح تزداد عنفا ومعها يزداد الاطفال عنفا وبدلا من اللعب بدأ الاطفال بمهاجمة احدهم الآخر دون ان تتمكن تريسي من السيطرة عليهم، اذ انهم كانوا على حد قولها اشبه بالممسوسين. فالصغير اليكس كان يركل ويعض شقيقه روبن «12 عاما» في حين ان سارة التي تعد تلميذة نموذجية في المدرسة صارت تثير الشغب. اما ماثيو فقد تحول الى مصدر سخرية واستهزاء من قبل زملائه لايمانه بالاشباح. وفي نهاية شهر يونيو اتصلت ادارة المدرسة بتريسي وطلبت منها المجيء لاصطحاب ابنها. وعندما اخبرها مدير المدرسة بأن ماثيو حاول القفز من نافذة بالطابق الثاني حطمها هذا النبأ فقد كانت تلك على حد قولها القشة التي قصمت ظهر البعير اذ ادركت تريسي ان الوضع الذي تعيشه العائلة بدأ يشكل مصدر خطر على حياة الاطفال، وقررت سحب ماثيو من مدرسته حتى نهاية الفصل الدراسي واستعانت بمساعدة قسيس متقاعد لمزاولة بعض الطقوس في المنزل والتي تهدف الى طرد الاشباح الشريرة. هدأت الامور على مدى 12 يوما لكن الشبح عاود الظهور مرة اخرى، حينما سمعت تريسي اصوات خطى على درجات السلم وقنوات التلفزيون تتبدل لوحدها، في صباح اليوم التالي وجدت العائلة سببا للاحتفال عندما تم ابلاغها بخلو منزل مؤلف من أربع غرف يبعد شارعين عن المنزل المسكون ولم تتردد العائلة في قبول العرض الذي وفرته لها السلطات المحلية رغم انه اصغر من المنزل الحالي. وفي السابع والعشرين من يوليو الماضي اغلق آل كرومبتون الباب للمرة الاخيرة على منزل الرعب وانتقلوا للسكن في منزلهم الجديد. وتأثير الانتقال على الاطفال كان فوريا فقد كانوا سعيدين على حد قول تريسي للمرة الاولى منذ خمسة اشهر الى حد انهم اصبحوا ينامون طيلة الليل. ويتلقى ماثيو جلسات علاج نفسي للتغلب على الأزمة التي مر بها كما ان والدته تريسي قررت التوقف عن اخذ العقاقير المكافحة للاكتئاب رغبة منها في ان تبدأ حياة جديدة تتطلع فيها الى المستقبل دون اجترار لأحداث الماضي. ابتسام أحمد