اذا سألت أيا من عشاق الكمأ وما اكثرهم عن وصف لطعمها فستسمع سيمفونية من التشبيهات والصفات تتجاوز ما قاله كل من فحول الشعراء في وصف ليلاه وقد تسمع احدهم يتحدث عن عبق الغابة واريج الارض ونكهة النبات البكر، فيما يسترسل الآخر في تشبيهها بمزيج من المسك والجوز والثوم وغيره، بل ان البعض لا يتردد في تشبيهها بالنساء الجميلات. والجميع يتفق على ان الكمأة هي جوهرة طبيعية تبز الكافيار او الهليون وقادرة على تحويل اكثر الاطباق تواضعا الى وليمة عامرة. قبل سنوات قلائل فقط كانت الكمأة هي غنيمة الباحثين عنها في البرية او الغابة حصرا. وبعض هؤلاء كان يتجهز بكلب مدرب على شمها، ليعثر عليها وهي مطمورة بالتراب، لكن بعد تراجع غلتها وخصوصا في اوروبا خلال السنوات الأخيرة، لاسباب مناخية غير معروفة حتى الآن، بدأت جهود العلماء لاستزراع الكمأ تؤتي كمأها. وعلى سبيل المثال فان معظم محصول الكمأ في فرنسا الآن هو نتاج الزراعة وليس بريا، كما ان المزارعين في الكثير من البلدان بدأوا يزرعون الكمأ، لكن استراليا ونيوزيلندا تتصدر الآن قائمة الدول المنتجة للكمأ زراعيا. وتوجد اصناف عديدة من الكمأ التي تؤكل في كل انحاء العالم، لكن اشهرها واغلاها ثمنا هي الكمأة السوداء والتي يصفها الناس ايضا بالذهب الاسود او الماس الاسود، والموطن الطبيعي لهذا النوع هو غابات جنوب فرنسا وشمال ايطاليا وشمال شرق اسبانيا حيث تنمو تحت الارض قريبا من جذور اشجار البلوط والبندق والجوز. وفي الربيع تتلاقح الكمأ لتنتج براعم تتضخم وتنضج في الصيف والخريف لتصبح جاهزة للجمع في اواسط الشتاء حينما تبلغ حجم كرة الجولف او بيضة الدجاج في المتوسط. يبدأ موسم جمع الكمأ الاسود في اوروبا اوائل ديسمبر ويستمر اربعة اشهر وفي هذا الموسم ترتفع الاسعار حتى حوالي الف دولار للكيلو الواحد من الكمأ الطازج، وبعد ذلك يمكن لمن لا يستغني عن هذا الطعام ان يلجأ للكمأة المحفوظة والتي تخزن عادة مجمدة او معلبة وهي ذات طعم اقل تميزا بكثير من تلك الطازجة. احتفال فرنسي والفرنسيون خاصة يعرف عنهم احتفاؤهم بالكمأ منذ عصور، ويستخدم الباحثون عن الكمأ الكلاب المدربة على شم رائحة هذا الفطر لاكتشاف اماكن ثماره لكن المحصول من الكمأ بدأ يتراجع في البلاد منذ زمن بعيد ففي نهاية القرن التاسع عشر كان اجمالي المحصول يبلغ 1000 طن من الكمأ الاسود اما الآن فان 50 طنا سنويا تعتبر محصولا جيدا. وتتنوع النظريات التي توضع لتفسير هذا التراجع، فالبعض يقول ان السبب هو الامطار الحمضية وآخرون يقولون انه الجمع الجائر وغيرهم يعزونه لتدمير الغابات او المبيدات الحشرية او الزراعة المكثفة وغير ذلك. وايا كانت الاسباب فان النتيجة واحدة وهي ان جمهور الكمأ في فرنسا كان يحث همم العلماء منذ اوائل السبعينيات على تقديم العون واستطاع فريق علمي يقوده الدكتور جيرارد شيفالييه من المعهد القومي الفرنسي للبحوث الزراعية ان يطور طريقة عملية لاصابة اشجار البلوط والبندق صغيرة السن بعدوى ابواغ الكمأ الاسود. وشأن كل الاشياء ذات العلاقة بالكمأ فان هذه التقنية تخضع لقيود السرية الشديدة، وكل ما رشح عنها حتى الآن هو كلمات مقتضبة مفادها انها مسألة وضع ابواغ الكمأ على لحاء جذور الاشجار لتطوير علاقة تعايشية بينهما تثمر الماس الاسود في الشتاء. في الطبيعة تحدث هذه العملية حينما تصل ابواغ الكمأ بطريقة ما الى الجذور اما الآن فيتم اكثار الابواغ في المختبرات لتوضع على الجذور مباشرة قبل زرعها في وسط مغذى بانتظار نقلها الى البرية وكل ذلك يتم في ظروف تعقيمية متشددة لضمان عدم تلوث الجذور بنوع آخر من الفطور غير الكمأ. وهذه الطريقة تبدو فاعلة حتى الآن، حيث تبدأ الاشجار باعطاء اول محصول من الكمأ بعد 5 الى 10 سنوات. اما الاشجار البرية فلا يمكن جمع الكمأ من تحت تربتها قبل ان يبلغ عمرها 15 عاما هذا ان اعطت شيئا في النهاية، وفي فرنسا يبلغ الناتج المستزرع 80 في المئة من المحصول الفرنسي الاجمالي. وعلى الرغم من البخل الشديد الذي تعامل به الفرنسيون مع الآخرين تجاه تقنيتهم هذه، فإن اخبار نجاحهم شدت من همة الباحثين في الدول الاخرى حيث شمروا عن ساعد الجد وبدأوا في التجريب حيث امكن الحصول على أول كمأ اسود مستزرع خارج فرنسا عام 1993 في ولاية نورث كارولينا الشمالية. لكن استراليا ونيوزيلندا هما الآن الدولتان التي يمكن القول انهما تزرعان الكمأ على نطاق واسع، واتى هذا نتيجة الدعم الاقتصادي من جانب الحكومتين التي وجدت في هذه الزراعة فرصة لزيادة صادرات البلدين خصوصاً وان شتاءهما يقابلة صيف اوروبي، اي ان بمقدورهما انتاج الكمأ الطازج في الوقت الذي لا يكون فيه امام الاوروبيين غير ذلك المحفوظ. وفي عام 1993 انتجت نيوزيلندا اول كمأة سوداء في نصف الكرة الجنوبي، وتحقق اول محصول تجاري عام 1997، وهي الآن الدولة صاحبة سدس الانتاج التجاري العالمي في العالم، اما استراليا فشهدت اول محصول تجاري عام 1999 وتأسست شركات خاصة لزراعة الكمأ فيها.

