اننا في العام 1942، فيما كان سرب من المقاتلات الامريكية يحاول عبور شمال المحيط الأطلسي نحو السواحل الاوروبية اعترضت طريقها عاصفة عاتية. ولم يكن امام الطيارين سوى محاولة القيام بهبوط اضطراري فوق جليد جزيرة جرينلاند. وفعلاً أفلت الطيارون بحياتهم، لكن طائراتهم دفنت تحت الجليد المتراكم. وبعد 60 عاماً يقرر ثري أمريكي ان يستعيد احدى هذه الطائرات، ويرممها لتستعيد مجدها الغابر من جديد. قد تبدو هذه القصة غريبة، غير انها حدثت بالفعل. والآن وبعد 60 عاماً على دفنها حية في رماد النسيان عقب آخر رحلة تقوم بها، عادت احدى الطائرات وهي مقاتلة من طراز «بي 38 لايتنج» اسمها «ابنة الجليد» لتصبح جاهزة للطيران من جديد تقريباً. بدأت قصة «ابنة الجليد» في يوليو 1942 حينما انطلق سرب من الطائرات المقاتلة من قاعدة جوية في مين الامريكية للمشاركة بعمليات التعبئة العسكرية الامريكية الجارية على قدم وساق في بريطانيا. وكانت الرحلة الطويلة تتطلب التزود بالوقود في ثلاث محطات، هي لبرادور وجرينلاند وآيسلاند. كانت الرحلة خطرة. فالأجواء الزرقاء الصافية في المنطقة القطبية الشمالية يمكن ان تتحول الى أسد أبيض من الثلوج الكثيفة في أي لحظة دون اي سابق انذار كما ان التداخل المغناطيسي الذي يتسبب به القطب الشمالي يمكنه ان يجعل البوصلات تدور حول نفسها كمن تنتابه نوبة هستيريا وتصبح الاتصالات اللاسلكية غير مضمونة. وبعد أن حلق السرب من جرينلاند قاصداً ايسلاند كان الجو صحواً والتوقعات مطمئنة. لكن بعد ساعة ونصف الساعة من الطيران وجد الطيارون امامهم حاجزاً كثيفاً من الغيوم الثقيلة السوداء، واضطروا للاقفال عائدين. لكن طوال ساعات من الملاحة ما كانوا قادرين على رؤية أرض أو سماء صافية ونفد الوقود تقريباً. وهكذا كان القرار الذي لا مندوحة عنه هو الهبوط الاضطراري فوق الجليد بدون اطارات. وبالفعل هبطت الطائرات الثماني بسلام. وبدأت طلبات الاغاثة عبر اللاسلكي، وهي الاغاثة التي لم تصل الا بعد اسبوع وعلى زلاجات تجرّها الكلاب. لكن لم يكن هناك بُدٌ من ترك الطائرات خلفه. ففي هذه المدة كانت الطائرات قد غطتها طبقة كثيفة من الثلوج. ومع مرور الزمن ابتلع الغطاء الجليدي الذي يغطي المنطقة الطائرات بأكملها ليدفنها. كانت مقاتلات «بي 38» خلال الحرب سلاحاً لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للأمريكيين وكانت المصانع الامريكية تنتج 16 طائرة منها يومياً. لكن مع أواخر السبعينيات لم يتبق منها سوى عدة طائرات صالحة للعمل. وهكذا بدأ هواة الطائرات القديمة يفكرون جدياً بإمكانية استعادة واحدة من تلك المدفونة في جرينلاند. وبين عامي 1977 و1988 خرجت 11 حملة لتبحث عن السرب. وواحدة منها فقط نجحت في تحديد مكان طائرة على عمق 75 متراً تحت سطح الجليد. لكن بعد الحفر تبيّن ان الطائرة متضررة جداً بحيث لا جدوى من انتشالها. لكن روي شوفنر وهو ثري امريكي من هواة الطائرات دخل الساحة بداية التسعينيات وقاد وصول حملة الى جرينلاند عام 1992 بحثاً عن «بي 38». وبالاعتماد على بعض الصور التي التقطها احد الطيارين عام 1942 تمكن الباحثون من تحديد المواقع المحتملة للطائرات. وعن ذلك يقول بوب كاردين مدير مشروع البحث ان الجليد يتحرك بمعدل مئة قدم سنوياً ولهذا كانوا قادرين على تحديد الموقع بشكل تقريبي. واستخدم الفريق راداراً خاصاً للبحث في المنطقة قبل ان يستخدموا سابراً بخارياً هو عبارة عن حفار يعمل بالماء الساخن عالي الضغط مثبت بأنبوب بطول مئة متر. وفي محاولة الحفر التاسعة استطاع الفريق العثور على احدى هذه الطائرات تحت سطح الجليد بعمق 80 متراً. لكنهم وقبل ان يتمكنوا من انزال احدهم عبر الثقب كان عليهم توسيعه. ولهذا أذابوا النفق عند نهايته السفلى وتشكيل كهف حولها. واختاروا لذلك حفارا يعمل بالتسخين عبر الماء الساخن. وكان شوفز اول النازلين للطائرة. وتبعه آخرون للحفر حول الطائرة وتشكيل حجرة بعرض 15 مترا حولها طوال شهر كامل لتظهر امام عيونهم بأكملها. وكان ثقل الجليد قد اصاب هيكلها ببعض الضرر. لكنها عموما كانت بحالة جيدة بل ان بعض ازرارها ومقابض التحكم كانت لا تزال تتحرك بسهولة. الجزء الثاني من المهمة بالطبع هو تفكيك الطائرة قطعة قطعة ونقلها الى الاعلى عبر النفق بعد توسيعه لقطر خمس امتار. وبعد اربعة اشهر من العمل المتواصل رحلت الحملة ببنت الجليد الى وطنها الجديد القديم امريكا وولاية كنتاكي تحديدا حيث جمع شوفز حوله مجموعة من الخبراء او اعمال الصيانة والتركيب وتصنيع قطع الغيار الضرورية غير المتوفرة. ومع ان المشروع قد تكلف حتى الآن 632 ألف دولار الا ان شوفز يقول انه قد احسن انفاق امواله، فقد استطاع يوم 6 سبتمبر الماضي تشغيل المحرك لأول مرة باستخدام كتيب التعليمات الاصلي الذي كان داخلها. وبانتظار الحصول على ترخيص طيران لها، ينوي شوفز التحليق بها اولا فوق القاعدة الجوية التي انطلقت منها في رحلتها الاخيرة ثم يدور بها حول الولايات المتحدة في رحلة استعراضية. وهذه المرة ستستفيد بنت الجليد من التقنيات الملاحية الحديثة حتى لا تضيع طريقها مرة أخرى. ترجمة: جلال الخليل عن «نيوساينتست»


