بانهيار الطبقة الوسطى على عتبة الثمانينيات من القرن الفائت في العديد من الأقطار العربية طاحت آمال عراض كانت معلقة على صعيد قطري وقومي لجهة التحديث والنهوض. مظاهر الانهيار لم تقتصر على المؤسسات الرسمية بل طالت قطاعات ومرافق لنشاطات شعبية متعددة ربما تصلح مثالاً لذلك تلك المقاهي التي كانت بلورت لذاتها شهرة منتديات ثقافية واجتماعية وربما سياسية كذلك. كانت نخبة من مثقفي الطبقة الوسطى نجحت في تحويل سلسلة من المقاهي في عواصم عربية الى منتديات للحوار اليومي الرفيع، فحولت بذلك «الصالونات الثقافية» التي كانت حكراً على فئة متميزة الى صالونات شعبية. ومن هذه المقاهي خرجت للناس أعمال أدبية ومشروعات سياسية وتم تعميد مبدعين. ولما عصفت تراكمات سياسية واقتصادية برواد تلك المقاهي فقدت بريقها واندثر معظمها ولم تنجح المحاولات التي استهدفت احياءها فيما بعد لتغير المناخ السياسي والاجتماعي. كما ان معظم رواد تلك المقاهي الذين ينتمون للطبقة الوسطى لم يكن بمقدورهم مجاراة أجواء مقاهي «النجوم الخمس» التي غازلتهم ببرود. فقد امتدت شهرة مقهى «ريش» القاهري على طول الساحة الثقافية والسياسية في الوطن العربي بأسره. ولم تكتسب «ريش» تلك الشهرة بنكهة مشروباتها وانما من بريق المبدعين الذين دأبوا على ارتيادها من أمثال الروائي المعروف نجيب محفوظ والأديب الطبيب الراحل يوسف ادريس والشاعر أمل دنقل وسط كوكبة من المثقفين الذين أثروا مجالات المعرفة المختلفة وبرزوا بقامات فارعة في المحيط المصري خاصة والعربي عامة. ربما كان «ريش» المقهى المصري الذي ذاع صيته كبؤرة للثقافة غير انه لم يكن الوحيد، اذ عرفت القاهرة مقاهي أخرى جذبت مثقفين مشهورين مثل «ايزافيتش» الذي كان الشاعر كامل الشناوي والكاتب الساخر محمود السعدني من أبرز رواده. تحت تراكم الاحباطات المتباينة على نخبة الطبقة الوسطى انقطع المثقفون عن تلك المقاهي التي لم تنج هي نفسها من التحولات التي طرأت على الساحة فأصبح «إيزافيتش» مطعماً للوجبات السريعة وتعثرت محاولات بعث الحياة في دور «ريش» مجدداً بعد تجديده. فكما اندثرت «الصالونات الثقافية» على غرار صالون «مي زيادة» في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي غابت مقاهي الستينيات والسبعينيات بعد ذلك مع تباين عناصر الاندثار والتغييب في الحالتين. القاهرة لم تكن استثناء ـ فدمشق كان لها مقاهيها التي اكتسبت شهرة المنتديات الثقافية في الستينيات مثل «الهافانا» الذي كان ملتقى سياسيين ومثقفين لامعين من طراز زكي الارسوزي، صلاح البيطار، ادونيس ومحمد الماغوط ـ وفقد هذا المقهى بريقه الذي اكتسبه من بريق أولئك النجوم فعلاه الصدأ في ظل تحولات الثمانينيات وأصبح الطابق الثاني منه في أفضل حالاته عشاً للشبان العشاق. وحال الهافانا أفضل من مصير مقهى «البرازيل» الذي كان قبالة الهافانا وتوأمه، فقد اندثر «البرازيل» ونهض على أنقاضه مبنى تجاري وشكل المقهيان في دمشق امتداداً ل«مقهى الرشيد» في عقدي الاربعينيات والخمسينيات الذي شهد مولد حزب البعث في العام 1947. على غرار «ريش» القاهري يجاهد مقهى «الروضة» الدمشقي لأداء ذلك الدور المتميز للمقاهي والمنتديات ولكن دون جدوى. كذلك انتهى مقهى «شهرزاد» في العاصمة الأردنية من ملتقى نخبة الطبقة الوسطى من سياسيين وأدباء وشعراء الى مركز لبيع البن. وربما يكون حاله كذلك أفضل من مصير «كوكب الشرق» الذي ازدهر كذلك في الستينيات واندثر ونهض على أنقاضه مبنى تجاري. كذلك طال الصدأ في الخرطوم مقهى الأتينيه الذي كان ملتقى شريحة من صفوة العاصمة السودانية عند الأصيل ووقت مبكر من الامسيات فكان مألوفاً أن تلتقي مبدعين مرموقين بثقل الشاعر الراحل محمد المهدي مجذوب وبقامة الراحل الآخر صلاح أحمد إبراهيم وصديقه وتوأمه في الأدب علي المك وكلاهما لفظ أنفاسه في المنفى بعيداً عن النيل أو بالصحفي الأنيق المتميز محمد ميرغني الذي وافته المنية في ظروف غربة داخلية أشرس من المنفى. كذلك اندثر مقهى «السليماني» الذي كان بؤرة جذب لشريحة أخرى من صفوة الخرطوم بعيداً عن وسط المدينة «داون تاون» اذ ازدهر السليماني في حي «الخرطوم (2)» وكان من أبرز رواده المبدع الجنيد علي عمر. ربما كان «الاتينيه» و«السليماني» رداً من المثقفين المعبرين عن موجة ثقافة الستينيات على الصفوة الذين دأبوا ارتياد بهو «الفندق الكبير» المطل على النيل من أمثال محمد أحمد المحجوب رئيس الوزراء السوداني الراحل وبشير محمد سعيد رئيس تحرير «الأيام» الراحل. بعد نهاية الحرب الأهلية اللبنانية حاولت بيروت اعادة ذلك الألق الجميل الذي كان يتدفق من مقهى «كافيه دي باريس» و«ويمبي» و«مودكا» التي كانت تشكل ثلاثية لا مثيل لها في العالم العربي في الستينيات. اذ ذاعت شهرة تلك المقاهي المتقابلة في «الحمرا» على نطاق المحيط الثقافي العربي بأسره. كانت بيروت آنذاك بؤرة اشعاع ثقافي متوهج في الوطن العربي وكانت مزدحمة بمبدعين لهم بريقهم الآسر والساحر. وكانت بيروت آنذاك محطة يقصدها العديد من المبدعين العرب ولابد أن يجلس هؤلاء في أحد المقاهي الثلاثة، أو ربما فيها جميعاً فقائمة الأسماء التي عرفتها تلك الثلاثية لم تكن وقفاً على اللبنانيين وحدهم اذ فتنت بيروت سوريين وسودانيين ومصريين وعراقيين شعراء وقصاصين وصحفيين، فيما أضفى على المودكا وصاحبتيها مسحاً من الشعور القومي. ربما ذلك الاحساس هو الذي دفع الشاب اللبناني خالد علوان لاطلاق الرصاص على جنود شارون لما رآهم جالسين في مقاعد «ويمبي» بعد اسبوع واحد على الاجتياح في العام 1982. عناصر ردة عديدة اجتاحت تلك المقاهي التي ذبلت أو اندثرت. كانت مقاهي تقطر شهداً لكن مقاهي العصر تنفث المعسل.