استطاع علماء الآثار ان يستخدموا بيانات من الدورات الشمسية الكونية وحلقات خشب الاشجار لتعديل الابعاد الزمنية للعصرين الحديدي والبرونزي. ونتج عن هذا البحث تحديد تاريخ آثار من المشغولات اليدوية في منطقة البحر المتوسط، فاتضح انها أقدم مما كان يظن الباحثون، كما نتج عن البحث ايضا اكتشاف ان الابجدية ظهرت لأول مرة خارج فينيقيا في حوالي عام 740 قبل الميلاد. وقال علماء في الآثار القديمة من جامعتي كورنيل الامريكية وريدنج البريطانية على التوالي بالتعاون مع عالم طبيعة من ألمانيا ان اثبات هذا التاريخ يعني ان المشغولات المعدنية والأثاث والمنسوجات وابتكار الابجدية الذي اكتشفوه من مقبرة وسط تركيا كلها أقدم مما كان يظن الباحثون سابقا بنحو 22 عاما. وقد عثر الباحثون على صحن برونزي غير عميق محلى بشمع النحل على أطرافه ويحمل حروفا ابجدية محفورة عليه، وكان في ميداس بمنطقة جورديون عاصمة مدينة فريجيا القديمة غربي أنقرة. كانت هذه الحروف هي أقدم حروف تشبه الحروف اليونانية تم العثور عليها، وتشمل الرمح الرأس الذي يوجد في الكتابة الاتروسكية ايضا. وبناء على التاريخ الجديد فإن الصحن البرونزي يرجع الى عام 740 قبل الميلاد، مما يجعل الحروف المنقوشة عليه ترجع الى عصر أقدم مشغولات تم العثور عليها بالحروف اللاتينية مثل كأس النبيذ الذي عثروا عليه في مقبرة دبليون في اثينا. وقد وفرت هذه القطع للأثريين من قبل تاريخا تقريبيا لتاريخ الكتابات الابجدية، لكن الثابت الآن ان الابجدية التي لايزال هناك خلاف على الرقيق في فينيقيا، كانت تنتقل بسرعة الى الغرب وأغلب الظن ان انتقالها كان عن طريق البحر، لكنه من الواضح انها انتقلت برا ايضا. وتثبت الدراسة الجديدة ان الابجدية كانت سريعة الانتقال والانتشار بالفعل، ويعتقد الباحثون ان مكان ظهور الابجديات الغربية بما فيها اليونانية والرومانية هو فينيقيا (لبنان وفلسطين حاليا). وقد تم العثور على أقدم نص فينيقي في مدينة ابيتاف في بيبلوس بلبنان، ويرجع الى القرن الحادي عشر قبل الميلاد. ويعتقد الباحثون ان الابجدية انتقلت الى منطقة البحر المتوسط عن طريق التجار الذين وجدوا ان هذه الحروف المختصرة وسيلة أفضل من الكتابة بالرسوم، ويستخدم فريق البحث وسيلة التاريخ بفحص العنصر الكربوني والحلقات الثلاثية للأشجار من أجل المعايرة التاريخية. وتشمل هذه الوسائل تحليل الكربون 14 والدورات الزمنية مقسمة الى عشر سنوات لكل منها، ونمو حلقات الاشجار لكل عشر سنوات من اشجار في غابة كاتاجيك في تركيا واشجار البلوط في المانيا. وحسب المعايير المستخدمة حاليا لابد ان تتماثل تركيزات الكربون 14 في كل من اشجار الصنوبر والبلوط. وفيما اقتنع العلماء بصحة هذا المعيار عموما، فقد فوجئوا بأن الصنوبر التركي يبدو أقدم من البلوط الالماني بنحو 17 سنة. ويقول أحد اعضاء فريق البحث ان هذه القطع الخشبية من الدورة التي توضح العصر الذي نمت فيه هي من نفس العصر، وكان لابد ان تشير لذلك بالتحليل الاشعاعي الكربوني، لكنها لم تثبت التماثل. مناخ دافيء ويبدو ان الاختلاف يرجع الى ان الاشجار التركية نمت في مناخ أكثر دفئا وعلى مناسيب أقل ارتفاعا فامتصت نسبة كربون 14 أقل خلال فترات معينة، فيما تعرضت اشجار النصف الشمالي للكرة الارضية لفترات باردة أطول مثل التي حدثت في القرنين الثامن والتاسع قبل الميلاد والقرنين الخامس والسادس عشر بعد الميلاد، فالبلوط الالماني الذي يبدأ موسم نموه في وقت لاحق في الربيع مقارنة بالصنوبر التركي، امتص كميات أكبر من الكربون 14 خلال الفترات الباردة. ويقول الباحث ان الاشجار مثل سجل تاريخي محفور بالكربون، لكنها لا تسجل الا في فترة النمو. وينتج الكربون 14 وهو صورة مشعة من الكربون في طبقات الجو السفلى الغربية من الارض بسبب اصطدام النترونات الناتجة عن الاشعة الكونية مع النتروجين، وخلال فترات ارتفاع النشاط والشمس تمنع الرياح الشمسية الجزيئات المشحونة من دخول الغلاف الجوي، وبالتالي تنتج كمية قليلة من الكربون 14. ويصل الكربون المشع 14 الى الذروة في التكون في فترات انخفاض النشاط الشمسي الى أقل ما يمكن، ويدخل في طبقات الجو الوسطى على شكل ثاني أكسيد كربون 14 خلال أواخر الربيع في نصف الكرة الشمالي. وعندما يأتي ربيع العام التالي، يكون تركيز الكربون 14 في طبقات الجو الوسطى قد انخفض. وبالتالي فإن البلوط الالماني الذي ينمو في وقت متأخر من الربيع والصيف يمتص كمية أقل من ثاني اكسيد الكربون 14 مقارنة بالصنوبر التركي الذي يستغرق نموه الفترة من بداية الربيع حتى الصيف. وتعد هذه المراحل الأولى التي يكتشف فيها العلماء اختلافا اقليميا بين حلقات الاشجار خلال نفس العصر التاريخي. والآن للأسف الشديد توقفت الاشجار عن عملية التسجيل التاريخي بسبب تزايد تصاعد ثاني أكسيد الكربون من مصادر عديدة.