رغم انشغالي بالزمن منذ بدأ تفتح وعيي على حقائق الوجود، إلا أنني لم أعرف شيئا عما يصاحب حلول رأس السنة الميلادية من مظاهر احتفال، حتى نهاية الخمسينيات، من همومي القديمة تلك الحيرة حول مصير اللحظة المنقضية، إلى أين تولي؟ إلى أي جهة؟ هل من مكان تمضى إليه؟، ورغم ذلك التساؤل البسيط في مظهره، بعيد الأغوار في معناه، لكنني لم أتوقف كثيرا عند الاحتفال برأس السنة، لسبب بسيط، هو عدم اهتمام قومي سواء في الصعيد حيث ولدت أو القاهرة حيث نشأت بأمرين، الأول الاحتفال برأس السنة وما يصاحبه من لهو وسهر واطفاء نور عند حلول منتصف الليل، والأمر الثاني هو الاحتفال بأعياد الميلاد، أعني ذكري المجيء والولادة. ولأنني اعتدت منذ طفولتي أن أضفي صفات إنسانية على الأشياء غير الإنسانية، فكنت أتخيل السنة ذات صفة أنثوية ملامح ما لا يمكنني تحديدها لكائن ممتد، المسافة بين أوله وآخره شاسعة، ذلك أنه يحتوي أياما وشهورا ولحظات شتى، ولأنني كنت أسمع الوالد أو الوالدة تصف السنة بأحد لونين، فأما السنة كانت بيضاء أو سوداء، لذلك أضيف إلى مخيلتي لوناً يضفي شيئا آخر على السنة المنقضية، أما السنة المقبلة، الجديدة، فلابد أن تقترن بدعاء (اللهم ما اجعلها سنة بيضاء.. أي تقترن بالرجاء، بالأمل، لعل وعسى. في نهاية عام تسعة وخمسين.رأيت في جريدة أخبار اليوم (كاريكاتير) للرسام المصري، أرمني الأصل صاروخان، شخص ما، لا أذكر رجلا أم سيدة يقف أمام تقويم قديم مكتوب عليه 1959، وآخر جديد مكتمل يحمل رقم 1960، وثمة عبارة أذكر معناها ولا أحفظ نصها، تعني الترحيب بالعام الجديد وتلعن المنصرم، وهذا ما يفعله القوم الذين يحتشدون في الشوارع أو الميادين أو في قاعات الفنادق والمطاعم، عندما تحل الثانية عشرة وتظلم الأضواء فيصيحون مبتهجين، فرحين، ويتبادلون القبلات وهم يرتدون الطراطير، فيما بعد عندما علمت بتلك العادة أولا من السينما وبعدها الصحف والأصدقاء ثم ألممت بها كنت أتعجب، تماما كما أتعجب من الاحتفال بعيد ميلاد إنسان، هل بلوغ نقطة تكتمل فيها سنة، أي تنقضي مسافة ليست بالهينة من العمر الذي يبدأ نقصانه بمجرد الولادة مع إنطلاقة الصرخة الأولى، ثم عللت الفرح بالوصول إلى علاقة متوهمة من الزمن والمرء على قيد الحياة يسمع ويرى. رسم صاروخان هذا أقدم ذكرى عندي ترتبط بذلك الحد الفاصل القائم في اللازمان والذي لايمكن تحديده بمكان، المرتبط بإتمام الكوكب الأرضي لدورة كاملة حول الشمس الأم، وكل ما استطاعه الإنسان قياس مدة هذه الدورة بدقة، لكن ما تزال الاسئلة معلقة، متى بدأت وكيف؟ وإلى متى؟ منذ ساعات بدأت السنة الجديدة، وإذا جاز لي أن أقرن أحد اللونين بها فلن نختلف كثيرا لكثرة ما حدث فيها من أهوال وما لحقنا نحن العرب والمسلمين ودفع بنا إلى نقطة حرجة من التاريخ، وإذا أردت تلمس نقطة ضوء أقول أن الحضارة الوحيدة التي تقاوم وحشية العولمة ومحاولة فرض نمط واحد على العالم وتحويله إلى سوق هي الحضارة العربية الإسلامية، للأسف كان من الممكن أن يكون شكل المقاومة إيجابيا، لكن نفر من أبناء تلك الحضارة سلكوا الطريق الخاطئ الذي أدى بدوره إلى ردود فعل تضرنا وتلحق الأذى بنا، وتقوي شرور العولمة، يجيء العام الجديد ونحن في الخضم، العنف سلط علينا، والمستقبل ضبابي والظروف الصعبة تزداد قتامة، ولا نملك إلا الدعاء والعمل، أما العام الذي رحل إلى الأبد منذ ساعات فأقول مقتديا بشيخي المؤرخ المصري الذي عاش في القرن السادس عشر انها خرجت على خير والحمد لله، كان ابن اياس صاحب الكتاب الرائع بدائع الزهور في وقائع الدهور يقول تلك العبارة أولا عند نهاية كل سنة، ثم يذكر المحاسن والمساوئ، وأحوال الناس، ويورد أسماء من رحلوا، يصفهم ويترجم لهم ما كان يقوم به ابن إياس وابن تغري بردي وابن واصل والمقريزي وغيرهم، تقوم به الصحف الآن لكن بدون قصد، فمن يتابع الصحف، كأنه يقرأ تلك الحوليات القديمة مع اختلاف الشكل والمضمون لاختلاف الزمن. منذ بداية الستينيات، ومع تعرفي إلى عدد من زملاء القلم، عرفت الاحتفال بالعام الجديد، وكانت القاهرة تشهد مستويات مختلفة للإحتفال، أول ما عرفته خروج الناس إلى الشوارع خاصة منطقة وسط المدينة التي تمتد من ميدان التحرير وحتى ميدان الأوبرا، مرورا بميدان سليمان باشا ـ طلعت حرب الآن ـ والشوارع الرئيسية الثلاث وقتئذ والتي تتركز فيها الأنشطة التجارية والمصرفية وتوجد المطاعم ذات السمعة، كانت تلك المنطقة تفيض بالشباب، ذكور في معظمهم، يسيرون جماعات، كانوا يتحاورون بصوت مرتفع، وبعضهم يرقص أو يأتي من الحركات ما أعتبره الآن تنفيسا عن رغبات مكبوتة أو مجهولة. وكانت قوات الأمن الظاهرة والخفية تستنفر في تلك الليلة، خاصة عند تلامس عقربي الساعة، إذ كانت الشوارع تشهد صيحة مرتفعة جماعية حية وتزداد التصرفات اللاإرادية ويحطم البعض زجاجات فارغة. لأول مرة أسمع هذا السؤال من أصدقاء مثقفين كانوا يكبروني سنا (هتسهر فين ليلة رأس السنة). يتم الإتفاق على اللقاء عند شخص معين يكون أعزبا في الغالب، لا أذكر أي رأس سنة بالتحديد حضرت حفلا كهذا في بيت صاحب لي، وكان الأصدقاء يتكلمون ويتأملون ما جرى، ومع اقتراب منتصف الليل ينفعل البعض، يقف خطيبا أو منشدا لقصائد يحفظها أو من تأليفه إذا كان شاعرا، غير أنني لم أسترح إلى هذا الشكل من الاحتفال، وفضلت عليه البقاء منفردا مع التأمل، أو بمعنى أدق حساب النفس على ما أنجزت وما أتطلع إلى إنجازه هنا تصبح لحظة رأس السنة محطة متوهمة يحصي خلالها الإنسان ما قام به وما ينويه، وتنتابه حالة من الأمل في أن تصبح السنة الجديدة أكثر نشاطا وأوفر حصادا، وبالنسبة لي كان الحساب ينصب حول نقطة واحدة لا أتوقف عند الحوادث جساما كانت أو هينة، إنما حول ما كتبت، وما لم أكتبه، ما خططت له في بداية العام المنقضي، وما تقاعست عن أدائه، وفي معظم الأحوال دونت تأملاتي تلك في مذكرات خاصة بدأت كتابتها عام تسعة وخمسين، عندما قرأت بعض المذكرات لأدباء مشاهير، وللأسف توقفت عن كتابتها منذ السبعينيات، واستبدلت كراسة المذكرات، بعدة كراسات، واحدة للقراءات وأخرى للملاحظات اليومية، وثالثة لأفكار عابرة، وهكذا. من السنوات التي لا أنسى حلولها، سنة سبعة وستين، إذ حللنا برأس السنة أو حل بنا في المعتقل، كنت مع صفوة من أبناء مصر في مزرعة طره، حيث المعتقل السياسي، كان المعتقل يضم جميع الاتجاهات السياسية المعارضة أو التي رأى النظام أنها كذلك، وكان هناك قسم لمن لا نشاط له، أي الذين يصعب تصنيفهم لعدم انضمامهم إلى أحزاب غير مشروعة، أو اعتقلوا بسبب القاء نكتة أو جملة! كان عنبر اليساريين يضم أسماء شكلت فيما بعد ما يعرف بجيل الستينيات، المرحوم جلال السيد المرحوم يحيى الطاهر عبد الله، المرحوم غالي شكري، ومن أتمنى لهم طول البقاء الابنودي، سيد حجاب، صبري حافظ، محمد العزبي، إبراهيم فتحي، وغيرهم احتفلنا برأس السنة بتوزيع ثلث سيجارة على المدخنين، وتدبير طبق سلاطة خضراء لم نعتده، فقد كان طعامنا الفول المدمس ثلاث وجبات يوميا، وهذا حديث يطول فلأكف إلى أن يحين الوقت لتفصيله تليت كلمات، وأشعار، ومازلت أذكر ذلك الشعور بالتضامن الحميم. عند الانتقال من عام تسعة وسبعين إلى ثمانين من القرن الماضي كنت في طنجه بديار المغرب الأقصى، كنت في مهمة صحفية أعقبت حضوري مؤتمر الرواية العربية الذي عقد في مدينة فاس، ومازلت أعتبره من أهم المؤتمرات الثقافية المتميزة التي عقدت خلال القرون الثلاثة الأخيرة، حضره عبد الرحمن منيف وصنع الله إبراهيم، وحنا مينه، والراحل عبد الحكيم قاسم وشارك فيه عدد من أدباء المغرب، في مقدمتهم محمد براده المثقف المرموق والأديب البارز الذي كان يرأس الاتحاد في ذلك الوقت. مازلت أذكر ضجيج المدينة الذي كان يصل إلي في غرفة الفندق التي يمكن من خلالها رؤية البحر، وفي إحدى صالات الفندق كان ثمة ضجيج أشد ورقص وطراطير تتطاير، انه طابع الحفلات التي تقام في العديد من فنادق المدن العربية، والتي يشارك فيها أبناء البورجوازية العربية والأغنياء الجدد. وفي السنوات الأخيرة تطالعنا بعض الاعلانات ومنها الذي يسفر عن أسعار الاشتراك الباهظة والتي لا تحوي طبعا أسعار المشاريب التي لا يمكن الاعلان عنها من شمبانيا تفرقع عند فتحها لحظة حلول السنة الجديدة أو ما شابه. منذ ساعات جلست إلى مكتبي أدون بعض الملاحظات، وعبر المذياع أصغيت إلى مذيعين بلغات مختلفة يعلنون اقتراب حلول العام الجديد، وعندما تطابق عقرب الساعة الكبير مع الصغير، اصغيت إلى ما لايمكن الاصغاء إليه، ويستحيل رصده أو تعيينه، ولفظت ذلك الدعاء الذي كان الاسلاف يتمتمون به مهما ادلهمت الأحوال: اللهم اجعلها سنة أفضل..)