المتتبع لمسيرة الحركة الثقافية في وطننا العربي، يلحظ انها تمتاز بالقطيعة، ليست قطيعة بين مؤسسات هذا القطر ومؤسسات القطر الآخر، بل هي قطيعة داخل القطر الواحد، حيث كل يغني في واديه فالعلاقات شبه مقطوعة او هي مقطوعة بين مؤسسة واخرى وبين قطاع وآخر، التعليم الجامعي لا صلة له بالمجتمع على الغالب الجامعات جزر في محيط ان وجدت لا تتعلق على الاغلب بمحتوى التعليم او طرائقه، إنما هي علاقات توظف لصالح مكاتب وتلبي مطالبها ليس اكثر.. ومن معالم القطيعة الثقافية ان المنظمات التي يؤسسها المثقفون «اتحادات الكتاب والصحفيين..» سرعان ما يتحول العمل فيها الى نوع من العمل المكتبي الذي لا يسمح بنهوض منتسبيها. وهنالك الكثير من الظواهر التي تنتج تخلفنا الثقافي: منها عمليات الاقتباس والترجمة التي لا تستند الى اسس واضحة وثابتة وإنما هي على الاغلب والاعم، عمليات تتم بمبادرات شخصية تتبع «الموضة» وفي مجال الاختيار تستسهل موضوعات تتبناها.. وهذا واضح في مجال الرواية والقصة والشعر والسينما والمسرح وغيرها لا يستثنى منها الادب الموجه للاطفال. ومنها تسارع دور النشر التجارية وغيرها، مما يفترض ان تكون صمام امان في وجه المتاجرة بالثقافة، الى ترويج البضاعة السائدة دونما نظر الى اولويات عملية الترجمة والاقتباس التي تفترضها الحاجات الملحة او الاكثر الحاحاً.. ان الفعل الثقافي العربي لا يزال فعلاً فردياً الى حد كبير، والمقصود بالفعل الثقافي ذلك الفعل الذي يهدف الى تحليل البنى الاجتماعية العربية ودراسة اسباب تخلفها وادوات انتاج تبعيتها ليتمكن من تلمس اسباب الخروج من وضع التردي الى وضع الفعل والاسهام في عملية تنموية شاملة. حتى الآن يبدو التعاون اللازم بين مؤسسات البحث العلمي العربي لايزال في ادنى درجات التعاون المأمولة، ناهيك عن تعذر القيام بأبحاث تتناول مفاصل هامة من حياتنا الاجتماعية والثقافية. ان مثل هذه الاجواء لا تثمر ابحاثاً قادرة على الاسهام في العمليات التنموية.. كما ان سيادة مثل هذه الاجواء لا تنتج اصلاً ـ مثقفين حقيقيين ـ كما يوضح «م.أ. ماشيوكي»: «لقد كانت الفاشية غير قادرة على انتاج طبقة حاكمة سياسية وثقافية تؤمن لها الهيمنة الايديولوجية.. وعندما اطيح بموسوليني عام 1943 لم نجد مثقفاً واحداً يقرأ انه كان معه». والساحة الثقافية العربية المعاصرة هي ثقافة على الاكثر موجهة الى نخب معزولة عن الجماهير المتروكة لعفويتها بدون سلاح امام نظام اتصال عالمي يهدف الى السيطرة وتفريغ الجماهير من قدراتها التي يمكن ان تؤثر على مسار الحراك الاجتماعي. وثقافة الجماهير اليوم تؤسس لها وسائل الاتصال الحديثة ومراكز المعلومات المهيمنة بالسيل المتدفق من افلام «الكرتون» والدعايات المتلفزة للسلع والمصنوعات الاستهلاكية، والافلام التي تحكي قصص الجاسوسية والخوارق. اي ان مخرجات هذه الوسائل لا تؤدي في النهاية الى تكوين اتجاهات ايجابية نحو ثقافة معاصرة قوامها التقدم العلمي والتكنولوجي، وانما تؤدي الى تكوين اتجاهات سلبية من خلال مابات يعرف ببرمجة النفس حيث ردد «واطسن» في كتابه «السلوكية» قوله: «لو وضع تحت تصرفي اثنى عشر ولداً يتمتعون بصحة جيدة وبنية سليمة، وطلب مني ان اعلمهم بالطريقة التي اعتقد انها المثلى للتعلم، فاني قادر بطريقتي هذه، بحيث يصبح اي من هؤلاء الاطفال مختصاً في المجال الذي اختاره له. كأن يكون طبيباً او محامياً او فناناً او.. بغض النظر عن مواهبه، وميوله، او قدراته، او مهنة أبيه، او اي من اسلافه، او الجنس الذي ينتمي اليه». اي ان الرغبة في تغيير سلوك شخص ما او تعديله، لا تحتاج سوى تغيير ظروفه البيئية. مهيدي عبد القادر