وهذا طبعا غير معقول، فاللص لا يمكن ان يكون شريفاً.. كما أن الشريف لا يمكن ان يكون لصاً، ولكنها ضرورة صحفية اقتضتها دواعي الاثارة في كتابة العناوين للفت نظر القاريء وجره الى القراءة، وخصوصاً «من يهمهم الأمر» منهم! والواقع المعاصر يؤكد أن مقياس الشرف او عدمه لم يعد هو المقياس الحقيقي للوضع الاجتماعي.. الوظيفي او المادي، فكلنا يعرف ان أطول اللصوص يداً وأكثرهم هبشا وهبرا يصولون ويجولون في قمم المجتمعات، تحف بهم هالات التكريم والتبجيل، وتتكفل فلوسهم ومناصبهم بإطلاق ألسنة المدح وتحريك أقلام النفاق، ومن ثم تتوالى عليهم الألقاب والأوصاف من عينة «الثري الأمثل» او «المحسن الكبير» او «رجل البر والتقوى».. الخ..، وتظل هذه الألسنة وتلك الأقلام مجندة ومخلصة طالما ان ارصدة الثري الأمثل في البنوك مازالت بخير، وطالما ان كرسي المنصب الخطير مازال لاصقاً بجسد الموظف الكبير، وطالما أيضا ان «الرواتب» لاتزال منتظمة.. و«العطايا» لاتزال تعرف طريقها الى أصحاب الألسنة وكتاب المقالات، فإذا انقطعت هذه او توقفت تلك، انفتح باب المستور وانكشف ما خفي «او ما أُخفي» من الأوراق، فظهرت الخبايا وعرف الناس ان الثري الامثل لم يكن امثل أبداً.. وان المحسن الكبير لم يكن احسانه لوجه الله بقدر ما كان لوجه «المنظرة» والتلميع الاعلامي، وأن «بر» و«تقوى» رجل البر والتقوى ليس الا ستاراً لكل ما ليس برا وما ليس تقوى!!. ونعود الى حكاية «اللص الشريف»، وكل ما يحدث فيها ان رجلا ذا سمعة طيبة تتزحلق قدمه ذات يوم تحت ضغط ظروف افلاسية او إغرائية.. فيتحول الى لص، محاولا قدر الامكان الاحتفاظ بصفته الاولى كرجل شريف الى جانب نشاطه الجديد كلص، وعلى قدر شطارته يظل جامعا بين الوظيفتين المتناقضتين الى ان تتغلب احداهما على الأخرى، او يتم عقد معاهدة صلح بينهما في إطار التعاون المشترك، لتصبح كل منهما في خدمة الاخرى، فتكون السمعة الطيبة غطاء اعلاميا لاعمال اللصوصية، وتخصص نسبة من ايراد الاموال المهبورة لدعم هذا الغطاء الاعلامي، ويظل هذا التعاون قائما وناجحا ومثمراً، طالما انتظم الدعم الاعلامي ونما بقدر نمو واتساع عمليات الهبر والهبش، فاذا اختل التوازن يوما فزاد الهبر ونقص الدعم تغير الوضع، وتحول الرجل من وضع «اللص الشريف» الى وضع «الشريف اللص».. وهناك طبعا فرق..! عندما يتولى موظف ما مركزاً مسئولا في موقع «دسم» تبدأ على الفور عمليات جس نبضه من قبل كتيبة مدربة في ذلك الموقع بهدف التعرف على مدى قدرته على الصمود أمام مغريات الانحراف في الموقع الدسم، ومن ثم مدى استعداده للتعاون مع كتائب الهبر والانخراط في مسيرة الهبش المباركة..، وتبدأ عمليات جس النبض بهدية صغيرة لا تثير شكا ولا احراجا يقدمها احد عملاء الموقع لصاحب المنصب الجديد باعتبارها «حاجة صغيرة.. علشان الاولاد.. ربنا يحفظهم ويحميهم»، فاذا مرت هذه العملية بخير تلتها «حاجة بسيطة للمدام» ثم «حاجة بسيطة لسعادتك»..، وتتوالى الاختبارات التي بدأت بالاولاد.. ثم المدام.. لتصل الى مفتاح سيارة فخمة تقف على باب الموقع الوظيفي «اللقطة» كتحية صغيرة من عميل تم «تسليك» معاملته «الدسمة»! شيئا فشيئا.. ومع استمرار عمليات الترويض المدروسة يتم وضع المسئول الجديد في «الفورمة»، وشيئا فشيئا تنفتح نفسه لعشرات «الحاجات البسيطة.. والصغيرة»، ثم تتطلع الى حاجات ليست بسيطة ولا صغيرة، ويتحول من مرحلة قبول ما يقدم له مع الشكر.. الى مرحلة المطالبة وتحديد ما هو مطلوب مقابل ما يقدمه من خدمات يفترض القانون انها مجانية.. ويفترض هو أنها حق من حقوقه يستثمرها كما يشاء ووقتما يريد، ويمنعها او يعطلها عن كل من يتمسك بقانون الحكومة ولا يعترف بقانونه الخاص، ليصبح صاحبنا بعد حين «غولا» لا يشبع، وليدخل موسوعة «الشرفاء.. اللصوص» من أوسع ابوابها..! «الشرفاء اللصوص» يعرفون قبل غيرهم انهم لصوص، ومعرفتهم هذه تتعبهم وتقلق نومهم، فرغم العز والهيل والهيلمان تراهم بسبب وبلا سبب يحاولون دائماً نفي هذه التهمة التي يتصورون دائماً انها تحلق فوق رؤوسهم ويراها الجميع، والنفي هنا لا يأتي بتكذيب ينشر في الصحف او يصدر به بيان، بل يكون بإسراف غير مبرر في «رش» المنح والعطايا على الفقراء والمساكين «مع أهمية الاعلان عن ذلك»، ويكونون بمسبحة لا تغادر اصابعهم تأكيداً لتقواهم وتكذيبا لأي شائعات مغرضة عن مصادر ثرواتهم، يدفعهم الى ذلك احساس مزعج بالذنب مصحوب بفزع داخلي عند رؤية اي عسكري او ضابط شرطة تصوراً ان هذا او ذاك قد جاء للقبض عليه، ويكاد الفزع الداخلي يصل بالواحد منهم الى رغبة كامنة في الصياح امام كل من يقابله «انا بريء.. بريء.. بريء والله العظيم»، صحيح ان بعضهم يتمتع بـ «بجاحة» نادرة تجعلهم «يقتلون القتيل.. ويمشون في جنازته» كما يقولون بعد ان يزداد الضغط العصبي على ضمائرهم فتفارق الحياة غير آسفة، وصحيح ان بعضا اخر منهم «ان لم يكن معظمهم» يضع الواحد منهم في بطنه أكثر من «بطيخة صيفي» اماناً واطمئناناً لوجود «ظهر» منيع يحميهم من غدر الزمان حين تفوح الروائح.. وقبل ان ينكشف المستور، ولكن.. ما كل مرة تسلم الجرة، فكثير من «الشرفاء اللصوص» لم تنفعهم الدروع الواقية ولا «الرش الاعلامي».. وكان حُماتهم اول من تبرأ منهم فسقطوا.. وانفضحوا.. وزينت صورهم الكريمة صفحات الحوادث في الجرائد، وتحولت مسمياتهم من «مسئول كبير» الى «حرامي خطير» وتتحول يد الشرطي التي كانت ترتفع للواحد منهم بالتحية ذات يوم لتقبض على عنقه و«تجرجره» الى قفص الاتهام.. وسبحان من له الدوام! «اللصوص الشرفاء» انقرضوا.. و«الشرفاء اللصوص» رغم تساقط الواحد منهم بعد الاخر مازالوا يملأون الساحة، بعد ان طوروا اعمالهم ووسائلهم، وبفضل خبرائهم ومستشاريهم اصبحوا يسرقون بالقانون..، يهبشون في حماية نصوصه، ويهبرون بمباركة مواده وفقراته، ولا حول ولا قوة الا بالله!