في خاطرة سابقة وضعنا بين يدي القاريء صورة مصغّرة للكوميديا الإلهية، قبسناها من قصة الحضارة للكاتب الأمريكي «ول ديورانت». وفي هذه الخاطرة نضع بين يديه صورة نقدية مقارنة، نحاول أن نحدّد فيها علاقة هذا الأثر الأدبي الغربي بالتراث العربي. وقسمات هذه الصورة مستمد بعضها من بحث قدمه الدكتور سالم أحمد الحمداني الى المؤتمر النقدي الرابع في جامعة اليرموك، وبعضها مما وجدناه جديراً بالإضافة الى هذا البحث ومكملاً له. والمحور الذي ندير حوله ما نقبس وما نضيف هو الاجابة عن سؤال واحد، راود دارسي الأدب المقارن من أجانب وعرب، ومستشرقين ومستغربين، وهو: ما صلة الكوميديا الإلهية بالتراث العربي عامة، وبمعجزة المعراج خاصة؟ ربما كان المؤرخ الفرنسي «بلوشيه» أسبق الباحثين المحدثين الى الاعتراف بأن دانتي تأثر بالثقافة العربية الاسلامية حينما نظم ملحمته الضخمة. وأدلته على هذا التأثر كثيرة، منها أن الحروب الصليبية التي سبقت ظهور الكوميديا بزمن مديد كانت الجسر الذي عبرت فوقه ثقافة العرب المسلمين الى إيطاليا ثم أوروبا، وعلى هذا الجسر مرت الأصول الاسلامية لكوميديا دانتي، ومنها ان دانتي كان مطلعاً على حياة النبي العربي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعلى حادثة الاسراء والمعراج من المصادر الاوروبية. ومنها ان كتّاباً اوروبيين آخرين سبقوا دانتي الى التأثر بهذه الحادثة، وترجموا تأثرهم بما أبدعوا من ملاحم وقصص. ولك أن تحمل هذه الأدلة على محمل التخمين الذي لا يرقى الى منزلة اليقين، فتقول: لا يمكن اثبات الاقتباس إلاّ بالتناصّ، أي بأدلة منتزعة من النصوص، يتخيرها باحث متخصص درس الثقافتين العربية والغربية، فهل أتيح للكوميديا الإلهية مثل هذا الباحث؟ وهل أوتي هذا الباحث من الشجاعة والإنصاف ما يدفعه الى الإقرار بفضل العرب على الغرب؟ الباحث هو الكاهن الاسباني «أسين بلاثيوس» المتخصص بدراسة التفاعل بين المسيحية والاسلام في ميدان الفلسفة والتصوف. وبحثه انطلق من دراسة الفلسفة الاسلامية، اذ استوقفه ـ وهو يقرأ كتاب الفتوحات المكية ـ ما جاء فيه من وصف مفصّل لمعجزة المعراج. فطار به خياله الى الكوميديا الإلهية، وراح يقارن صور الجنة والنار الواردة في التراث الاسلامي بما يعادلها من كوميديا دانتي، فإذا التشابه لا يقتصر على التصوّر الكلي، بل يجاوزه الى الدقائق والصغائر، وراعه ما وجده عند دانتي من كلمات وعبارات عربية نقلت الى الايطالية نقلاً دقيقاً، ثم اتخذت مواضعها من ملحمة دانتي. وبعد بحث دقيق عميق اعلن بلاثيوس في الأكاديمية الملكية الاسبانية عام 1919م ان دانتي تأثر بالإسلام تأثراً عميقاً واسع المدى، يتغلغل في أدق الصور التي رسم بها الجحيم والجنة، وردّ أكثر هذه الصور الى معجزة المعراج، والى رسالة الغفران، والى الفتوحات المكية. لم يتلقّ كل الباحثين والمستشرقين الذين يدّعون النزاهة التامة في البحث، والموضوعية الخالصة في المواقف، والتجرّد للحق والحقيقة هذا الاعلان بالنزاهة والموضوعية والتجرد، بل انقسموا الى فريقين: فريق يعارض ويناقض بلا تدبّر، وفريق يوافق ويقرّ على مضض. أمّا المعارضون فقد حملهم على المعارضة إحساسهم بأن إعلان بلاثيوس فرية يجب دحضها ورفضها، بالإنكار المتعصب لا بالنقد العلمي. وحجتهم الوحيدة التي لا تحتاج الى تبيان هي ان دانتي كان في نظرهم شاعر أوروبا في زمانه وزمانهم لا شاعر ايطاليا وحدها، ولا شاعر زمانه وحده، فكيف يردّون القدر الأكبر من عبقريته الى أعدى اعدائهم، فتخسر ايطاليا خاصة، وأوروبا عامة هذا المجد المؤثل؟ وكيف يربطون هذه الملحمة التي اوفت على الغاية في الابداع، وخلدت مجد الكنيسة بالفكر الاسلامي الذي ظلوا يعادونه بضعة عشر قرنا؟ وماذا يبقى من الايمان بالمسيحية اذا كانت المشاهد التي نفخت الروح والحيوية فيه مستلهمة من القرآن والسنة؟ وأشنع ما في القضية كلها ان الذي افترى هذه الفرية رجل من رجال الكنيسة، يقرّ بنبله وفضله وعمقه وصدقه كل من ناقشوه وعايشوه؟ وربما كان لزمن المعركة بين بلاثيوس وخصومه تأثيره في احتدامها، فقد نشبت هذه المعركة النقدية بعد الحرب العالمية الاولى، أي: في الفترة التي تفجرت فيها نازية الألمان، وفاشية الطليان، وكلتاهما حركة قومية مغالية في التطرف والاعتزاز بالتراث والأدب القوميين. وكلتاهما تعادي الشعوب الاخرى، وتنفخ روح الضراوة في هذه العداوة، وتنكر على العرب ان يكون لهم حظ من إبداع، او موضع بين الأمم المفكرة المتحضرة. عرف هؤلاء المتعصبون لدانتي بالدانتيين، وبنوا معارضتهم لبلاثيوس على حجة واهية، خلاصتها ان في عبقرية دانتي ما يغنيه عن الاتكاء على الأعداء، وأنه لم يطلع على العربية وتراثها، فكيف نرميه باحتذائها ومحاكاة أدبها؟ وعنده من الأصالة ما يجعله شاعر أوروبا الأكبر لا شاعر الرومان وحدهم؟ من أبرز المعارضين المستشرق الايطالي «نلينو» لكنه لم يغلُ في المعارضة، ولم يبخس بلاثيوس حقه، ولم ينكر عليه عمقه. وكل ما جاء به هو ادعاؤه ان دانتي لم يطلع على كتاب الفتوحات المكية لابن عربي، وهي حجة لا يستطيع اثباتها او انكارها الا دانتي. وهبه لم يطلع عليه، ولم يقرأ نصه المترجم أفلا يحتمل أنه قرأ ما كتب عنه او اقتبس منه في كتاب آخر؟ ومن المعارضين ايضاً المستشرق «كارل هينريش بكر» الذي ذهب الى أن بين دانتي وابن عربي خلافاً جوهرياً في أسلوب التصوّر والتصوير. فصور ابن عربي مجردة، وصور دانتي حسية. وفي هذا الاحتجاج نظر، اذ سبق ان نقلنا عن «ول ديورانت» قوله: ان دانتي في تصوير السماء والجنة استمدّ صوره من ثقافته وعقيدته، فقد تلقى عن الكنيسة تحريم التصوير، ولذلك نزع الى التجريد، فلم يصور الملائكة والقديسين، او صوّرهم على نحو تعيا بإدراكه الأبصار. اما المؤيّدون فقد كانوا أدقّ نظراً، وأنصع حججاً، وأبعد عن الاسراف والإجحاف. ومنهم المستشرق «بللسور» وحجته فيما ظاهر به بلاثيوس التشابه الشديد بين صور دانتي وصور ابن عربي في حديثهما عن الفردوس. ومنهم «ليونارد اولجي» وحجته اعتماد دانتي على كتاب «معراج محمد» الذي كان قبل مولد الكوميديا مترجماً الى ثلاث لغات اوروبية. و«أرماندو تروني» الذي قرر بعد ان درس الموضوع درساً مستفيضاً: «ان مسار الكوميديا الالهية لم يكن غير الرحلة التي جاءت في قصة المعراج المحمدية». وبرغم من ذكرنا ومن لم نذكر من المستشرقين، وما سقنا وما لم نسق من الحجج تبقى الأدلة التي ساقها بلاثيوس، واستنبطها من المقارنة بين النصوص أصحّ الأدلة، وأقدرها على إثبات ما أنكره المعارضون، وأقرّ به المؤيدون. وأهمّ أدلته ان القدس الشريف في المعراج والكوميديا محور العالم في الدنيا والآخرة، وأن منازل الجنة فيهما متشابهة الى حد التطابق، وأن صور العذاب في الكوميديا منقولة عن صور العذاب الواردة في المعراج، وأن البررة من غير المسيحيين عوملوا في الكوميديا معاملة الصالحين المشركين في الجاهلية. واليك امثلة من هذا التماثل: الزناة في الكوميديا يعاقبون بريح عاصفة كما عوقب قوم لوط في القرآن، ورؤوس الفرق الضالة وأهل البدع تعاقبهم الكوميديا بطعنات توجع ولا تميت، وفي قصة المعراج يذبحون ثم تعود اليهم الحياة ليكرر الذبح. وذكر ديورانت في قصة الحضارة ان دانتي رأى المرابين على تخوم الدائرة الثامنة من دوائر الجحيم يعذبون بإحراق جلودهم وبتجديد هذه الجلود بعد أن تحترق، والقرآن الكريم ينصّ على أن كانزي الذهب والفضة ومحتجنيهما سيعاقبون بكيّ جنوبهم وجباههم بهذين المعدنين بعد ان يحمى عليهما بنار جهنم، كما نصّ على أن جلود المعذبين تبدل كلما نضجت. ومن التشابه الذي لا يحتمل الجدال صعود دانتي على سلّم الى السماء العليا بقيادة بياتريس، كأنه يحاكي معراج النبي صلى الله عليه وسلم بصحبة جبريل. ومن التشابه كذلك ان دانتي يعبر من الجحيم الى الجنة على جسر صعب الاجتياز، وهذا الجسر هو الصراط المستقيم الوارد في القرآن الكريم. ويستطيع القاريء ان يعود الى بحوث بلاثيوس، فلعله يظفر بحجج اخرى، قد تكون أدلّ على ما ادّعينا، غير أن الدليل الجوهري الذي ظل المعارضون يطالبون به ـ وهو اطلاع دانتي على ترجمة ايطالية للمعراج ـ لم يتح لبلاثيوس ان يظفر به. وبعد موته ظفر به المستشرق الايطالي «تشيرولي»، اذ اثبت ان المعراج ترجم الى الاسبانية واللاتينية منذ عام 1260م بقرار اصدره مجلس مدينة «فلورنسا» الايطالية، وحمله الى «الفونسو العاشر» شيخ دانتي وصديقه «برونتولاتيني»، ومن غير المعقول ألاّ يطلع الشيخ تلميذه على هذه الترجمة. لقد أثبت تشيرولي ترجمة النص الى اللاتينية، كما أثبت موثق العقود الايطالي «داسينيا» ترجمته الى الايطالية، ودانتي ينطق اللغتين كلتيهما، فكيف لم يقرأ هذا النص الذي شاع بين أدباء ايطاليا ومتأدبيها؟ وإذا عرفت أن دانتي عاش بين عام 1265 وعام 1321 هـ ادركت ان النص الايطالي ـ بَلْهَ الترجمة اللاتينية ـ كان قد شاع، وملأ الأبصار والأسماع، فكيف ينكر المنكرون وصوله الى عيني دانتي وأذنيه؟ ان اقتباس دانتي كوميدياه من التراث العربي الاسلامي اصبح حقيقة لا ريب فيها. وأحسن ما نختم به كلامنا كلام للمستشرق الايطالي «ليفي دلافيدا» جاء فيه: «ان القضية لم تبق قضية امكان اطلاع دانتي على المصادر العربية، وإنما هي قضية حقيقية ينبغي التسليم به». غير ان التعصب الذي اعتصم به المعاندون عصابة تعصب العيون فلا تبصر، والآذان فلا تسمع. وإنكار المتعصب لا يلغي اثبات المنصف.