لم ير احد شيئا شبيها له على الاطلاق .. وبالفراشي والمخارز ازالوا الطبقة الصخرية التي تغطي فكيه المتحجرين. كانا فكين كبيرين يقترب طول كل واحد منهما من طول انسان بالغ، ومع ذلك فان الحيوان الذي كان يستخدم في يوم من الايام هذين الفكين لم يكن ديناصورا، وانما كان حيوانا ضخما من رتبة التمساحيات. كان فريق من العلماء الامريكيين يقوده بول سيرينو قد قدم الى منطقة الصحراء الافريقية الكبرى وبالذات الى النيجر من اجل العثور على عظام ديناصورات في مقبرة المستحاثات الاسطورية في الصحراء، وهي امتداد ناء من الصخور والكثبان يدعى «جادوفوا» وفي تماشيك، وهي اللغة التي يتحدث بها الطوارق في الصحراء، فان «جادوفوا» تعني «المكان الذي تخاف الجمال ان تدوس عليه»، اما بالنسبة لصيادي المستحاثات، فان المكان يعتبر جنة، فهو اغنى مدافن الديناصورات في القارة الافريقية. ويقول سيرينو واصفا لحظة مشاهدته للمكان: بعد اقل من ساعة من بداية حملتنا التي تستمر اربعة اشهر كنا وجها لوجه مع تمساح قديم ربما كان يشكل تهديدا لاي ديناصور في المنطقة. ان هذا التمساح لم يكن جديدا على العلم، فبعض من اسنانه المخروطية وفقراته العظمية والواح درعه التي يبلغ طولها قدما قد تم اكتشافها لاول مرة من قبل عالم المستحاثات الفرنسي البيرت فيليكس دي لابيريه، وفي عام 1966، قام ابن اخيه فرانس دي بروين وزميله عالم المستحاثات فيليب تاكويت بتسميته المخلوق «ساركوسوتشوس امبيراتور» الذي يعني «امبراطور التمساح اللاحم». اما البعثة هذه فقد اسمته «سوبركروك»، وكانت تأمل بالحصول على اجابات على بعض الاسئلة التي لا تزال عالقة حول هذا العملاق المجهول. كانت حملة عام 2000، الممولة جزئيا من قبل مجلس البعثات ولجنته الخاصة بالبحث والتنقيب التابع لجمعية «ناشيونال جيوجرافيك» هي الحملة الرابعة لبول سيرينو الى الصحراء الكبرى، ولم تكن رحلة استجمام في الرمل. فقد كان يتعين عليهم ان ينقلوا شاحنات ومعدات وخيم وخمسة اطنان من الجص و 600 رطل من المعكرونة و 4000 جالون من الماء، وما يكفي لاربعة اشهر من الامدادات الاخرى في قلب اكبر صحراء في العالم، وفي الطريق، صادفت البعثة صعوبات جمة هددت جانبا من وقتهم الثمين، ولكنهم وصلوا في النهاية الى اولى مواقع تخييمهم الاربعة في الثلاثين من اغسطس، وقد صادفهم الحظ من البداية بأن كان المكان غنيا بالمستحثات.بعد وصولهم بوقت قصير جدا، صاح ديفيد بلاكبيرن، وهو طالب من جامعة شيكاغو قائلا انه وجد «العمود الفقري»، فأثناء حفره حول جمجمة ضخمة لهذا الحيوان، اكتشف سلسلة من الفقرات العظمية مغروسة في ترسبات احد الانهار قبل حوالي 110 ملايين سنة. واقبل هو واعضاء آخرون من البعثة التي يبلغ تعدادها 16 فردا، ورغم الحرارة الحارقة على استخراج عظام الهيكل العظمي لسوبر كروك المحفوظة بشكل جيد. قال هانزلارسون، عالم المستحاثات، ممازحا انها «درع رائعه» بينما كان يتفحص كومة من الصفائح العظمية التي يبلغ طول الواحدة منها قدما وتبدو مثل قرميد الاسطح. ولابد ان هذه الصفائح كانت توفر درعا لايمكن اختراقها فوق رقبة وظهر وذيل «سوبر كروك» وعلى امتداد فترة تطورها، فان جميع التماسيح كانت تتمتع بهذا الدرع. اما الشيء الذي لا مثيل له حقا، فهو جمجمة سوبر كروك. اكثر من مئة سن تبرز من فكين ضيقين لابد وانهما ماهرين في اصطياد السمك. وبخلاف اي تمساح آخر حي او منقرض، فان جمجمة سوبر كروك تتسع مع الاقتراب من المقدمة المزودة بصف مميت من الاسنان القاطعة الطويلة. وهذه الاسنان الضخمة الطاحنة للعظام توحي بان سوبر كروك كان بمقدوره ان يلتهم فريسة اكثر ضخامة من السمك بكثير. والطرف المنتفخ من الخطم يحتوي على تجويف هائل تحت المنخرين، مما يعني ان هذا التمساح ربما كانت لديه حاسة شم قوية.ويبرز محجر العينين باتجاه الاعلى من اجل مسح طرف النهر اثناء غطسه في الماء، وبالتالي، فان جمجمة سوبر كروك تشبه الهجين بين الجمجمة المستطيلة النحيفة التي للتمساح الهندي المعروف باسم «غريال» آكل السمك والجمجمة الغليظة لتمساح النيل المتعطش للدماء. لقد جمعت البعثة من العظام والفقرات والصفائح العظمية والاجزاء المتناثرة ما يكفي لتكوين 50% من الهيكل العظمي لسوبر كروك، وهو ما يكفي لعمل نموذج بالحجم الطبيعي، وبعد قياس العظام ومقارنتها بعظام التماسيح المعاصرة، قدر العلماء في البعثة ان التمساح البالغ من نوع «سوبر كروك» كان ينمو الى طول 40 قدما، ويزن قرابة عشرة اطنان، ومن بين اضخم التماسيح التي عاشت على الارض، فان سوبر كروك نما من فرع جانبي لشجرة العائلة التمساحية وبشكل مستقل عن ذلك الفرع الذي يقود الى التماسيح المعاصرة. تمثل التماسيح القزمة التي اكتشفها الفريق الى جوار سوبر كروك نسلا آخر ظهر واندثر والانقراض ترك اثره على الاكبر والاصغر في عائلة التماسيح، الا انه وبخلاف الديناصورات فان التماسيح اليوم تشبه كثيرا الهيئة التي كانت عليها قبل اكثر من مئة مليون عام، فهي بارعة في نصب الكمائن للفرائس وتعتبر احد اكثر الحيوانات المعمرة على الارض. ضرار عمير