تحت المياه المدارية الصافية في جزر المالديف، توشك احدى العمليات التي تنم عن الدهاء على الحدوث. فما ان تظهر سمكة شيطان البحر سابحة على طول تعرجات صخور المرجان، حتى تبدأ فورة من النشاط حولها، عشرات الأسماك الصغيرة تبدأ بالاندفاع نحو فمها من دون خوف أو وجل، عاقدة العزم على القيام بعملها. وفي هذا اليوم تعتبر سمكة شيطان البحر زبونها وهي مشغولة بمهمة التزيين الموكلة اليها. وبالمقابل، ستتغذى هذه الاسماك على الطفيليات الدقيقة التي تلتقطها من جسم تلك السمكة وفمها. تقوم سمكة شيطان البحر الكبيرة والرشيقة بالاصطفاف في الطابور قريبا من «محطات التنظيف» هذه قبل ان تقف في المكان المحدد، وتترك فمها مفتوحا لتجذب اهتمام المساعدين الصغار. إن هذا المنظر والعديد مثله يشكل واحدا من أكثر الجوانب اثارة في المجتمع الخاص بالحيود المرجانية. وهذا النوع من العلاقة الراسخ في المملكتين الحيوانية والنباتية، يدعى بالتكافل. وتحوي محيطات العالم الكثير من الأمثلة الساحرة على هذه الشراكات التي تتكون بين الاصناف المختلفة من الأسماك أو بين نوع من السمك وحيوان لا فقاري. تتمتع السمكة المنظفة بأنماط خاصة للخطوط على جسمها وعروض رقص محددة تصنفها كأسماك منظفة. وتدخل الاسماك الكبيرة في حالة أشبه ما تكون بالغيبوبة، وتسمح لعمّال التنظيف هؤلاء بالوصول بحرية الى الاجزاء الخارجية والداخلية من أجسامها. كل نوع من الاسماك المنظفة يحتفظ بمنطقة نفوذه الخاصة، ولأن الاسماك الكبيرة شوهدت وهي تنتظر صابرة دورها لنيل عناية خاصة، فإن النشاط هذا كان يقارن في أغلب الاحيان مع عمل الحلاق. يسعى ريتشارد داوكنز في كتابه «المورّثة الأنانية» الى تفسير السبب الذي يجعل الحيوانات والنباتات تتطور لتكون على الشاكلة التي هي عليها من حيث «بيولوجية الأنانية والغيرية». ففي فصل مهم من كتابه حول هذا الموضوع يصف داوكنز التفاعلات الخاصة بالسمكة المنظفة كتلك التي وضعت سابقا، حيث يقول: «يعرف عن حوالي 50 نوعاً من بينها الاسماك الصغيرة والروبيان، انها تكسب عيشها من التقاط الطفيليات عن سطح أسماك أكبر من أنواع أخرى. وفي حين يستخدم مصطلح التكافل غالبا بشكل مترادف مع مصطلح تبادل المنفعة (حيث ينجم عن التفاعل منفعة متبادلة) فإنه ينطبق عمليا على علاقات ارتباط اخرى. وكلمة تكافل بالانجليزية مشتقة من كلمة يونانية تعني «العيش معاً». وأي علاقة بين نوعين من الحيوانات هي علاقة تكافل، وتتضمن تفاعلات ايجابية وسلبية. وهذه تشمل نوعين آخرين من التفاعل يعرفان بـ «المعايشة» و«التطفل». ليس من السهل دائما تصنيف هذه العلاقات البحرية. وقد لا يكون واضحا ما الذي سيجنيه أحد طرفي المعادلة، خاصة وان المنفعة ليس بالضرورة ان تكون فورية. وبالمثل فإن أي ضرر لأحد الشركاء في هذه العلاقة قد لا يكون واضحا في البداية. غير ان العلماء يميلون الى الاجماع على شيء واحد، وهو انه كلما درسنا هذه التفاعلات عن كثب، اقتربنا من فهم دوافع المملكة الحيوانية وتأثيرها على التطور. إن التفاعلات التعاونية التي يكسب فيها النوعان تعتبر شائعة تماما في مجتمع الحيد المرجاني. وغالبا ما يكون لدى أفراد الانواع المختلفة الكثير مما يقدمه الواحد منها للآخر لأنها تستطيع ان تجلب «مهارات» مختلفة لعلاقة الشراكة. وأحد الامثلة الرائعة على ذلك يتمثل في التفاهم المتبادل بين الثنائي غريب المظهر المؤلف من الروبيان وسمكة القوبيون. فالروبيان يقضي معظم وقته في بيته، ويعمل جاهدا لبناء وصيانة الحفرة التي يعيش فيها الاثنان. وتكافأ جهوده بمصدر غذائي من سمكة القوبيون، وهي سمكة ذات زعانف شوكية وكسول بعض الشيء تقوم ايضا بأعمال الحراسة من الخارج، وتحذّر الروبيان من الخطر المقترب، بينما يكون منهمكا في عمله. والمعايشة هي علاقة تفاعل بين نوعين من الحيوانات أو النباتات يعيشان معا بشكل اعتيادي، ويستفيد فيها أحد النوعين من العلاقة، بينما لا يتأثر الآخر كثيرا بتلك العلاقة. وتشمل العديد من هذه الأنواع من التفاعلات شقائق البحر، وهي حيوانات بحرية زاهية الألوان تشبه الأزهار. وشقائق البحر المرتبطة بالمرجان بشكل وثيق والتي لا تملك هيكلا عظميا موجودة في كل مكان من المحيطات و في جميع الأعماق، ولكنها وافرة العدد بشكل خاص في المياه الساحلية. وتستخدمها طائفة من المخلوقات، من بينها السلطعونات والسمكة المهرج لحمايتها من مفترسيها الطبيعيين الذين يبقون بعيدين بفعل حلقة المجسات حول فم شقيقة البحر. وفي دورها كنوع من الملاذ، يبدو ان المضيف لا يستفيد أو يخسر أي شيء من تلك العلاقة. ويعتبر التمويه كذلك أحد الدوافع الرئيسية للتفاعل تحت الماء، فالسمكة البوقية تزامن سباحتها مع السمكة الملائكي الذي يشبهها في اللون لكي لا يتم التعرف عليها بسهولة من قبل المفترسين. أما التطفل فهو علاقة يعيش فيها أحد الكائنات الحية (المتطفل) على جسم كائن آخر (المضيف) أو في داخله، حيث يحصل منه على المواد الغذائية اللازمة له. بعض الطفيليات يتسبب بضرر بسيط نسبيا لمضيفها، لكن العديد منها يسبب أمراضا مميزة. غير ان هذه الأمراض لا تكون قاتلة على الفور لأن قتل المضيف سيقضي على مصدر الغذاء للحيوان الطفيلي. وحيوان شقيق البحر المستوطن يمكن ان يكون عدوا قاتلا للمرجان. ففي بعض الحالات يمكن ان يغطى المرجان حتى يصبح من الصعب تحديد المكان الذي ينتهي عنده أحد الأنواع ويبدأ النوع الآخر. وفي النهاية يصبح المرجان غير قادر على التنفس فيقضي عليه. والمحار ايضا يمكن ان يكون ضارا بالمرجان. وتقوم قواقع البحر بتثبيت امتداد أشبه بالجذع بكأس المرجان الذي يشبه الزهرة ويلتهمه من الداخل. ثم يقوم حلزون المرجان بوضع بيوضه في الكأس مستخدما المرجان الميت للحماية، قبل ان ينتقل الى «الزهرة» التالية. ضرار عمير


