كان جاك انكوتيل، مؤلف هذا الكتاب، عامل نسيج قبل ان يصبح كاتباً عن «النسيج» بشكل خاص. لقد قدّم أكثر من عشرين عملاً حول ميدان اهتمامه حمل اولها عنوان «اليد والآلة» تبعه آخر تحت عنوان «النسيج» ثم تتالت الأعمال حول «الحرف في افريقيا»، وعلى رأسها بالطبع «حرفة النسيج» اذ كتب عن «الحرف في السنغال» ثم في «مالي» وعدد من الدول الافريقية الأخرى. وله كتاب معروف يحمل عنوان «النسج في الأمس واليوم». هذا الكتاب «طرق الصوف» هو الأخير من ثلاثية كان المؤلف قد بدأها بـ «طرق الحرير»، ثم «طرق القطن».. لقد اهتم الكثيرون بطرق الحرير خاصة بسبب ما رافقها من حكايات واكتشافات.. لكن «جاك انكوتيل» يعيد في هذا الكتاب للصوف اعتباره على اساس انه كانت له مكانته المتميزة منذ البدايات الاولى للمسيرة الانسانية.. وذلك على اساس انه مثّل مادة مفيدة وذات قيمة اقتصادية ولها جماليتها، هذا فضلاً عن النظر لها احياناً ببعض «التقديس». وبكل الحالات كان لها موقعها في «المغامرة الانسانية» على مرّ العصور والقرون منذ ان بدأ البشر بنسج ما يقيهم من عوامل الطبيعة الخارجية من برد وحرّ وسواهما او ما يغطي ما لا يريدون كشفه للآخرين. ان المؤلف يرسم قبل اي شيء آخر «طرق الصوف» عبر الزمن والحضارات اذ ان هذه المادة ارتبطت من حيث استخداماتها بتطور المسيرة الانسانية منذ عصر الترحال وحتى عهد الانترنت. لقد عرفتها المشاغل اليدوية الملكية كما استخدمتها مصانع الثورة الصناعية.. وهي أيضاً المادة التي دخلت في نسيج الكثير من الرموز الثقافية لمختلف الحضارات مثل الجلباب والقفطان والكوفية والسجاد.. ثم انها المادة الاساسية لملابس الكشمير الفاخرة التي تصنعها بيوت ازياء ديور وايف سان لوران وغيرها. تجدر الاشارة هنا الى ان هذا الكتاب ليس عملية جرد لاستخدامات الصوف، بل إن المؤلف يحاول ان يبين آليات الدور الثقافي والحضاري والتقني الذي لعبه الصوف في مختلف التجارب الانسانية. ذلك ان «الصوف يدفعنا نحو اصولنا» ويشرح تاريخنا كما يستهل المؤلف كتابه. وينطلق المؤلف في تحليلاته من اعتبار الصوف بمثابة «حامل للثقافات فصادفه في الملتقيات الكبرى للحضارات» وقد كان من الوظائف الاولى المرتبطة بالانسجة الصوفية الوقاية من تقلبات المناخ، ولكن بالوقت نفسه «التعبير عن هوية الفرد وهوية المجموعة ايضاً». وكان البشر قد بدأوا أولاً «بارتداء» جلود الحيوانات ثم قاموا تدريجياً، وبواسطة ادوات بدائية من حجارة وعظام لحياكة انسجة تحميهم مما شكل «قفزة عقلية» لا يتردد المؤلف في رؤيتها ضمن سياقها التاريخي بأنها تعادل «اختراع الكتابة» بالنسبة للعصور الحديثة. ويعتبر المؤلف ان اول الانسجة الصوفية التي تمّ اكتشافها هي عبارة عن قطعة من «سجّادة» في قبر ملكي بمنطقة «دوراك» بالقرب من شواطيء بحر «مرمرة». ويعود تاريخها، حسب التقديرات المقدمة، الى حوالي 2500 سنة قبل الميلاد، ويشير المؤلف ضمن هذا الاطار الى قطع صوفية نسيجية كان قد تمّ اكتشافها من قبل علماء الآثار الروسي عام 1949 في الصحراء السيبيرية، وهي ايضا من الأكثر قدماً في التاريخ.. وحيث ان الثلوج حافظت عليها من التلف لقرون طويلة. كذلك يذكر المؤلف ايضاً «سجادات اسطورية» قيل ان الملك الساساني «خسرو الاول» كان يمتلك واحدة منها وتصفها بعض الشهادات بأنها كانت الأكثر بهاء في الشرق كله.. لكن هذه السجادات كلها قد اختفت الان. وفي سياق البحث عن تاريخية الصوف يتحدث مؤلف هذا الكتاب عمّن يسميهم بـ «النسّاجين السومريين» الذين كانت المواشي تلعب دوراً مركزياً في حياتهم اليومية وحيث كانت عملية التدجين قد بدأت في منطقة ما بين النهرين اثناء بدايات الحضارة السومرية ومع ظهور الزراعة.. ثم جاء اختراع «المغزل» الذي غيّر من المعطيات القائمة كلها، اذ لولا وجود هذه الاداة «الصناعية» لما كان للنسيج نفسه اي وجود. هذا وقد كشفت الحفريات الاثرية عن وجود «ورش غزل» تعود الى حوالي ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد شهدتها حقبة السومريين وحيث دلّت بعض الاواني الفخارية المكتشفة على ان مهنة النسج كانت مرتبطة بالمرأة بالدرجة الاولى... بل وبقيت هذه المهنة محصورة لفترة طويلة بالنساء «العبدات» اللواتي عرف عنهن انهن «نسّاجات» بارعات ولذلك كان «ثمن» الواحدة منهن يعادل ثمن «ثور». ان المؤلف يدرس في هذا السياق عدداً من «المعروضات» التي تحتويها المتاحف الاوروبية اليوم وخاصة في باريس ولندن، والتي تمثل اعمال النسج وادواته العائدة الى حضارات بلاد ما بين النهرين القديمة وخاصة في «اور». وكذلك تشير بعض النصوص المكتشفة الى ان شعباً قدم من منطقة القوقاز منذ حوالي ثلاثة الاف سنة قبل الميلاد للاستقرار في منطقة «الاناضول» الوسطى، كان يعرف باسم «شعب الصوف» كما تدل «الالواح الآشورية القديمة» وحيث كانت «اغلبية نسائه يعملن في الغزل والنسج». وقد كانت عمليات التبادل التجاري تتم آنذاك على اساس «المقايضة»، رغم وجود عملة فضية متداولة. هكذا كانت تتم عملية مبادلة ثوب مصنوع من الصوف مقابل حصان لجر العربات.. مما يوضح القيمة الكبيرة للثياب انذاك. وانطلاقاً من هنا يرى المؤلف ان «طرق الصوف»، طرق الاجداد الرحّل، قد غذّت المغامرات الامبريالية الاولى، كما كان لها اثرها في العلاقات السياسية والتجارية والعقائدية مع الشعوب المجاورة مثل الفينيقيين والمصريين. ويركز المؤلف في تحليلاته على عمق ارتباط «النسيج» بكثير من مظاهر الحياة في الحضارات القديمة. وكان «هوميروس» اب الادب الاغريقي القديم، قد تحدث في «الالياذة» عن الاعمال النسيجية التي كانت النسوة يلجأن اليها، وأفضل مثال على هذا القصة المعروفة عن «بنلوبي» التي امضت سنوات عديدة من حياتها وهي تنتظر عودة «اوليس» رجلها الذي ذهب للحرب، حيث انها كانت قد قبلت ان تختار رجلاً آخر عندما تنهي ما كانت تنسجه، لكنها كانت تكر ـ تفك ـ في الليل ما كانت قد نسجته في النهار. لكن اهمية النسيج كانت استثنائية بالنسبة للرحّل، حيث انه كان يستجيب ولا يزال يستجيب بالنسبة للقبائل النادرة التي لاتزال تعتمد الترحال كنمط لحياتها ـ لمستلزمات واحتياجات «عملية وجمالية وثقافية»، فمنه يتم صنع الخيام ويغطي ارضها ويفصل بين اقسامها ويؤمن وظيفة الديكور.. الخ.. ومن الميزات الكبرى التي يؤمنها النسيج للرحّل سهولة نقله على ظهر الجمال او الحمير او غيرها ومن خلال الترحال والانتقال وصلت بعض القطع المنسوجة «سجّادات وغيرها» الى الغرب حيث يقدم المؤلف عدة نماذج من الكتابات التي وصف اصحابها بعض ما وصلهم بأنها «قطع فنية حقيقية». هذا وتشكل عملية التعرض «لانتقال الانسجة» مناسبة للمؤلف كي يناقش على مدى صفحات عديدة من كتابه ظاهرة الهجرات ذاتها والتي انطلقت الكثيرة منها، من آسيا الصغرى والوسطى بحيث يمكن تقصّي «خارطة» انتقاصها بواسطة آثارها التي ظهرت على مستوى الوان الانسجة الصوفية، وفي مقدمتها ما يتعلق بميدان صناعة السجّاد، هكذا يتحدث عن «هجرات الاكراد» الذين وزعتهم الحروب بين اربعة بلدان، وعن هجرات «التركمان» وخاصة بين مختلف مناطق اسيا الوسطى، لكن وفي الحالتين، التركية والتركمانية، تسود حالة من النزاعات الاثنية والدينية والسياسية.. وفي الحالتين ايضاً تشكل صناعة الانسجة الصوفية، وخاصة السجاجيد، مصدر الدخل الأساسي لآلاف الاسر، وذلك منذ عدة قرون.. وحيث ان النساء هن اللواتي يقمن في اغلب الحالات بعملية «النسج». ان الحديث عن «صناعة» الصوف في آسيا الوسطى والصغرى، لابد وان يقود الى التعرض لـ «البختياريين» الذين يعيشون متنقلين بين الجبال ويتركز وجودهم في جبال زغروس بايران، واشتهروا خاصة ببيع الاصواف والمنسوجات الصوفية للمناطق المجاورة. ويتم ضمن الاطار نفسه الحديث عن الانسجة الصوفية التي انتجها البدو تاريخياً في المناطق الصحراوية وفي المدن التي كانت بمثابة مواقع مزدهرة للتجارة عبر القوافل حيث يقدم المؤلف مثالي مدينتي «تدمر» و«البتراء». ومن شعاب الصحراء الى شواطيء نهر النيل حيث يبدو ان مصر هي احد البلدان النادرة في العالم ـ الى جانب البيرو في امريكا اللاتينية ـ التي احتفظت في قبورها بقطع نسيجية لم يصبها التلف تقريباً، مما يشكل احد المصادر الاساسية لدراسة «تاريخية» الانسجة ومسار تطور انتاجها.. وبالتالي دراسة المجتمعات المعنية بها. ويعتبر المؤلف ضمن هذا السياق ان «المصابغ العربية» كانت في أصل فن «تلوين» الاقمشة. ان المؤلف يكرس قسماً مهماً من كتابه للحديث عما اسماه بـ «طرق الصوف الاوروبية وطرق العالم الجديد» مع التركيز بشكل خاص على «الطرق الفرنسية».. هذا ورغم «عملية» البحث فإن تاريخ «طرق الصوف» وجغرافيتها واقتصادها وما تحمله من رموز وقيم جمالية لما تنتجه وتمثله، انما هو بحث في تاريخ العالم. كتاب ـ دعوة لرحلة في قلب ثقافات الشعوب