ادوارد كوللو هو طبيب نفساني.. ويدير منذ عام 1992 وحدة العلاج بالتنويم في معهد «بول سيكادون» بباريس والمسئول الطبي عن المعهد الفرنسي للتنويم المغناطيسي، ساهم في عدة كتب جماعية من بينها، التنويم المغناطيسي واللغة والتواصل. ودانييل كونت هو فيزيائي فلكي في المعهد القومي الفرنسي للبحث العلمي بباريس، وهو أحد مؤسسي مؤسسة «ليل النجوم» كما ساهم في الكتابة بباب «الكلمات القادمة من النجوم» وبعدة مشاريع اعلامية مثل «آذان النجوم» و«البروج الكونية»... طبيب نفساني وفيزيائي فلكي يجتمعان معا لمحاولة تقديم اجابة عن سؤال طرحاه في عنوان كتابهما: «هل التنجيم علم أم عرافة؟». ومهما تكن الاجابة، فإنه قد يبدو من الغرابة بمثار للدهشة الاولى طرح مثل هذا السؤال في مجتمع غربي عقلاني يقوم بالدرجة الاولى على المباديء الديكارتية.. لكن مثل هذه الغرابة لابد وان تضمحل وتزول عندما نعرف ان الغالبية العظمى من رجال السياسة في أوروبا وحتى على مستوى القمة تعودوا ان يترددوا على المنجمين كي يتبينوا بشكل اكثر وضوحا ماذا تخبيء لهم النجوم.. وقد كان الحديث قد شاع وتردد في العديد من وسائل الاعلام حول استشارة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران لـ «قارئة كف» مرات عديدة في حياته.. ومن المعروف ان العاصمة الفرنسية باريس تشهد كل عام وبشكل دوري محدد تنظيم اسبوع التنجيم الذي يشهده عشرات الآلاف من الفرنسيين حيث ينفقون مبالغ كبيرة لكل فئات المنجمين من «قراءة الكف» و«الودع» و«الورق» و«الحظ» و«الفنجان».. الخ ومن المألوف هنا ايضا ان تحتوي الصحف المحلية صحف الاحياء والاعلانات صفحات كاملة لـ «منجمين» افارقة في الاغلب يعلنون على حل جميع المشاكل المالية والصحية والعاطفية... والدفع عند ظهور النتائج باستثناء قيمة المعاينة التي قد تكون عبر الهاتف. ان مؤلفي هذا الكتاب يبدآن كتابهما بتقديم ملخص لجلسة كانا قد قاما بها مع «عرافة» شهيرة ولا يتردد «دانييل كونت» احد المؤلفين، ورغم المشرب العلمي الدقيق الذي يختص به في القول ان الانسحار وقد فعل فعله بسرعة، بل ويؤكد المؤلفان كلاهما ان ذلك اللقاء قد ساعدهما كثيرا في رسم هيكلية كتابهما في منظور تقديم تحليل نقدي لما هو شائع حول التنجيم. هكذا ينطلق عملهما من تجربة ملموسة ولعل هذا يمثل احد المميزات الاساسية لهذا الكتاب، إذ لا يمكن ولا ينبغي الخوض في ميدان التنجيم من فكر نظري مجرد مما قد يكون بمثابة «تنجيم حول التنجيم» اذ من الصعب جدا تشكيل هيكلية للدراسة على اساس تفاسير وافتراضات تجدر الاشارة هنا الى ان المؤلفين قد ختما كتابهما بملحقين احتويا على محظرين حرفيين للقائهما كل منهما على انفراد، مع العرافة التي اشرنا لها فيما سبق. ويبدو من خلال التجربة التي عاشها المؤلفان والتحليلات النقدية التي قدمها حولها ان التنجيم يفتح بابا على «عالم الوعي الغريب» انه عالم يتواجه فيه «الواقع الموضوع» مع «الواقع الذاتي» ولكن مثل هذه المواجهة لابد وأن تطرح اسئلة جوهرية تتعلق بـ «طبيعة العلاقة بين هذين الواقعين؟ ومدى انفصالهما او اتصالهما؟ بكل الاحوال ان اي فهم «للتنجيم» لابد وأن ينطلق من معايشته واقعيا ولو مرة واحدة. ذلك ان هذا المشرب الذي ينتمي الى عالم العرافة تقليديا يطمح الى الربط بين «مصير البشر ومصير النجوم». لكن ما هو التنجيم؟ سؤال يطرحه المؤلفان ويبدآن في محاولة للاجابة عنه وتقديم بعض المعطيات التاريخية.. ويعيدان اصوله الى العالم القديم حيث ان «الرغبة والخوف» شجعا نمو فكر سحري شكل الاساس في العديد من الحضارات القديمة التي حاولت الربط بين «الموضوعية والذاتية، وبين «المصير الانساني» وبين «مراتبة العالم والمجرات» وقد أدت هذه الملاحظة الى الوصول لنتيجة مؤداها ان هناك نوعا من التناظر بين حركة الاجرام في السماء وبين احداث تشهدها الارض، مثل علاقة مسيرة القمر بالمد والجزر.. وعلى اساس مثل هذه الملاحظة تكون وتنامي التفكير حول وجود علاقة اخرى، عبر القياس، بين النجوم السيارة التي لا تحصى وبين سكان الارض. ويؤكد المؤلفان ضمن هذا السياق ان حضارات بلاد ما بين النهرين كانت هي الاولى التي «بحثت عن تفسير التناظر بين الاحداث السماوية والاحداث الارضية» ولقد اهتم ابناء هذه الحضارات بحركة النجوم من اجل هدف مزدوج هو ايجاد تقويم زمني «من جهة» و«محاولة الربط بين مصائر البشر والنجوم» من جهة اخرى. وبالطبع لم يكن لديهم، كما يتفق مختلف الباحثين والمؤرخين، اي تمييز آنذاك بين «التنجيم» و«علوم الفلك» لكن «ملاحظاتهم» للظواهر المتكررة في الطبيعة المحيطة والفضاء سمحت لهم بتنظيم جداول للتنبؤ بحركة الشمس والقمر وحساب فترات الخسوف والكسوف.. لقد كان هناك نوع من «التواطؤ» بين «علم الفلك» و«التنجيم» ثم جاء اليونانيون والرومانيون ليعطوا هذه الظواهر بعدا عقائديا وكذلك فعل الهنود وبعدهم الصينيون الذين اعطوا للتنجيم بعدا مختلفا عبر اعتماد ومبدأ التكامل بين السماء والارض الـ «ين» والـ «يانغ» .. والتكامل يعني «التضامن». واذا كان الفضل باختراع اول منظار يعود لحضارات ما بين النهرين «في بابل» فإن اليونانيين القدامى هم حسب رأي المؤلفين الذين اسسوا خاصة مع فيثاغورس لمفهوم دوام حركة الكون وتناسقه على اساس علوم الرياضيات ثم جاء بطليموس ليضع بعض المباديء الاولى لـ «علم الفلك» في احد كتبه ولكن ليؤكد في الوقت نفسه اهمية التنجيم في كتاب آخر. لماذا إذن كتابين؟ يقول المؤلفان: «ربما انه اراد ان يميز بين علم الفلك كعلم دقيق اعتبره قد اكتمل عمليا وبين التنجيم الذي يحتوي على عدد من المعطيات غير المثبتة ومن الصعوبات». ويشير المؤلفان الى ان العرب هم الذين قاموا بترجمة كتب التنجيم وعلوم الفلك اليونانية القديمة واضافوا لها طرقا رياضية اكثر اتفاقا واكتمالا خلال العصور الوسطى واخترعوا «الاسطرلاب» الذي سمح بمعرفة اكثر دقة لموقع النجوم.. لقد تقدم علم الفلك بينما خبا اكثر فأكثر التنجيم اي بمعنى آخر ساهم العرب كثيرا في عقلنة؟! البحوث المتعلقة بحركات النجوم. لكن التنجيم عاد من جديد للبروز في اوروبا اعتبارا من القرن السادس عشر بحيث اصبحت تتم استشارة النجوم قبل القيام بأي عمل مهم، ليستمر حضوره بقوة حتى الفترة الراهنة. وفي مجال البحث بين التنجيم والعلم يخلص المؤلفان الى القول انه من الصعب النظر الى التنجيم كـ «علم»؟ وذلك بمعنى «العلوم الدقيقة» اليوم اذ انه يقوم على علاقة «مفترضة» بين الانسان والكون وينبغي لمثل هذا الافتراض ان يؤدي الى قيام سلسلة من علاقات السبب والنتيجة لكن الواقع لم يبرهن على مثل هذه العلاقات وبقي التفسير التنجيمي محدودا تقليديا بمجال المماثلة والرمز اللذين لا ترى بهما علوم الطبيعة سوى مشربين ذاتيين وبالتالي لا يندرجان في اطار اختصاصها، كما ان التنجيم لا يصمد ايضا امام مناهج البحث التي تعتمدها العلوم الانسانية التي ازدهرت منذ القرن الثامن عشر على قاعدة المباديء الفلسفية الوضعية والطبيعية ولذلك رفضت التنجيم باعتباره نشاطا ظلاميا.. وهذا ما دلت عليه مثلا تعريفات ديدرو له في موسوعته الشهيرة لكن هذا لم يمنع من القول ان التنجيم يخص عدة ظواهر تستحق التأمل بها مليا. ثم هناك مسائل يبدو انها لا تخضع لـ «العقلنة العلمية» الصرفة مثل اسرار انجذاب فردين لبعضهما البعض او تفسير فعالية ما يسمى بالحدس وآليات تزامن بعض الظواهر ما يمكن قوله ويؤكد عليه مؤلف هذا الكتاب هو ان العديد من هذه المسائل تتجاوز حقل العلوم التجريبية حتى الآن حيث انه لا يمكن تحويل شعور ذاتي الى معطى موضوعي،، ومن الصعب قبول تزامن وتوافق الكثير من الاحداث على اساس الصدفة فقط، لا سيما اذا ترددت وتكدست حسب نفس المنطق والمنظومة. والحل؟ يقول المؤلفان في آخر مجلة بكتابهما هذا: «حل نستطيع ذات يوم ان نفهم بشكل افضل هذا النظام؟ وبأي ثمن؟ واذا كان مثل هذا الفهم يتطلب بالضرورة اعادة التفكير بما هو خاضع للفكر وبما هو غير خاضع للفكر واذا كان ذلك يتطلب اعادة صياغة قدرتنا على الفهم فإن الوقت قد حان من اجل الشروع بهذه الورشة الهائلة. وقل لي ما هو برجك.. أقل لك من انت وما هو اصلك وفصلك. لكن لقد «كذب المنجمون ولو صدفوا»