وليام ريمون هو صحفي، جعل من التحقيقات والاستتقصاءات مجال عمله المفضل، قدم العديد من الكتب التي نال بعضها شهرة كبيرة لا سيما «جون كندي» ،«تشريح جريمة»، «ودومينيشي ليس مذنباً»، و«القبض على المجرمين»، له ايضا عدة روايات من بينها «احمر بنفسجي». «المافيا» شركة مغفلة «اسرار الجريمة المنظمة» كتاب يدل عنوانه بوضوح على مضمونه او بالاحرى على موضوعه، وقد اختار المؤلف ان يستهل عمله بجملة للقاضي الايطالي الشهير، الذي قتلته المافيات الصقلية، جيوفاني فالكوني، قال فيها: «يمكن ان ننظر بقليل من الجدية الى اولئك الذين يقولون: اننا لانعرف شيئا عن المافيات، هذا على الرغم من الكم الكبير من المعطيات التي تتوفر امام عيوننا. لقد قيل الكثير عن نهاية عصر المافيات، وبأن «العرابين» قد ماتوا ولم يبق منهم سوى الافلام السينمائية الهوليودية التي تحكي قصصهم، ايضا لم يبق من العراب الشهير «دوت كورليون» الا صوته المبحوح وصورة «مارلون براندو» الذي مثل دوره في الفيلم الشهير «العراب» هذا القول عن زمن المافيات قد ولى وانقضى لا اساس له من الصحة، كما يؤكد مؤلف هذا الكتاب، اذ ان «الجريمة المنظمة لم تكن في اية فترة من تاريخها اكثر قوة وفاعلية وحضورا اكثر مما هي اليوم» ثم ان مؤلف هذا الكتاب يقارن بكثير من الدقة والتوثيق بين آليات تطور المافيات وتطور الشركات متعددة الجنسيات فـ «المافيات تعيش هي الاخرى على ايقاع العولمة» كما ان المافيات قد زادت من حد اختصاصاتها، فبعد ان كانت تهتم خاصة بتجارة المخدرات والدعارة ثم الرشاوى، اصبحت الان فاعلة في ميادين تبييض الاموال والارهاب والتهديدات الثورية وتجارة الاعضاء البشرية بل وعمليات الاحتيال عبر شبكات الانترنت. كذلك عززت المافيات روابطها الجغرافية و «السياسية» بحيث انها لم تعد بعيدة عن القرارات السياسية الدولية وعالم الاستخبارات وكبار مراكز التمويل العالمية من الكرملين وحتى البيت الابيض ومرورا بباريس ونيويورك وباليرمو ومونتريال ولندن وبرلين وبروكسل وكابول وغيرها، وربما ان هذا الكتاب يغوص للمرة الاولى في كواليس ودهاليز القرية الكونية من اجل الكشف عن جزء كبير من آليات عمل «الجريمة المنظمة» واليوم وبالأمس ايضا، وذلك عبر الاعتماد على كم كبير من الوثائق والاراشيف التي يتم استخدامها للمرة الاولى، وكذلك عبر تقديم شهادات عديدة لقضاة ورجال شرطة وضحايا، كانوا جميعهم، ومن مواقع مختلفة على علاقة بالعالم السري للمافيات، وإذا كانت المعلومات المقدمة هي واقعية وموثقة فإن المؤلف قد عمد الى تغيير اسماء بعض الشخصيات المعنية لاسباب واضحة، لاسيما وان بعض الاحداث والقضايا لاتزال جارية. ما يفصح عنه هذا الكتاب هو ان الصورة القديمة للمنظمات المافيوزية قد تغيرت كثيرا، ولم يعد عالمها مرتبطا بالسيارات الفارهة السوداء في اغلب الاحيان وبالحسناوات الجميلات الشقراوات خاصة وبـ «العراب» الذي خرج من باليرمو في صقلية بجنوب ايطاليا ليعلن تمرده على اية سلطة مركزية تريد ان تقترب من «مملكته» لكن هذا كله لا يعني ابدا بأن عصر «الجريمة المنظمة» قد تضاءلت قوته واضمحل، ومن الواضح ان المؤلف يستخدم تعبير «المافيات» من اجل تلخيص الجريمة المنظمة بشتى اشكالها وفروعها، وتجدر الاشارة هنا الى ان المؤلف يقدم فصلا كاملا للحديث عن «تاريخية» المافيا او «اهمية الجريمة» التي انطلقت عمليا منذ بدايات القرن العشرين في مدينة باليرمو الايطالية بجزيرة صقلية، ويؤكد المؤلف ضمن هذا السياق على اجتماع شهده فندق «جراند بالم» الضخم في مدينة باليرمو خلال النصف الاول من شهر اكتوبر 1957، وهو الفندق الذي كان الموسيقي الكبير «ريشارد فاجنر» يأتي اليه من أجل استلهام الحانه ومؤلفاته الموسيقية، لقد استمر ذلك الاجتماع «المؤتمر» اربعة ايام بمبادرة من الوسيانو «عراب مجموعة كوزا نوسترا» المافيوزية الامريكية الذي كان قد تم نفيه قسرا الى نابولي، وكان هدف اللقاء هو «الشروع بتعاون فعال بين المافيات الصقلية وابناء عمومتها في العالم الجديد»، وذلك بعدان كانت الولايات المتحدة الامريكية قد تبنت منذ شهر يوليو 1956 وبمبادرة من الرئيس الامريكي نفسه ايزنهاور، قوانين صارمة لمكافحة المخدرات. وكان لوسيانو قد بدأ منذ وصوله «منفيا» الى اوروبا عام 1946 باستخدام مصانع صناعة الادوية في شمال ايطاليا من اجل تحويل «الافيون» التركي الى «هيروين» وبحيث سيطرت خمسة اسر نيويوركية على 95% من تجارة المخدرات في الولايات المتحدة، وكان «لوسيانو» قد نجح بتجنيد حوالي خمسة الاف شخص في صقلية كانوا يخضعون لقواعد صارمة حيث كان تطلق عليهم تسمية «الجنود» هذا وكانوا قد اثبتوا فعاليتهم عند سقوط نظام موسوليني، ولذلك كان حلم «لوسيانو» هو استخدام هذه الفعالية من اجل اغراق السوق الامريكية بالهيرويين ومن هنا ايضا تأتي اهمية اجتماع «باليرمو» عام 1957. ان المؤلف وبعد عملية سرد تاريخي مفصل لتاريخ المافيا وتطورها وتحولاتها يشرع في تقديم الحجج والبراهين على ان «الجريمة المنظمة» قد شهدت خلال العشرين سنة الاخيرة تحولا استثنائيا كبيرا، لم تستطع اية قوة عالمية كبحه، ويرى المؤلف بأن هذا التبدل لو كان قد جرى ضمن اطار الشرعية فإنه كان يعني تحقيق نجاح لا سابق له، بل انه كان بمثابة ثورة داخل اكبر الامم، والمثال الذي يضربه المؤلف حول الوجه الجديد لـ «الاخطبوط» اي الاسم الذي تم اطلاقه على الجريمة المنظمة لاظهار مدى سيطرتها على المجتمع، هو قضية هاردوز التي يراها الاكثر دلالة وتعبيرا عن الصيغة المافيوزية الجديدة. وكانت مخازن «هارودز» اللندنية الشهيرة قد تعرضت عام 1996 لعملية احتيال بواسطة «بطاقات الاعتماد المصرفية» اذا قام احد مسئولي المخزن بسرقة 1288 ايصالاً لبطاقات بنكية وأيضاً لصور عن عدة ملفات اقتراض، وقد استطاع بمساعدة اخيه اختلاس مايزيد عن مليوني فرنك فرنسي قبل اعتقاله، والحالة الاكثر اثارة ودهشة بين ضحايا عملية الاحتيال كانت حالة ثري بريطاني لم ينتبه الى انه تم اختلاس اكثر من مليون فرنك من حسابه المصرفي بواسطة الماسترد كارد جولد، الذي كان بحوزته. ومنذ فترة اصبحت شبكات الانترنت التي قصرت المسافات وأمنت قدرا نسبيا من السرية، هي الوسيلة المفضلة لدى «الموجة الجديدة من المافيات» التي وضعت في خدمة «مشروعها» لاستخدام الانترنت في عملياتها وسائل وامكانيات كبيرة ليس اقلها اقامة مصنع للتكنولوجيا المتقدمة وتزويده بأفضل الاخصائيين من التقنيين في ماليزيا، وانشاء مركز مجمع المعطيات وتوفير افضل الخبراء له في هونج كونج هذا بالاضافة الى شبكة من المتعاونين العاملين في اضخم واشهر المخازن في العالم؟ وكذلك توفير شبكة هائلة للتوزيع وللمشتريات في اوروبا. ثم ان قضية مخازن هارودز كان لها دلالاتها ايضا من حيث ابراز فعالية تداخل النشاط بين مختلف المافيات عندما يكون الامر يتعلق بالمال والثروات ذلك ان موظفي مخزن «هاردوز» وبالطبع دون علم ادارته. قد اعطوا لعصابة فييتنامية كانت تعيث فسادا في لندن وتقدم بضاعة الوثائق المزورة في كوالالمبور ولهذه المجموعات كلها علاقات مع المافيات الصينية والمافيات الايطالية والروسية. باختصار هذا كله يدل على وجود «اهمية للجريمة المنظمة» كما يدل ايضا على «العجز الكامل لمجتمعاتنا في مواجهة الاشكال الجديدة للجريمة المنظمة» كما يقول المؤلف الذي يؤكد على ان المافيات تملك امتيازا اضافيا هي انها لاتعرف الحدود.. وذلك على عكس الاجهزة المكلفة بمكافحة نشاطاتها، وفي مقدمة هذه الاجهزة «سكوتلانديارد» والـ «انتربول» او اي جهاز اخر للشرطة في العالم. ان «هذا الكتاب» التحقيق حول الجريمة المنظمة الجديدة بمختلف اشكالها انما يكشف وللمرة الاولى الكثير من اسرارها؟ وحيث تبدو قراءته بمثابة رحلة زاخرة بـ «التشويق» وبالرهبة في الوقت نفسه، انه عالم محفوف بالمخاطر ولايعترف واقعيا بأية حدود بين ماهو مشروع ويؤدي ولوجه الى طرح تساؤلات حول «الجريمة المنظمة» وعما اذا كانت قد ا صبحت في «عهد العولمة» اول مؤسسة ذات ابعاد كونية؟! وهل نحن حيال اول شركة مغفلة؟! باختصار هل اصبحنا نعيش في عصر المافيات؟ وهي التي كان قد قال عنها ذات يوم احد مسئوليها سالفاتور كونتورني الذي كان قد قرر تركها والاعتراف بما لديه للقاضي الايطالي، المناهض للمافيا والذي قتلته جيوفاني فالكوني، مايلي: لقد قررت التعاون مع القضاء لان مجموعة كوزانوسترا ـ اسم المافيات الصقلية هي عصابة من الجبناء والقتلة. ويتمثل احد الابعاد الخطيرة التي يوليها مؤلف هذا الكتاب اهتمامه في الوزن الاقتصادي للنشاطات المافيوزية اذ تشير بعض الاحصائيات الى ان سكان العالم ينفقون مبالغ على المخدرات تفوق انفاقهم من اجل شراء الغذاء، واكثر مما هو مخصص للسكن او الملبس او الطبابة او التسلية او التربية، وصناعة المخدرات هي اهم نشاط اقتصادي في العالم حيث ان عائداتها السنوية تفوق خمسمئة مليار دولار امريكي في السنة، ان المؤلف يقدم في هذا السياق عدداً من الاحصائيات الخاصة بالاهمية الاقتصادية التاريخية لزراعة النباتات التي يتم استخراج المخدرات منها والتي تعود الى ازمنة قديمة جدا، حيث كانت نباتات الخشخاش تزرع قبل 3400 سنة من الميلاد في منطقة بلاد مابين النهرين من قبل السومريين الذين اطلقوا على تسميته «نبات الفرح» وحيث عرفت تجارتها ازدهارا كبيرا لدى الاشوريين والبابليين قبل المصريين القدماء، وجلبت الفتوحات الرومانية وفتوحات الاسكندر الاكبر معها عادة استهلاك حبوب الخشخاش، في بلاد فارس والهند، ووصل بعد ذلك الى الصين، ويشير المؤلف ضمن هذه السياق الى ندرة الوثائق الخاصة بانتشار استهلاك هذه المادة في اوروبا، لكن الاوروبيين هم الذين كانوا وراء تحويل الافيون الى هيروين، وقد انتشر استهلاك المخدرات في امريكا اعتبارا من مطلع القرن التاسع عشر، لكن قبل العصور والحالات كان الزبون مستعدا ان يأتي زاحفا ويتضرع من اجل شراء المخدرات، التي تعود عليها. ويعتبر المؤلف بأن سنوات السبعينيات من القرن الماضي قد شهدت منعطفا كبيرا على صعيد الهيروين مما ادى الى «تغيير عميق في طبيعة المافيا الصقيلي ثم ان هذا التغيير قد حصل في حمام من الدم، كما يقول «وليام ريمون» وذلك في اطار محاولة اعادة صياغة عالم الجريمة المنظمة في ايطاليا كما كان يريد لوكي لوسيانو وكانت سنوات السبعينيات قد شهدت ايضا انتاج سياسات في امريكا، في ظل ادارة نيكسون لمكافحة المخدرات، وحيث تمت آنذاك ممارسة ضغوط كبيرة على تركيا باعتبار انها كانت المصدر الرئيسي الاول لتزويد المخابر «الكيميائية» في مدينة مرسيليا الفرنسية وغيرها بمادة المورفين الاساسية، وحيث ابدى الرئيس نيكسون تمنياته بان تقوم الحكومة التركية بمنع زراعة الافيون، ويشير المؤلف في هذا السياق الى انه تم تقديم العديد من الاحصائيات المزيفة في امريكا عن «وعي» بالنسبة لاستهلاك المخدرات، وذلك لغايات انتخابية بحتة. وبالمحصلة يقول المؤلف: كان المستفيد الحقيقي والوحيد لتلك السياسة المناهضة للمخدرات هو الجريمة المنظمة الامريكية «كوزا نوسترا» ولا يتردد المؤلف ايضا بالتشكيك في الدور الذي لعبته اجهزة الاستخبارات الامريكية «سي.اي.آي» في حماية عرابي «المثلث الذهبي» وتقديم «المساعدة التقنية والمادية لهم، بل ووضع اسطول الخطوط الجوية الامريكية في خدمتهم لنقل الافيون، لكنه يؤكد في الوقت نفسه بأن هذه الاجهزة لم تكن هندسة تجارة التهريب انطلاقا من آسيا وانتهاء بالتراب الامريكي، لكنها ساعدت عرابيها لا غراض سياسية واستراتيجية. ان المؤلف يسهب في تحليلاته للدور الكبير الذي لعبته تجارة المخدرات وحيثياتها على صعيد السياسة العالمية عامة والسياسة الامريكية بشكل خاص وحيث ينقل عن و «ليام وبستر» رئيس مكتب التحقيق الفيدرالي الامريكي في اوسط السبعينيات حديثه عن «البعد الدولي للجريمة المنظمة» وتداخلات نشاطاتها مع عدد من المؤسسات البنكية الشهيرة بجديتها مثل «سيتي بنك» في نيويورك وناشيون بنك في ميامي ومؤسسة «شيرسون ـ امريكان اكسبريس» ولكن اعتبارا من عقد التسعينيات الماضي اصبح «الكولومبيون» يسيطرون على 80% من تجارة المخدرات المستهلكة في الولايات المتحدة لقد اصبحوا الفاعلين الاشداء لعولمة الجريمة المنظمة. اما المافيا الروسية ودورها منذ سقوط الاتحاد السوفييتي فتعبر عنها جملة ينقلها المؤلف عن «الكسندر كوناننيجين» الباحث الروسي، وجاء فيها: بعد الشيوعية، اصبح حكم المافيا هوثاني منظومة اجتماعية تقدمها روسيا للانسانية خلال هذا القرن، وتضم المجموعات المافيوزية الروسية ساسة ومجرمين وممولين و..ال، وقد بدأ هؤلاء نشاطهم في بلادهم ثم نقلوها الى امريكا واوروبا والعالم، وهذا ما عبر عنه جيمس مودي، نائب مدير مكتب التحقيقات الامريكي بالقول: ان الروس هم بصدد ان يصبحوا المجموعة المافيوزية الاولى في الولايات المتحدة وهم موجودن في كل مكان، انهم اكثر عددا واكثر ثراء من الاخرين، وكذلك اكثر ذكاء واكثر قسوة من الكولومبيين. هذا وقد كان كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة قد صرح في مدينة باليرمو ـ مسقط رأس المافيا في شهر ديسمبر من عام 2000 قوله: ان الجريمة المنظمة لم تضع وقتها كي تستفيد من عولمة الاقتصاد ومن التكنولوجيات المتقدمة، ثم ان جهودنا من اجل مكافحتها لاتزال حتى الان متفرقة جدا كما ان اسلحتنا هي شبه مهجورة تماما. وبالمحصلة يبدو ان قواعد اقتصاد السوق والليبرالية الجديدة منحت آفاقاً جديدة، لتعاون المنظمات الاجرامية في المعمورة كلها، لاسيما وان استهلاك المخدرات قد ازداد بنسب كبيرة. في الجملة الاخيرة من هذا الكتاب يقول المؤلف: «يوم 11 سبتمبر وعند الساعة الثانية و 45 دقيقة تأرجحت القرية الكونية انطلاقا من نيويورك وعلى شاشات التلفزة في العالم اجمع نحو عصر جديد، هو عصر المافيا «شركة مغفلة». الصفحات الاخيرة من هذا الكتاب مكرسة للحديث عن العلاقة بين المافيات والارهاب حيث يقدم المؤلف في الملحق بعض الوثائق حول هذا الموضوع. فهل دخلنا عصر المافيات؟!!