يحتل اسم الروائي الصومالي نور الدين فرح مكانة مرموقة بين اسماء عدد من اهم كتاب الرواية في القارة الافريقية (منطقة شرق افريقيا) ومنهم تشينوا اتشيبي و «وول سوينكا» و «انجوني وا» وغيرهم. وبالاضافة الى المكانة التي تحتلها اعماله الروائية على مستوى القارة الافريقية فان اعمال فرح الحائز على جائزة ادبية تقديرية بعد جائزة نوبل تحتل مكانة متميزة على المستوى العالمي وقد صدرت له الى الآن ثمانية اعمال روائية مكتوبة باللغة الانجليزية مترجمة الى عدد من اللغات العالمية. في سنة 1979 اصدر نور الدين فرح الجزء الاول من ثلاثية تنويعات على موضوع الديكتاتورية الافريقية التي ينظر اليها باعتبارها احدى اهم انجازات الادب الافريقي الحديث، اما الجزءان الآخران من هذه الثلاثية فيشتملان على روايتي «سردين» و «اقفل ياسمسم» وبعد سنوات من نشره هذه الثلاثية صدرت لفرح ثلاثية اخرى بعنوان «دم في الشمس» نشرت اجزاؤها على التوالي «الخرائط» 1986 «الهدايا» 1992 «اسرار» 1999. في الجزء الاخير من روايته اسرار يستحضر نور الدين فرح في ذهنه حكاية مليئة بالعلاقات المتشابكة الشديدة التعقيد والخيانة والبرامج والمؤامرات السياسية التي تتألف منها الرواية الشخصية للمؤلف وواقع التمزق الذي تعيشه بلاده او كما يقول الحقيقة انها قد عاشته من قبل، فقبل استقلاله في سنة 1960 كان الصومال مسرحا للتنافس بين القوتين السابقتين بريطانيا وايطاليا وفي السبعينيات تحول الى مسرح لمناورات الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي وبعد سقوط نظام الجنرال بري في سنة 1991 تحول الى ساحة للمواجهة بين زعماء القبائل المحلية اباطرة الحرب الاهلية الذين لم يفقدوا الى الآن سيطرتهم على مجريات الحياة السياسية والاجتماعية رغم المقاومة العنيفة لعناصر التقسيم العرقي واللغوي والعقائدي. ولكي يعبر عن موقفه تجاه هذا الوضع يقول نور الدين فرح ان مشروعي كروائي يتأسس في حقيقته على الرغبة في الابقاء على بلدي على قيد الحياة من خلال الكتابة عنه، ولو نظرنا الى الامة الصومالية كأسرة فان مسئولية الخيانة لن تقع على عاتق الاستعمار او على اي طرف خارجي وانما علينا نحن في الداخل الا ان الصومالي وانما يتعدى ذلك الى رسم الطريق المؤدية الى الحفاظ عليه وفي روايته اسرار تظهر الامة مجسدة في الاسرة التي تعاني حياة افرادها من التمزق وبطلها الشاب الصغير يعرف حياته مليئة بالاسرار التي تتعلق بالماضي وبانتمآته العرقية والتاريخية ولذلك فهو لا يتوقف عن سؤال والديه «ماذا يعني اسمي؟» فيعرف في النهاية ان «كالامان» اسم مشتق من صرخة طير كانت قد سمعت في اللحظة التي ولد فيها وعلى الرغم من ذلك يبقى كالامان حائرا لانه لم يقتنع بالاجابة عن سؤاله عن اصل شيء من الاشياء التي لا يعرف ماهو اصلها فيشك في كل ما حوله حتى جده وامه. وبعد سنوات من سؤاله عن اصله يجد كالامان نفسه ممزقا اكثر بفعل الحرب الاهلية وبفعل لقائه مع صديقة طفولته شولونجو العائدة من امريكا والتي ترفضها اسرته لاسباب تتعلق بانتمائها العرقي الاكثر اثارة للجدل وماضيها الملغز الذي ينطوي على اسطورة تقول ان امهاكانت قد تخلت عن تربيتها في الصغر وانها تربت وسط الاسود في الغابة ومهما تكن الخلفية التاريخية للفتاة فان الناس في القرية لا يترددون عن الشك في انها قد تكون ساحرة وبالتالي يشكل وجودها معهم داخل المجتمع مصدرا للازعاج ومما لاشك فيه ان ظهورها المفاجيء في حياة كالامان كان في حد ذاته مخيفا وغامضا. رواية نور الدين فرح كما يقول النقاد تذكرك بأفضل ما كتبه روائيون كبار من امثال جارسيا ماركيز وتشينوا شيبي وغيرهما فهو في اسرار يكتب عملا اقل ما يقال فيه انه ملحمة سحر يستحضر فيها عالما غريباً مزدحماً بالاساطير والحكايات والخيال يعبر عنه بلغة تنسجم مع تركيبته الترابية، عالما يقنعك انه مكان للطقس البدائي والتحريم والعزلة يختلط على هامشه بالكمبيوتر والسيارات والنزعة الغربية الحداثية لا يعرف الآخرون عنه الكثير ولا يكتشفونه الا وقت الازمات، هذا العالم يكتب عنه فرح بلغة لا تقل غرابة ووعيا باختيار مفرداتها التي يبدو وكأنه يصوغها في رموز شفرية تحتوي بداخلها على مقاطعة من احلام وقصص وحكايات وحيوانات طوطمية وواقعية سحرية. وبطل نور الدين فرح كالامان المزدحم تفكيره بصوت العنف والماضي والغموض يبدو شخصية مستهلكة في مشاعره شديد الجهل بماضيه لا وقت عنده للحب يرمز بوضوح للشعب الصومالي بينما ترمز صديقة طفولته شولونجو الى تاريخ الصومال المشوه الذي لايعرف عنه شيئاً ومثل ذلك التاريخ تعيش بين الناس في قريتها الصغيرة لتراود تفكيرهم وتتحول الى عامل يحرضهم على تذكر ماضيهم السييء وعلى الرغم من ذلك فانهم ما ان يواجهوه ويقتربوا منه حتى يزول ذلك الخوف من قبحه، وهذا هو ما يلاحظ القاريء ان «نونو» جد كالامانه يحرص على توضيحه بشكل خبيث غير مباشر حين يبدأ بتقريبه من ذلك الكتاب الكبير الصومال هناك لحظات في حياة الانسان او الامة يمكن للمرء خلالها ان يتلافى الضعف والانهيار حتى وان بدى له للوهلة الاولى انهما محتمان وعليه فقد كان قادرا على ان يضع حدا لحالة التردي في حياته الخاصة المؤسسة على الشك في الاشياء وحتى في حبيبته شولونجو. وبالاسلوب نفسه كان بمقدور الشعب الصومالي ان يضع حدا لنهاياته المأساوية دون اللجوء الى ايقاع اللوم على الاخرين وعدم التصدي لعوامل الانهيار بجدية. والواقع ان ظهور الروائي الصومالي نور الدين فرح بهذه القوة في الساحة الثقافية العالمية كان قد تزامن في بداياته مع ظهور التوجه الجديد نحو تأصيل الثقافة والادب الافريقي وانتصار هذا التوجه على مشاعر الشوفونية والنشوة التي رافقت مرحلة الاستقلال السياسي في بداياتها «اواخر الخمسينيات واوائل الستينيات على الرغم من عدم انسجام هذا التوجه مع وهم التحرر الذي به ايديولوجيا مرحلة ما بعد الاستقلال في السبعينيات. وبينما تقوم موضوعاته الروائية في الاساس بتسليط الضوء على الاشكالية التي تحولت معها مشاعر الشوفونية المرافقة لمرحلة الاستقلال الوطني الى ازمة حقيقية كانت تمر بها دول القارة الافريقية كانت تعبر عن نفسها في صورة خطاب سياسي وثقافي معني في صيغته الاساسية بمناقشة حالة الضياع والتمزق فان فرح وعلى الرغم من ذلك لم يأسر نفسه لا بتلك اللحظة التي كانت تؤسس لهذه الاشكالية او باللحظة التاريخية الحاسمة التي كانت تعبر عنها في اغلب الاحيان الانقلابات العسكرية وانشقاقات الكتاب والسياسيين. ربما كان تأخر ظهور نور الدين فرح كواحد من أهم كتاب وروائيي القارة الافريقية الحداثيون يعود في جزء منه الى محاولته القيام بمهمة شبه مستحيلة هي خلق مواجهة قوية بين عناصر الثقافة القومية الصومالية وعناصر ثقافة مرحلة ما بعد الاستقلال في الوقت الذي لم تتجاوز فيه مهمة غيره من الكتاب البارزين من أمثال تشينوا شيبي، وانجوجي والعزوف التام عن الايديولوجيا والانتقاد الصريح لسياسات دولة مرحلة ما بعد الاستقلال المتذبذبة، ففي اعماله المبكرة تأتي مصطلحات مثل الحداثية والتقليدية الصيغتين الرئيسيتين في التعليقات الاكثر عنفا على الادب الافريقي المعاصر باهتتان واقل اقناعا وهو ما يلاحظ المرء انه قد اخذ منحى اخر اكثر شراسة في أعماله الاخيرة. على الرغم من ان تاريخ الشعب الصومالي وقوميته تشكل الجزئية الاهم في رواية نور الدين فرح الا انه يبدو اكثر انصرافا الى التفكير فيما يدعي الغرب «خطأ» انه عيب الثقافة لشعوب منطقة شرق افريقيا «الصومال، كينيا، تنزانيا» وهو الازدواجية، ازدواجية الموروث الثقافي والتاريخي المتسببة في الخصوصية المميزة له عن غيره من شعوب القارة، فعلى الرغم من انتمائه اليها الا أن الشعب الصومالي يرتبط ايضا بعلاقات وشيجة بالموروث الثقافي الاسلامي وبموقع بلاده الاستراتيجي في القرن الافريقي الذي يصله بشبه الجزيرة العربية وشبه القارة الهندية بالاضافة الى ان جزءاً من ثقافته يبدو متأثرا الى حد بعيد «ثقافة النخبة» بالثقافتين الاستعماريتين الايطالية والبريطانية. وهكذا فان ما يلمسه قارئ نور الدين فرح هو هذه الخصوصية التي تميزها الازدواجية والتعقيد الذين لا بد منهما والذين لا يبدو على الاطلاق انهما يشكلان ازمة هوية بالنسبة لكتاباته التي تعتمد عليها كمصادر ضرورية سواء كانت تلك الجزئيات منها متعلقة بعناصر الموروث الصومالي التقليدي او بعناصر الثقافة الاسلامية او الايطالية او البريطانية الشديدة الميل نحو الحداثة. وفي كل اعماله فان قارئ فرح قد لا يستغرب مقارنته بروائيين كتشيبي في نزوعه نحو الواقعية والاسطورية او الروائي المسرحي وول سونيكا في حداثيته وغيرهم من كتاب منطقة شرق افريقيا «الافارقة» المرتبطة اسماؤهم بالمعاصرة. من جانب اخر فان كتابات فرح وعلى الرغم من انها تنجح في تزويد القارئ بالتصور الواقعي للانسان الصومالي في مراحل سيئة من تاريخ بلاده اهمها مرحلة الاستعمار ومرحلة ما بعد الاستقلال والانظمة الديكتاتورية الا ان رواية فرح تبرز وعلى نحو لا يدعو الى الشك عناصر التجديد في الرواية الافريقية الحديثة الشديدة البعد عن عناصر الواقعية التقليدية. وربما كان لوعيه الاستثنائي بالحدود التي تقف عندها الواقعية اثر مباشر في تحوله على هذا النحو باتجاه تلك الجمالية التي تفسر الحداثية من خلالها الواقع بشكل مختلف. وفيما عدا أول اعماله الروائية «من ضلع اعوج» سنة 1970 فان الاعمال الاخرى التي كتبها فرح في اثناء وجوده في المنفى تبدو بوضوح وكأنها مكتوبة بالفعل في ظل تياري الحداثة، الاوروبي والافريقي فيما يوفر كتاب مثل «جيمس جويس» و«صامويل بكيت» و«وليام بتلرتيس» دليلا شديد الاشارة الى هذا التأثر. ان اكثر ما يشيد به النقاد في رواية نور الدين فرح الخرائط هو سعيها الى الكشف عن العلاقة بين عناصر الانقسام الوطني وبين عناصر الهوية القائمة على التقسيم الجنسي لابطالها من حيث الذكورة والانوثة وبين العناصر الروائية منذ صدورها وحتى وقت قريب ظلت هذه الرواية تستقطب اراء عدد كبير من النقاد منها على سبيل المثال ما كتبه احدهم بعنوان «حدود الامة وحدود النفس، الرواية القومية الافريقية ورواية نور الدين فرح» لكن وعلى الرغم من هذه الاشادة فان ثمة ما يوجه اليه الانتقاد بالنسبة لهذا العمل وهو صعوبته وتعقيد اسلوبه الذين لا يمكن للقارئ العادي التعامل معهما بسهولة ومثال على ذلك السؤال الذي يوجهه النقاد حول تنقله لدى اختياره لتقنية الراوي من ضمير المتكلم الى المخاطب الى الغائب بشكل لا يمكن استيعابه للمرة الاولى او حتى الثانية دون ان يكون القارئ شديد الحذر في استيعابه لما يحدده، كما ان سؤالا اخر يدور حول ما يحمله فرح ككاتب افريقي على التحول الى ما يسميه «ديرك راتب» في نقده «كاتب مرحلة ما بعد الحداثة الروائية المتطرف».