يمثل «بوشكين» عند الروس، ما يمثله امرؤ القيس والمتنبي معا عند العرب، انه شمس الشعر الروسي، كما قال عنه الشاعر الكبير ليرمنتوف، وظاهرة خارقة غير عادية، كمال قال عنه جوجول، وبداية البدايات كما قال عنه مكسيم جوركي. وما كتب عن بوشكين على مدى مئة وخمسين عاما يشكل بحرا هائلا من الدراسات والبحوث والاغلب اعمال عظيم روسيا، الكسندر سرجيفتش بوشكين، وهذا لا يقلل من اهمية الشاعر ولا ينال من عبقريته، وربما يعود ذلك الى عظمة ابداعاته وصعوبة نقلها الى لغة اخرى. لم يحظ شاعر باجماع النقاد ومؤرخي الادب، قديما وحديثا، على لقب شاعر الحرية، كما حظى بوشكين، لأنه وقف حياته وطاقاته وكل ابداعه من اجل الحرية، وكانت سبب مأساته وموته. فقد هدد القياصرة وهجاهم وفضح الشر والعبودية والقنانة، وكتب عن الفلاح المستعبد، كما كتب قصائد الحب وتغنى بالوطن، وكتب الرواية التاريخية والاجتماعية وكشف زيف المجتمع الراقي، ارصد حياة الانسان «الصغير» وكان اول من فتح العيون عليه في الادب. وقد اطلق عليه الناقد الروسي بيلينكسي «موسوعة الحياة الروسية». يتناول الكاتب والباحث مالك صقور في هذه الدراسة، الموضوعة العربية في ابداع بوشكين بشكل عام ومحاكاة القرآن بشكل خاص، لتسليط الضوء على تأثير الثقافة وتأثير القرآن على بوشكين وتأثره بشخصية النبي العربي صلى الله عليه وسلم من خلال ابداعاته التي استلهم موضوعاتها وأفكارها من الثقافة العربية ومن القرآن الكريم والسيرة النبوية. يتناول الباحث في كتابه علاقة روسيا بالمشرق العربي، وقد رد تلك العلاقة الى الفتوحات الاسلامية وعصر الخلافة العربية التي يسرت وصول التجار العرب المسلمين الى الشمال الروسي. مما جعل اللغة الروسية تحفل بكثير من الكلمات العربية التي لا تزال تستخدم الى الآن، ومنها: (قماش، ألماس، مخزن، صندوق، إمام، مسجد، قيراط، ياقوت، مئذنة... وغيرها). نقل عدد من النصوص العربية الى اللغة الروسية مثل قصة «فرعون ويوسف» و«تاريخ الحكماء السبعة» و«لقمان الحكيم» و«ايزوب العربي». وفي عصر بطرس الاول ارسلت البعثات لدراسة اللغة الفارسية والعربية والتركية، وجمعت النقود العربية الفضية والذهبية والمخطوطات العربية القديمة وأمر بطرس بترجمة القرآن الكريم وطبع لأول مرة في عهده نقلا عن اللغة الانجليزية. وفي عهد القيصرة كاترين (1762 ـ 1796) نشطت الترجمة من اللغة العربية مباشرة. فنشرت مقالات وكراسات كثيرة عن العرب والاسلام، وعندما افتتح قسم اللغات الشرقية في عام 1804، احتلت اللغة العربية فيه مكان الصدارة، وقد اغنى المستعرب كراتشكوفسكي المكتبة الروسية ببحوث ودراسات عن العرب واللغة العربية وآدابها، وله فضل كبير في الكشف عن المخطوطات العربية القديمة ونقل الثقافة العربية الى روسيا. كذلك كان للشيخ محمد عياد طنطاوي الاستاذ بجامعة بطرسبورج دور كبير في جمع اكثر من مئة وخمسين مخطوطا مهما في هذه المدينة، ولعب دورا كبيرا في نقل الثقافة العربية الى الشمال الروسي، كما لعب بازيلي المعاصر لبوشكين دورا كبيرا في تعريف الروس بتاريخ المنطقة العربية في النصف الاول من القرن التاسع عشر، وفي هذه الفترة بدأت بالظهور قصائد وأشعار بروح شرقية وعربية. قرأ بوشكين كل ما وصل الى روسيا عن الشرق والغرب والاسلام. وبعد انهى دراسته في المدرسة العليا نفذ مرحلة النفي الاولى الى الجنوب كعقوبة على اشعاره المنددة بالقيصر والمناهضة للظلم والاستبداد. وعاش في القفقاس بين الشعوب الاسلامية وتعرف على عاداتها وتقاليدها وأعرافها، وقد انعكست حياة هذه الشعوب وتأثرها بالثقافة العربية على اشعار بوشكين. كما قرأ ألف ليلة وليلة ووقع تحت سطواتها وتأثر بحكاياتها وعالمها الغرائبي وظهر تأثره بها في ملحمته الشعرية «روسلان ولوميلا» وفي قصيدة «الطلسم» واستلهم قصيدته «ليلى» من الشعر العربي القديم. وتبرز قصيدة «النبي» كواحدة من اهم القصائد التي تعكس تأثر بوشكين بالقرآن وسيرة الرسول العظيم صلى الله عليه وسلم. تأثر بوشكين بالقرآن الكريم قرأ بوشكين القرآن باللغتين الفرنسية والروسية. وقد كتب من منفاه في الجنوب رسالة الى اخيه يقول فيها: «انني مشغول بكلمات القرآن» وكان ذلك في عام 1820. ... كان بوشكين على دراية تامة بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان يعرف بأن القرآن يتداول بسرية تامة في بداية الدعوة، لذلك اطلق على ديوانه الشعري الثوري المناهض للقيصر الاسم ذاته. ولم يكتف الشاعر بالقراءة فقط، بل كان ينصت الى ترتيل القرآن الكريم باللغة العربية، عندما كان يعيش بين الشعوب الاسلامية منفيا في الجنوب، وعلى ذلك فقد اسرته موسيقا القرآن وعذوبة كلماته، وربما لهذا السبب اراد ان يتعلم اللغة العربية. لعل اهم قصيدة كتبها بوشكين هي قصيدة «محاكاة القرآن» والمقصود بالمحاكاة هنا «الافادة والاقتباس» ولم يكن بوشكين يخجل من ذلك، اذ كان يقول: «العبقرية لا ارادية ومحاكاتها لا تعني سرقة مخجلة او فقر للعقل، بل تعني حافزا في اكتشاف فضاءات جديدة» وتتألف القصيدة من تسع مقطوعات مختلفة الطول والبحر وتتناسب مع الآيات القرآنية التي اقتبس منها بوشكين وأسس عليها اشعاره. وقد استهل الشاعر قصيدته بالقسم متأثرا بالقرآن حرفيا: «أقسم بالشفع والوتر، أقسم بالسيف ومعركة الحق، أقسم بنجمة الصبح، أقسم بصلاة العصر...». ويجمع الشاعر بين سورة الضحى وسورة التوبة في جواب القسم مذكرا بقصة هجرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم مع ابي بكر الى المدينة ولجوئهما الى غار ثور وتعقب المشركين لهما. يقتبس بوشكين المحاكاة الثانية من سورة الاحزاب، متنقلا من موضوع الى آخر، وهي تدور حول العفة والحشمة والخطيئة، متخذا من هذه الآيات مثالا يقتدى به من حيث تعلم الآداب العامة وحسن السلوك. «وأنتم يا ضيوف محمد الذين تأتون اليه للسهرة، احرصوا على ألا تزعجوا النبي، ولا تعكروا دنياه، فله عقل المحسنين ولا يحب الثرثارين، والكلام القبيح الفارغ، كلوا من مائدته بتواضع، وانصرفوا محترمين، ولا تسيئوا الى زوجاته». ويتابع في المحاكيات التالية مواضيع اخرى كالتكبر والغرور والتواضع واحترام الآخر، ثم ينتقل الى وصف يوم القيامة والحساب وإذلال الله لكل جبار متكبر. ثم ينتقل الى سورة النور بالمعنى الديني المباشر وبالمعنى المجازي ليصف قدرة الله الخالق وينتهي الى القول: «هو الرحيم.. على محمد، أنزل القرآن المقدس، بترتيله نقلنا الى النور، وانقشعت الغشاوة عن العيون». ثم ينتقل الى الحرب والجهاد والصبر والنصر والشهداء والجنة. في المحاكاة السابعة يقدم الشاعر صورة الرسول المنتصر وحين دخل مع المؤمنين مكة فاتحا، وعليه الآن ان يقوم للصلاة ويتفرغ لقراءة القرآن، كما يركز في المحاكاة الثامنة على العطاء والصدقات والزكاة وفعل الخير ويوم الحساب الرهيب، يوم يتساوى الجميع ولا يشفع عند الله الا عمل الخير: «وفي يوم الحساب الرهيب يتساوى الحقل والغيم، إيه يا ناشر الخير، نتائج اعمالك ستعود عليك». اخذ بوشكين فكرة المحاكاة التاسعة من سورتي البقرة والكهف، ولكنه لم يتقيد فيها بروح القرآن، وصاغها على فكرة «البعث والنشور». ولكن ما السر الذي جذب بوشكين الى القرآن الكريم؟ يعود ذلك الى الاهتمام بالثقافة العربية والى اصول بوشكين الشرقية، فهو بنسبه من جهة امه الى اصول افريقية ـ اسلامية. فجد أمه، الزنجي ابراهيم هانيبال من شمال الحبشة وقد اشتراه القنصل الروسي في القسطنطينية من الاتراك وقدمه هدية للقيصر بطرس الاول. واستطاع ابراهيم ان يلفت نظر القيصر اليه بنباهته وفطنته وأمانته، فأطلق عليه لقب «هانيبال» واصطحبه معه الى فرنسا وتركه فيها ليدرس في كلية الهندسة البحرية، فتخرج فيها مهندسا بحريا برتبة ملازم اول، ومنحه القيصر شرف الانتساب الى طبقة النبلاء، وخاض حروبا عديدة، وهو وأولاده ترقوا الى اعلى المراتب في الجيش. وقد ورث بوشكين منه البشرة السمراء والشفتين الغليظتين والشعر الاجعد، وكان يفخر بكل مناسبة بأصوله. وخلده بوشكين بأشعاره وكتب عنه رواية قصيرة هي «عيد بطرس العظيم». لقد أراد بوشكين ان يغني الثقافة الروسية بخلاصة الثقافات والحضارات الاخرى التي اطلع عليها، ومنها: الثقافة العربية ـ الاسلامية، بنماذجها الخيرة وصورها الابداعية الرائعة على حد تعبير بوشكين اذ يقول: «ان العرب ألهموا ملاحم العصور الوسطى النشوة الروحية والرقة والحب ومناصرة الخير والبلاعة». كتب بوشكين قصيدته تلك وهو محاصر في منفاه، وهناك قرأ القرآن، فوجد فيه الملجأ والملاذ واستلهم من سيرة الرسول العربي صلى الله عليه وسلم القوة والصبر على محنته، لذلك قرأ القرآن، فوجد كتبها في هذه الفترة مفعمة بالحماسة والحرارة والصدق، اما قصائده «محاكاة القرآن» فقد قال عنها الناقد بيلينسكي: «انها الماسة البراقة في تاج بوشكين الشعري، انها تعكس روح الاسلام وجمالية الشعر العربي». لقد أخذ الشاعر مادة جاهزة وأعاد صياغتها وفق أوزان الشعر الروسي وعروضه فكانت فتحا في الشعر الروسي القومي، من حيث الشكل والمضمون والافكار والموسيقا والايقاع، وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على عبقرية شاعر غريب عن اللغة العربية، واستطاع ان يقتبس بمهارة من غير ان يشوه الاصل او يسيء اليه، وبذلك يكون بوشكين قد ساهم بشكل كبير في نشر اسم القرآن والتعريف بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم في ارجاء الجمهوريات التابعة لروسيا، لأن الاكثرية الساحقة قرأت بوشكين وتساءلت عن السر الكامن في القرآن الذي جعل بوشكين شاعر روسيا العظيم يتأثر به الى درجة التماهي. فيصل خرتش