بعد قراءته لرواية فنكلستين الشخصية عن سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى 1987، يكتب إدوارد سعيد: «انه لشيء نادر هذا الكتاب الذي يتصدى لتجربة انسانية عبر بحث تاريخي رصين وتحليل سياسي مفصّل على نحو مذهل وحكمة استثنائية. أنا لا أعرف كتاباً آخر من حيث التعامل مع المآزق المأساوية للوضع الفلسطيني بكل هذه الحميمية وهذا الوضوح». ولنورمان فنكلستين الباحث في العلوم السياسية والحاصل على الدكتوراة عام 1988 من جامعة برينستون والذي يعمل حالياً في جامعة هانتر ـ نيويورك ثلاثة كتب، غير هذا الكتاب الذي بين أيدينا ترجمته الى العربية، وهي: «الحقيقة والخيال في صراع اسرائيل» عن دار نشر فيرسو ـ لندن 1985، «أمة تحت المحاكمة» عن دار نشر هنري هولت ـ نيويورك 1988، «صناعة الهولوكوست» عن دار نشر فيرسو ـ لندن 1990. سافر نورمان الى فلسطين أول مرة في اغسطس 1988 عضواً في وفد مراقبة حقوق الانسان، ثم عاد إليها في أغسطس 1989 وأغسطس 1991 وديسمبر 1990 بينما كانت فصول كتابه تتوالى وتكتمل، ثم أضاف إليها ملحقاً في يناير 1992 وملحقاً ثانياً في نوفمبر 1992. هكذا ستنضفر المعاينة الشخصية للفلسطينيين «خصوصاً في بيت ساحور ومخيم الفوّار» منذ بدء الانتفاضة الأولى 1987 انطلاقاً من بيت ساحور نفسه احتجاجاً على الضرائب التعسفية التي فرضتها اسرائيل على الفلسطينيين، ستنضفر بالبحث التاريخي، بالوقائع العيانية على الأرض كما بذكريات والديّ فنكلستين اللذين نجوا من المحرقة النازية في وارسو خلال الحرب العالمية الثانية. وبهذا.. سيكون الكتاب إعادة اكتشاف للذات اليهودية في ذات اللحظة التي تكتشف فيها الذات الفلسطينية وقائع وتواريخ وفي الجوانب الانسانية التي أضاءت صفحات كتابه وجعلته اكثر تأثيراً وتعبيراً برغم التفاصيل الكثيرة. ولسوف يكتشف فنكلستين أن الديمقراطية التي تتشدّق بها اسرائيل هي ديمقراطية القوة والعنف ضد سكان البلاد الأصليين.. فإثر احراق إطار سيارة والقيام بتظاهرة وقذف بعض الحجارة يطوّق الجيش الاسرائيلي المخيّم، لتنشر جريدة «الجيروزليم بوست» في اليوم التالي: «أطلق الجيش النار في حلة دفاع عن النفس»! اليهودي.. عندما لا يكون جندياً يلاقي نورمان فنكلستين المفارقات في عيشه وسط فلسطينيين في «بيت ساحور» حيث أطفال البلدة وأطفال المخيم جوارها، يعرفون نوعاً واحداً من اليهود: الجيش ـ او المستوطنين!، وقد سأله أحدهم بعد أن شاع أنه يهودي: هل أنت من الجيش؟!. يكتب فنكلستين: «أنا كيهودي، قد استحق اللوم عمّا تفعله اسرائيل بالفلسطينيين. لقد اكتسبت اسرائيل التعاطف، وقنّعت انتهاكاتها المنظمة لحقوق الانسان عبر استغلال ذكرى استشهاد الشعب اليهودي ـ المحرقة ـ، ولكي تخرس النقد ادعت انها تتصرف باسمنا وباسم مأساتنا، وكثير من الناس يهوداً وغير يهود، خضعوا لذلك الادعاء وتغاضوا عن معاناة الفلسطينيين. لذلك فإن اليهود الذين اختاروا الصمت هم متعاونون سلبيون في الجرائم الاسرائيلية، لأن صمتهم ترك إسرائيل من دون تحدٍ وخارج موضع الاتهام». ويخلص نورمان الى القول: «الحرب الارهابية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين قد لطّخت ذكرى الستة ملايين شهيد يهودي، وهذه جريمة وليست مأساة». من الانتفاضة الى أوهام اوسلو! بالمعايشة اليومية يستكشف نورمان فنكلستين ليس فقط وقائع الانتفاضة الاولى، وانما جوهر كل ذلك الصراع فوق الارض ومن أجلها: «كنت أرى في كل يوم أطفالاً يواجهون الجيش عارفين تماماً أن أحدهم قد يصاب بعيار ناري وربما قد يموت، ومع ذلك لم يردعهم ما هو متوقع، ومن سخرية الأقدار أن الاحتلال الاسرائيلي يدّرب الفلسطينيين على المقاومة من المهد». لم تكن الأقدار هي التي تسخر وحدها، فقد كانت الانتفاضة تنتج سخريتها الخاصة: «قام عدة فلسطينيين بإلصاق علم فلسطين على رأس حمار وعلم اسرائيلي على مؤخرته، وحين حاول الجنود جاهدين أن يفهموا المغزى، ثم لم يحالفهم النجاح أطلقوا النار على الحمار. وفي الصباح التالي نشرت صحيفة عربية صورة للحمار المقتول، وفوق الصورة تعليق: إصابة أخرى في الانتفاضة!». ينقل فرانكلستين عن أحد القرويين الفلسطينيين قوله: «نحن نعرف الماضي وكيف كان، لكن المستقبل لايزال مفتوحاً، ونحن سنراهن على المستقبل». ويكتشف فرانكلستين أن: «الخوف الذي انتصر عليه كلّ الفلسطينيين ـ خلال الانتفاضة ـ كان الخوف من الجنود الاسرائيليين، ان لم يكن من بنادقهم. لم يعد الفلسطينيون جبناء أمام السوبرمان الاسرائيلي، فقد وجهت الانتفاضة ضربة كاسرة وربما قاتلة للصورة المهيبة لجيش الدفاع الاسرائيلي». وبالرغم من الاجراءات العنيفة لاسرائيل بقصد إخماد الانتفاضة، حيث دخلت امريكا في حوار مع الفلسطينيين بمثابة لهو حتى تتمكّن اسرائيل من اخماد الانتفاضة واصل الفلسطينيون أشكالاً مختلفة من عصيانهم فقد رفضوا ضبط ساعاتهم حسب التوقيت الشتوي الاسرائيلي وذهب الأطفال الى مدارسهم حسب التوقيت الفلسطيني!. وحين طلب من سميرة ـ المعلمة في بيت ساحور ـ أن تختار سِفْراً من الإنجيل للصلاة الصباحية في المدرسة، استبعدت حالاً السفْر المتعلق بإدارة «الخدّ الآخر»!. ورغم أن وقائع الانتفاضة باتت مندمغة بالحياة اليومية للفلسطينيين، إلا أن اليأس قد يبلغ في لحظة ذروته، هكذا يصرخ أحد التلامذة بفرانكلستين الأمريكي اليهودي: ـ ماذا يعتقد الامريكيون بشأن الفلسطينيين؟ وقبل أن اجيبه انفلت بغضب: ـ انهم يعتقدون اننا حيوانات، أليس كذلك؟ يقول فنكلستين: «لم أجد بنفسي الجرأة لأن أخبره بأن ذلك صحيح!». وتعترف إحدى الفتيات ان الحياة كانت أسعد قبل الانتفاضة فيسألها فنكلستين: ـ هل تفضلين ان تري الانتفاضة تنتهي؟ تجيب الفتاة بسرعة: ـ لا، ليس قبل ان نحصل على الدولة. ومن هذا الباب بالضبط، باب الحصول على دولة، يطغى الأمل على كثير من فلسطينيي الضفة وقطاع غزة خلال وبعد اتفاقيات أوسلو، ويلخص فنكلستين الخط البياني للانتفاضة الأولى من صعودها الى سقوطها الحرّ باتجاه يأسٍ مذل: «السنة الأولى البهيجة للانتفاضة، ثم الادراك المحض بأن الدولة الفلسطينية ليست وشيكة، وعد صدّام بتحرير فلسطين ثم كابوس التدمير المنهجي للعراق، الآمال العريضة بمؤتمر مدريد ثم العوائد التافهة في أوسلو». قال موسى، مدرس في ثانوية بيت ساحور، وأحد مناضلي الانتفاضة: «السياسة لم تعد في أيدينا، قبل ثلاث سنوات كان لنا قول، أما الان فكلها تقف على رابين وعرفات والولايات المتحدة». وفي مظاهرة لمناهضي اوسلو رفع المتظاهرون علماً أسود الى جانب العلم الفلسطيني، فطالب ضابط اسرائيلي به، وحين سلّموا له العلم الفلسطيني، قال لهم: يمكنكم الاحتفاظ بهذا العلم، أنا أريد العلم الاسود»! يعلّق فنكلستين: «بدلاً من الدولة حصلوا على علم، العلم بدون الدولة كان نكتة سمجة»!. يعلق نديم عيسى: «لقد سلّم عرفات كل شيء، الأرض ومستقبلنا، وأنا بالتأكيد لن أخاطر بحياتي من أجل حكم ذاتي»!. كان الخيار صعباً ودقيقاً، يقول فنكلستين: «أن يلتهم المرء ذاته بالإحباط والمرارة، أو أن يقاتل». وهكذا كان الخيار الذي أشعل فتيل الانتفاضة الثانية، وسيشعل الثالثة والسابعة والألف!. الأمريكي: إسرائيلي ـ الفلسطيني: هندي أحمر بعد أن يفصّل في وقائع الانتفاضة الاولى ومعطياتها، ويتقصى الصمت الاعلامي الامريكي خصوصاً عن ممارسات اسرائيل، اذ يكتب والترجودمان المسئول عن القسم الثقافي في مجلة التايمز بأن «القصص الفظيعة عن الفلسطينيين لم تثبت»، يقول نورمان فنكلستين: «ألم يكونوا يملأون الدنيا صخباً عن قتل عدة مئات من الشباب الصينيين العزّل في ساحة تنيامين، ولكن ليس عن قتل عدة مئات من الشباب الفلسطينيين العزّل؟». ثم يكرّس فصلاً كاملاً عن المعيار المزدوج في تطبيق القانون الدولي، صمتاً عن إسرائيل وحماية للدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الاوسط!، لكن فنكلستين يعلّق: «الجريمة لا تتوقف عن كونها جريمة إذا ارتكبتها دولة ديمقراطية». مشيراً إلى أن الانتفاضة كانت نداء للضمير الدولي، لكن المجتمع الدولي قد أخفق في تلبية النداء، خصوصاً الولايات المتحدة الأمريكية التي يحجب اعلامها الحقيقة عن مواطنيه، إضافة لعقلية اليانكي الأبيض التي يقشّرها فنكلستين من أوهامها، بل من تماهيها مع عقلية الاستيطان الاسرائيلي، اذ يعتبر «اليانكي» الأمريكي منذ ثيودور روزفلت ان المستوطنين البيض: «قد انتقلوا الى قفار غير مسكونة.. لم تكن الأرض في الحقيقة ممتلكة من أيّ أحد.. لم يطرد المستوطن أحداً من الأرض، الحقيقة هي أن الهنود لم يمتلكوا أبداً حقاً شرعياً بالأرض»». وهكذا تم تشريد وإفناء الهنود الحمر، ممّا يستدعي الى محاكمة فنكلستين العقلية مقارنة الفلسطينيين بالهنود الحمر، وهنود «الشيروكي» الحمر الذين دخلوا متاهة المفاوضات في أوسلو وما بعدها، فرغم ان الشيروكي قد التزموا قوانين المستوطنين البيض ودخلوا في مفاوضات للتمسك بما تبقى لهم من أرض، إلا أن هذه الأرض كانت تُسْحَبْ من تحت أقدامهم رغم المعاهدات الموقعة مع اليانكي الأمريكي. يكتب روزفلت: «الأراضي التي ربحناها من الهنود كانت قد ربحت بالمعاهدات، بمقدار ما ربحناها بالحرب، ولكنها كانت الحرب بالغالب، وان لم يكن كذلك، فالتهديد واحتمالات الحرب، هو ما أمّنتْ تلك المعاهدات». بينما كانت أية مقاومة لهنود الشيروكي في وجه توسّع المستوطنين البيض تستنكر بوصفها وحشية وإرهاباً!!. فهل يكرّر التاريخ نفسه بصدد هنود الشيروكي الفلسطينيين؟! يكتب ثيودور روزفلت أيضاً.. ومن غير تعليق هذه المرة: «لقد نظر ـ البيض ـ الى أعدائهم كما نظر أنبياء العبرانيين الى أعداء اسرائيل. أين هو المقت الذي بسببه تحطّم الكنعانيون امام يوشع، إذا ما قورن بمقت المتوحشين الحمر، والذين طلب منهم ـ شعب مختار آخر ـ استلام ميراثهم منهم؟!.». نجم الدين سمّان