يدخل هذا الكتاب في سياق النقاشات التي لا تزال تثيرها العولمة على الساحة الثقافية العربية، حيث يستجمع مادته من مجموعة مقالات متفرقة كتبت حول ما تثيره العولمة من عمليات وإشكالات على مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية والثقافية، ويجمع بينها وجهة نظر الكاتب وأسلوبه في تناول المسائل المطروحة. وينطلق المؤلف من مناقشة آراء وأطروحات عدد من المفكرين والخبراء الأمريكيين والأوربيين الذين أدلوا بدلوهم في عمليات العولمة الجارية منذ الربع الأخير من القرن العشرين، وما يرافقها من إرهاصات وأفاق على المستوى العالمي. ويبدأ من أطروحة عالم المستقبليات الشهير «ألفين توفلر» التي تفيد بأن ثورة الاتصالات التي غيرت جذرياً طبيعة المجتمعات الحديثة تنبني على معيار «المعلومة»، لتغدو بذلك جوهر السلطة، أي أن المعرفة أصبحت أكثر من مجرد مصدر للسلطة، بل غدت العامل الأهم للقوة والثروة، وهي أضحت كذلك مصدر النزاعات الدولية في المستقبل القريب. ويبني على هذه الأطروحة محاولته في رصد أبعاد ورهانات الثورة الاتصالية الجديدة التي أفضت إلى عالم الشبكات الإلكترونية المعلوماتية، وبلغ فيها الإعلام الفضائي شأواً بعيداً بفضل تقنيات البث بالأقمار الصناعية، وهو ما جعل «رجيس دوبريه» يتحدث عن علم «المديولوجيا» الذي يدرس الخلفية الرمزية للظاهرة الإعلامية الجديدة، باعتبار أن الوظيفة الأولى للإعلام لم تعد الأخبار والتغطية، بل هي تحقيق الوسائط التي يتطلبها اللاشعور الجمعي من أجل تقنين الكلام، بما هو رهان سلطة وتبادل وعلاقات اجتماعية. وعليه فإن الحدث الرئيسي الذي أفضت إليه ثقافة الصورة هو خلق بعد جديد، يضاف إلى الواقع والخيال، هو بعد «المتوهم» الذي تصنعه الصورة كبديل من الواقع الفعلي. وعلى الصعيد العربي يرى المؤلف بأن على الإعلام العربي الاستجابة للمتغيرات الجديدة، من خلال بلورة فلسفة إعلامية متكاملة تسهم فيها مختلف الفعاليات الثقافية والفكرية والإعلامية. وينتقل إلى تناول أزمة التوسع الرأسمالي في ظل العولمة، معتبراً أن الأزمة الآسيوية هي الأزمة الأولى في حقبة العولمة، ويرجعها إلى مظاهر الخلل في النموذج الذي اتبعته النمور الآسيوية. وبغية ربط الأزمة بسياق المنظومة الرأسمالية يستعين بمفهوم «اليوتوبيا الليبرالية الجديدة» لعالم الاجتماع الفرنسي الشهير «بيير بورديو» المتأسسة على الاستناد إلى برنامج علمي للمعرفة محول إلى إيديولوجيا تنزع إلى إنشاء ووضع ظروف تحققها وتجسدها، وهي في واقع الأمر مقتضيات تقوض الأطر الجماعية للفعل الإنساني. ومن بين المواضيع الحساسة التي يتناولها المؤلف هو موضوع الحرب والشرعية في عصر العولمة، حيث يناقش حق التدخل الإنساني وحدود السيادة القومية للدول، إذ في ظل غياب سلطة تنفيذية دولية مؤهلة لتطبيقه وتجسيده، فإنه يشكل التحدي الأول للقانون الدولي، ويخلص إلى أن هذا الحق في التدخل لم يخرج عن كونه معياراً من معايير علاقات القوة التي تحكم الأوضاع الدولية لحد الآن، مما يسميه بالانتقائية والازدواجية ولو تدثر بطابع أخلاقي براق وزائف. غير أن ما يميز ديناميكية العولمة في عالم اليوم هو الفراغ النظري الذي خلفته في مستويات عديدة، وهو ما يفسر «صعود اللامعنى» حسب تعبير الفيلسوف «كورنليس كوسترياديس»، حيث تفتت وتفككت المرجعيات المنتجة للدلالة، لذلك يعتبر المؤلف أن عالم اليوم أصبح بدون حدود، ودون موجهات، وانفصمت فيه العلاقة بين القوة والمعنى التي تحدد دلالة الرهان الاستراتيجي، ومن ثم فإن الإشكال المطروح هو عجز الشبكات التحليلية عن استكناه التحولات الدولية الجديدة، كونها لم تولد مقاييس منهجية جديدة تلائمها. وهكذا فإن العولمة التي أضحت حقيقة قائمة اقتصادياً وتقنياً، لم تفض إلى مشروع ثقافي كوني، نظراً للانفصام بين حركية الوقائع والأحداث وفضاء المعقولية والدلالة. وفي نهاية الكتاب يتناول المؤلف مستقبل الثقافة العربية بين تحديات العولمة وانفصام الهوية، مناقشاً أطروحات عدد من رموز «عصر النهضة» وأطروحات عدد آخر من الكتاب الحداثيين، وينتهي إلى أن سؤال العولمة لم يتجاوز في الفكر العربي قيود الأرضية الصراعية، وينضاف بذلك إلى إشكال سؤال الهوية المؤرق. عمر كوش