يبرز في أدب المجالس الأدبية في أدبنا القديم لفظ النديم، حتى إن أكبر فهرس للثقافة العربية عرف بفهرس ابن النديم، ويفيدنا المعجم الوسيط ان معنى قولنا: تنادم القوم أي تجالسوا على الشراب وأن النديم هو المصاحب على الشراب المسامر.. وبرزت في قصور الخلفاء والأمراء وظيفة خاصة جداً هي المنادمة، كان لها شروطها المعقدة والصعبة، فهذا النديم الذي يختار او يتنطع لمجالسة علية القوم لابد من أن تتوافر فيه صفات خَلقية وخُلقية وعلمية، فيجب ان يكون حسن الهيئة نظيفاً ذكياً حافظاً للأخبار عارفاً بالموسيقى حاضر الجواب، سريع البديهة، عليماً بمواقع الكلام، يرمي أخباره ونوادره في مواضعها، ويعرف رسوم وتقاليد دار الخلافة او دور الأمراء.. لأن أقل هفوة او زلّة يمكن أن تطيح به.. ومن هنا ندب بعض المؤلفين أنفسهم للتأليف فيما تقتضيه هذه الصنعة، صنعة النديم، ونعرف من هذه المؤلفات على سبيل المثال كتاباً ألفه كشاجم في القرن الرابع باسم أدب النديم.. ثم طلع علينا مركز زايد للتراث والتاريخ بكتاب ينشر لأول مرة عنوانه «رأس مال النديم..» وهو يشتمل على إضمامة من الثقافة كان لابد منها حداً أدنى لمن كان يتصدى لأدب المسامرة آنذاك، لكنها تمثّل ضرباً من الثقافة التراثية التي تصلح لكل مثقف عربي في عصرنا. مؤلف الكتاب هو أبو العباس أحمد بن علي القاشي، قال فيه ياقوت الحموي في معجم البلدان وهو يتحدّث عن مدينة قاشان: «وكان رجلاً أديباً قدم مرو وأقام بها الى ان مات بعد الخمسمئة» وقد كان هذا الكتاب «رأس مال النديم من المصادر التي اعتمدها القلقشندي تـ 821 هـ في كتابيه: «صبح الأعشى» و«الانافة في مآثر الخلافة» فقد نقل عنه أسماء الخلفاء العباسيين، وقد صرح المؤلف في مقدمته الموجزة جداً بأنه جمع في كتابه أحاسن الأخبار وعيون الأحاديث والأشياء المتشاكلة والمتضادة والاتفاقات العجيبة والأمور الغريبة مما لا يستغنى العالم المبرز عن معرفته، ويتجمّل به الأديب الفاضل في صناعته، ويتزين بمعرفته النديم ويحاضر بذكره السمير. وصرح مركز زايد للتراث والتاريخ في مقدمته التي كتبها مديره الدكتور حسن محمد النابودة بأن الغرض من نشر هذا الكتاب هو المساهمة في نشر التراث العربي الاسلامي ووضعه بين أيدي الباحثين كما ذكر محقق الكتاب الدكتور محمد عبدالقادر الخريسات أنه اعتمد نسخة خطية وحيدة في مكتبات العالم، كان حصل على مصورتها من المكتبة السليمانية في استنبول. اما المؤلف فقد وضع كتابه وقدّمه للرئيس سعد الملك أبي الفتح محمد بن بهرام بن علي وقال: «ألفت له هذا المختصر وأودعته كليات وقوانين وأصولاً وأركاناً لتكون دستوراً له ومشوّقة الى وراء ذلك قياساً على ما كانت تجري به العادة في العراق منذ وصول بني العباس الى الخلافة». لم يقسم المؤلف كتابه الى أبواب أو فصول وإنما اكتفى بوضع عنوان يذكر تحته ما يناسبه فقد بدأ كتابه بعد المقدمة بذكر ام النبي صلى الله عليه وسلم وأتبع ذلك بذكر أسماء امهات الخلفاء من بعده، ثم ذكر الأشخاص الذين كانوا يشبهون رسول الله صلى الله عليه وسلم في خلْقه وفي خُلقه وذكر المغازي التي حارب فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وذكر بعض الذين كان اسمهم محمداً في الجاهلية، ثم تطرّق الى ذكر الأجواد من قريش وسائر العرب في الجاهلية، فذكر من اشتهر بالكرم من كل قبيلة، ثم ذكر أجواد العرب في الإسلام وكل ذلك بضرب من الايجاز دون اي اطناب او استطراد.. وكانت فكرة الأوائل ضمن اهتماماته فقد ذكر أول من شهر سيفه في سبيل الله وأول من اراق دماً في الاسلام في سبيل الله وأول من رمى بسهم وأول من دفن بالبقيع وأول مولود في الاسلام وأول مولود في المدينة، وأول ما نسخ من الشريعة وأول من بايع لولده وأول من ضرب الدنانير ونقل الدواوين وأول من جمع اللغة.. وتطرق الى ذكر اديان العرب وأطال القول نسبياً في النرد والشطرنج، ثم ذكر الأقاليم السبعة وأصناف الناس، وذكر ما استخرج من الدفائن ونبش من الأغوار، اما ما ورد مسلسلاً منظماً في الكتاب فهو أخبار الخلفاء بدءاً من أول الراشدين الى الخليفة العباسي السابع بعد العشرين اي الى تاريخ وفاة المؤلف، وكان يذكر نبذة في نصف صفحة عن كل خليفة ثم ذكر الأمراء السامانيين وعددهم تسعة أمراء، وانتقل الى ذكر آل بويه امراء الديلم الذين بقي اسمهم يتردد على منابر المساجد نحواً من مئة وخمسين عاماً وقد ملكوا الري وطبرستان وخوزستان والعراق وبعض الشام والجزيرة وديار بكر وبعض بلاد الروم وكل هذا في ظلّ الخلافة العباسية.. ثم ذكر الأمراء السلاطين بغزنة من آل ناصر الدين وهم تسعة نفر وبهم ينتهي الكتاب. ان طرافة هذا الكتاب الممتع تقوم على براعة مؤلفه في اختيار مواد ثقافية ينظمها خيط واحد هو أن لها صلة بالتاريخ العربي الاسلامي.. وفي الكتاب نصوص من كتب باتت مفقودة وعلى كل حال إن ظهور هذا الكتاب انما هو بمنزلة وصول مسافر قطع ألف سنة في طريقه الينا. د. عبدالاله نبهان