يعتبر المخرج السينمائي جان ميتري الذي تحول الى باحث في مجال الفن السابع من أهم مؤلفي نظريات الفيلم الكبرى. فهو معني بالتحليل العميق الذي تضمنته ثلاثيته المطولة في البحث السينمائي: السينما التجريبية، البنى، علم نفس وعلم جمال السينما. حيث يقدم في كتابه الجديد «علم نفس وعلم جمال السينما» أفكاراً دقيقة وشاملة عن ماهية الصورة وعلاقاتها بنفسها وبالإنسان والجماليات المتجددة التي تحملها الينا كل يوم. في الفصل الأول من الكتاب الجديد والذي يتناول الإيقاع والتصوير بكاميرا متحركة يرى جان ميتري ان استمرارية الفيلم السينمائي المؤلفة من تعاقب فضاءات وأزمنة لا تكف عن التمايز حيث توجد ما بين تلك الخلايا او اللقطات سلسلة من العلاقات تنضاف الى علاقات المضمون الدرامية او الرمزية، حيث يظهر الفيلم بالتالي بمثابة تطور مكان ـ زمان متقطع، مختلف كلياً عن المجموعة الاتصالية وحيدة الاتجاه التي للمكان والزمان الواقعي على الرغم من كونه يعكس التخطيط الهيكلي للواقع المباشر المتصل بعضه ببعض. ويرى الباحث السينمائي مرة أخرى أن مونتاجات كوليشوف وايزنشتاين أوجانس لم تكن تظهر الحدث بل كانت تلمح اليه فهم كانوا يستعيرون ولابد معظم عناصرهم من الواقع الذي يفترض انهم يتولون وصفه ولكن المعنى النهائي للفيلم يكمن عندهم في تنظيم تلك العناصر بأكثر كثيراً مما في مضمونها الموضعي. وعن الكاميرا المتحركة يعيد جان ميتري دائماً الوضع الواقعي الأصلي لا للاستمرارية الثابتة للأشياء فحسب، بل أيضاً الاستمرارية الثابتة للإطار المكاني ـ الزماني، فالمشاهد يرد الأحداث المتوازية الى تزامنها على الرغم من كونها تقدم له على التناوب في لقطات متعاقبة، فالتناوب والتعاقب هما النموذجان ذاتهما اللذان يتحقق بهما الادراك الحسي للأحداث المتزامنة، كذلك في الحياة الواقعية والوسط المكاني والزماني المتجانس واشيائه وأحداثه المعطاة، وفي هذا الإطار يقوم الإدراك الحسي بتهجئة وفك الرموز بوثبات عديدة واستكشافات وإحاطات. ويعتبر البعد النفسي للكاميرا المتحركة احد وجوه جاذبية وفتنة السينما الصامتة وهو آت من كون ما هو معروض فيها ويفرض نفسه بسحر يقين لا حيلة إزاءه، فما من شيء يمكنه أن يغير أي شيء فيها، فالناس في الأفلام الحالية ينطقون ومهما كان كلامهم قليلاً إلا أنه يوحي بأن له قدراً من سلطة وأنه قد يتمكن من تغيير مجرى الأحداث ولولا القليل لأفلح في أن يفعل، أما الأفراد في الأفلام الصامتة فهم يبدون خاضعين لإرادة عليا ليسوا إلا تعبيرها المرئي. ويؤكد الباحث السينمائي جان ميتري ان السينما تتجه أكثر فأكثر نحو الواقعية والتي تقود الحديث الدرامي حكماً الى خارج الشروط الكيفية التي للتراجيديا، فالفيلم يهجر الكثافة الدرامية لصالح بسط مجريات قصة وبدلاً من حبكات تطرح في زمان ومكان محددين عقابيل بعض الأفعال، حيث ذهبت الأفضلية الى تطور تلك الأفعال وتناميها الروائي وهكذا فإن المستقبل «المغلق» في التراجيديا وحاضرها غير الراهن الخاضع لأحداث ترتقي به الى متعال، أعقبه المستقبل «المفتوح» للواقع اليومي ولحاضر «ماثل عينياً» رجح فيه الأحداث العرضية على تلك المحكومة بقدر مسبق كما في أي مكان آخر، فالنسبي يخلف المطلق والحركية النفسية تعقب التجريدات الأخلاقية او الماورائية. ويؤكد الباحث السينمائي في كتابه الجديد «علم نفس وعلم جمال السينما» ان اللقطات الثابتة والمتحركة كذلك التكوينات التشكيلية منها أو الحركية، كذلك تأثير التركيب او الرمزية كلها أشكال لغة ولا يمكنها إلا أن تكون كذلك، ووسائط ووسائل تعبير لكل منها دلالته، وبالتالي استخدام معين دقيق وليست اساليب نوعية محددة للبناء عليها وانطلاقاً منها يمكن تأسيس جمالية، حيث أقصى الأمر أنها يمكن أن نرى فيها عند حد من الحدود، وسائل نوعية تصلح لأن يعرف بها أسلوباً من الأساليب كذلك الأفضليات التي ذهب اليها، كذلك الأمر بالنسبة «لعمق الحقل». هذا ويتناول القسم الثاني من الكتاب الجديد الكلام والصوت من منظور تاريخي في البداية حيث ولدت السينما الناطقة في الصناعة مع عرض فيلم «مغني الجاز» في مدينة نيويورك بتاريخ 6 اكتوبر 1927 وفي الفن في سياق الثلاثينيات، إلا أن السينما الناطقة ليست مع ذلك أصغر عمراً من السينما ذاتها. كذلك منذ العروض الأولى في السينما والتي اقترن فيها تقديم الأفلام مع موسيقى مرافقة حيث لا تزال في الذاكرة «القارئات» اللواتي كن في دور عرض الأحياء يرتجلن «حركات موسيقية» موافقة بهذا القدر أو ذاك ويغيرن الإيقاع والسرعة مجاريات اللقطات والمقاطع وفقاً لما اذا كان الأمر يتعلق بخيول تجري أو بقصة تثير العواطف، فكان يجري الانتقال من باخ الى كريستينه ومن فرانز ليهار لفاغنر. فقد كانت الموسيقى لازمة لا غنى عنها للأفلام في أيام السينما الصامتة ولا يقتصر الأمر على كونه يتعلق فقط بمرافقة حركة درامية بل أيضاً وطبقاً لعبارة «جان إيشتاين» يتعلق بإنقاذ المشاهد من وطأة الصمت الرهيبة، في حين أبدى هونيكر من جهته الملاحظة التالية «تفادياً للرتابة» على الفيلم بالضرورة ان يترافق مع صوت ما. فالاستقلال الذاتي للموسيقى في صرامة سرعة التعاقب يفسر لنا لماذا نحتفظ بذكرى واضحة بدقة للسيمفونية التي ترافق أو على نحو أصح، يرافقها بلاي باك رسوم متحركة، وفي حين ان الموسيقى مضافة فوق تفاصيل أحداث فيلم من الأفلام لا تكاد تؤثر على الوعي النير لدى المشاهد. وعن الألوان في السينما يرى «جان ميتري» في كتابه الجديد أن الاستخدام الدرامي للألوان ممكن حالياً على أية حال، مادام يمكن تعديل القيم عند تصوير اللقطات فإنه يمكن على الأقل اختيار العناصر وتشكيل الديكورات الملائمة فهذا التطور للحدث مع تبدل المنظر باضطراد، كان بالطبع ممكناً بالأبيض والأسود، ولكن اللون يلعب هنا دوراً لا يمكن إغفاله، فصبغة الألوان الفضة مع طيف من اللونيات في اللون الواحد تضفي على خشونة الديكور مقام مناخ وإرنانا فاجعاً لا قدرة لأقصى مرونة للأبيض والأسود على أن تعبر عنه، فلاشك في أن الإدراك الحسي للألوان يبقى ثانوياً بالنسبة للأشكال في بنية عالم محسوس غير أنه ينضاف اليها بتوفيق. وعن النتائج المستخلصة حول الإيقاع يرى جان ميتري في كتابه الجديد «علم نفس وعلم جمال السينما»، ان الفيلم السينمائي يمكن النظر اليه كتطور ايقاعي واستمرارية تناوبية من حيث زمن المقاطع وهي نفسها متناوبة بموجب زمن اللقطات. في حين يرى فريس أنه بقدر ما يكون المعطي الحسي أقل تقليداً يتعاظم بالقدر ذاته تأثير المسارات الحسية وحتى المواقف نفسها والشخصية التي تدرك حسياً، فواقع الحال بالنسبة للصورة في الفيلم السينمائي أنها على أقصى ما يمكن من التقيد، بحكم دلالتها والقيمة الموضوعية لمضمونها، كذلك ليس هناك تناظر مشترك بين إيقاع الفيلم السينمائي وبين الايقاع الموسيقي الذي ينطوي على علاقات نسبة وعودات دورية. ولئن كان الإيقاع الموسيقي تنظيماً لعلاقات صرف، فالإيقاع المحدد نوعياً لا يمكن ان يجر معه في تكوين هذه العلاقات الا عناصر لا دلالة عينية لها ومجردة بكل الأحوال من الصفات الموضوعية ذات التعريف الواضح، فالأصوات بالضبط هي الوحيدة في ذلك والتي تستجيب لتلك المقتضيات. ويتناول القسم الثالث والأخير من كتاب «علم نفس وعلم جمال السينما» للباحث جان ميتري، وعي الواقع حيث يرى ان الأمر متعلق بمحاولة تقديم تفسير يرتكز على نظرية الشكل والفينومينولوجيا كأساسين يبنى عليهما هذا التفسير بقدر ما يعتمد على الدراسة النقدية لتطور العلوم وتطور طرائقها ونتائجها، إلا أن هذه المحاولة تتميز من وجوه عديدة عن الأنظمة المعرفية السائدة اليوم. فالتعارض بين الذات والموضوع الذي جعله علم النفس المدرسي قاعدة أساسية ليس بداية بل هو نتيجة تم الانتهاء اليها فلا الذات ولا الموضوع لهما وجود قبلي باعتبارهما كذلك السبب التالي المتمثل بأن لا هذا ولا ذاك تعبير مادي ملموس عن الجوهر. وعن الجوهر والوجود يرى الباحث السينمائي أن الجوهر ليس غير الصورة التي يتمثل الذهن بها شيئاً يحمل كل الأشياء المماثلة له، أو هو التجريد المنبثق من هذه الصفات والذي تعين المحاكمة به هوية الأشياء وتدمج بعضها مع بعض جامعة اياها معاً في صنف محدد، فالبياض هو الجوهر أو الصنف لكل الأشياء البيضاء ولكن البياض بذاته هو معنى مجرد ومدرك عقلي بحت فهو خيالي تم تصوره انطلاقاً من الأشياء البيضاء وليس له أي وجود قبلي سابق على تلك الأشياء على الرغم من أنه يرفعها الى متعال، لكن ذلك متعال بعدي. وفيما يواصل عدد كبير من العلماء بلا طائل تسميته بالجوهر، تلك الباطنية المكنونة في الكائن التي توفر له ان يتمتع بـ «الخواص» التي تميزه، ليس غير الواقع الفيزيائي الذي نستخلصه منه كشكل وفي منأى عن الادراك العقلي المجرد للأمر فجوهر الحديد انما هو مجموع الطاقات التي يعبر الحديد عنها. وفي الوقت الذي يرى فيها هيوم وستيورات ميل أن مفهوم السببية ولد من تجربة التعاقب على نحو واحد ثابت وهكذا من بين ظاهرتين لا على التعيين ربطت التجربة بينهما، نظر الى الظاهرة الأسبق على أنها سبب الظاهرة التي تلت في حدود تغرر الارتباط بقوة العادة وتوطده من دون أي باعث اصلي ذاتي. إلا أن بياجيه ينوه بأن مثل هذا الأمر من شأنه ان يعصى على التفسير إذا كانت السببية قائمة حصراً على الترابط معاص وعلى عادات أملتها التجارب وحدها، فالتعاقب غير كاف لتكوين الرابط السببي من دون الاندماج بالأفعال عيناً، ثم بالتركيب العملياتي وذلك الى حد نحسن صنعاً معه إذا ما واجهنا أمر السببية مع مين دوبيران بمثابة قراءة مباشرة للفعل الإداري او استنتاج قياسي تمثالي يقود الى تخيل الأشياء على مثال ونموذج الأنا، حيث لا يمكن للوظيفة المزدوجة المكانية ـ الزمانية أن تدمج سكون أحد وجهيها في حركية وجهها الآخر. رنا يوسف