مؤلف كتاب «لطف السحر وقطف الثمر» هو نجم الدين محمد بن محمد الغزي الدمشقي الذي ولد في دمشق عام 977ه، في اسرة بلغت منزلة اجتماعية رفيعة في المجتمع الدمشقي، وتأصل فيها طلب العلم وعطاؤه حتى غدا وكأنه منها، أو كأنها منه، وهكذا صار نجم الدين يحضر دروس المعرفة في الجامع الاموي وهو ابن خمس سنوات، وبرفقة اخيه «كمال الدين» ثم انتقل الى المدرسة العزيزية، مع استمراره في حضور دروس والده حتى اجازه الوالد اجازة خاصة امام من كان يحضر دروسه، واجازة عامة في عموم اهل عصره من المسلمين. وهكذا انصرف نجم الدين الى اخذ العلم ولاسيما علوم الدين وعلوم اللغة العربية على يد كبار علماء دمشق في ذلك العصر حتى اتقن الاصول والفرائض والعربية والتفسير، وبرع في الحديث وبه اشتهر ويبدو من كتبه ومؤلفاته، ان الغزي كان كثير القراءة دؤوبا على المطالعة شغوفا بالعلم. ويبدو ان سبب شهرته الزائدة هو عنايته بالحديث الشريف حفظاً وتدريساً حتى لقبه معاصروه ومؤرخوه بـ «حافظ العصر، وحافظ الشام، وخاتمة حفاظ الشام». ومن يقرأ كتاب «الكواكب السائرة» وذيله «لطف السحر» يلمح كثرة الطرق الصوفية وانتشار زواياها في البلاد الاسلامية، حيث تأثرت اسرة الغزي بهذا التيارالصوفي الواسع ويبدو ان مشايخها قد اتبعوا الطريقة القادرية. وقد تعرض مؤلفنا لتلك القضايا الصوفية الشعبية حيث كان ذلك بمثابة حياة مشهدية للحياة الفكرية والاجتماعية للمجتمع الذي يعيش وسطه. ولم يعمل الغزي في التدريس والوعظ والامامة والخطابة والافتاء فحسب بل توج كل ذلك بالكتابة والتأليف، وقد امد المكتبة العربية بكثير من مؤلفاته العلمية التي تقدر بثلاثة وخمسين مؤلفاً. لقد طرق الغزي ميدان التاريخ منذ شبابه، وذلك عن طريق كتابة سيرة والده، وتابح حظه هذا في كتابيه الكبيرين «الكواكب السائرة، ولطف السر». ولعل ثقافته الموسوعية والصفات الاخلاقية التي تمتع بها ابعدته عن الانحراف وراء هوى النفس، وادرك بفطرته قيمة الجدة في الموضوع الذي اختار الكتابة فيه، وهو «تراجم اعيان القرن العاشر والحادي عشر». وقد الف الغزي في هذا الموضوع ثلاثة كتب هي: «بلغت الواجد، الكواكب السائرة، لطف السحر». وقد حدد الغزي تراجمه في طبقات وجعل مدتها ثلاثاً وثلاثين سنة، ويبدو ان هذا التحديد تحديد فني لاغير لتسهيل الدراسة وقد يكون للعوامل الدينية الكامنة في نفسه، اثر في هذا التحديد. وقد جمع الغزي في مؤلفه بين اسلوب التأليف في الطبقات والسير بالطريقة المعجمية في ترتيب التراجم المتحصلة لديه، ضمن كل طبقة، وهذا ما سهل عليه تحديد الفترة الزمنية بشكل تقريبي للشخصيات التي لم يعثر على تاريخ وفاتها، فذكرها ضمن الطبقة التي من الممكن ان تكون قد توفيت فيها، او توفيت فيها فعلاً وندرك من خلال قراءة كتاب «لطف السحر وقطف الثمر» ان مؤلفه اختار موضوعاً لكتابة التاريخ كتابة جديدة، فقد اخذ التراجم المعاصرة التي يحرص الناس المعاصرون على تتبع اخبارهم، ولاسيما في ذلك الوقت الذي لم يكن قد عرف الصحافة بعد، ومن هنا تأتي اهمية الكتاب. والمتتبع لتراجم الغزي يدرك ان المؤلف قد اعتمد على مصادر كثيرة، منها اولا مشاهداته ومعايناته الخاصة، وتتبعه لسير الاحداث وحياة الاشخاص الذين عاصرهم وعاش معهم، وثانيا الرواية الشفوية والمصادر المكتوبة، ليكون كتابه سجلا دقيقاً عن تلك الفترة الزمنية وما جرى فيها من احداث. إعداد ـ محمد سطام الفهد