فازت رواية « الغريب » المنشورة سنة 1942 بالمركز الأول في قائمة أفضل كتاب في القرن العشرين كما أظهرها استطلاع للرأي في فرنسا حديثا . بينما فازت الروايات التالية في الاستطلاع نفسه بالمراكز التالية، لمن تقرع الاجراس لارنست هيمنغواي بالمركز الثامن، مئة عام من العزلة لجابريل جارسيا ماركيز بالمركز الثالث والثلاثين، ذهب مع الريح لمرجريت ميتشل بالمركز الثامن والثلاثين، صباح الخير أيها الحزن لفرانسواز ساغان بالمركز الواحد والأربعين، مقتل روجر آكرويد لاجاثا كريستي بالمركز التاسع والأربعين . وبعض هذه الروايات تناولناها في باب « روايات خالدة » . وسواء اتفقنا مع هذا الاستطلاع أم اختلفنا فنحن هنا نضع رواية « الغريب » بين يدي القاريء ليحكم عليها من زاويته هو. تبدأ أحداث الرواية بوفاة والدة بطل الرواية ميرسو: ماتت اليوم أمي، أو ربما ماتت يوم أمس، لا أدري .. ذلك أنني تلقيت برقية من المأوى».. هكذا تبدأ الرواية، وبطل الرواية ميرسو أو ميرسولت شاب يعمل محاسبا بسيطا في مكتب أهلي توفيت والدته بعدما كانت تعيش في ملجأ لكبار السن فيشارك مع إدارة الملجأ في دفنها وبمشاعر باردة وبلا مبالاة دون بكاء أو علامات حزن ظاهرة في الوقت الذي يظهر الحزن والوقار مدير الملجأ وحشد المشيعين . وهو ما يؤخذ على ميرسو فيما بعد أثناء محاكمته بجريمة قتل، وتردد أنه: «دفن أمه بقلب مجرم» . وهو الأمر الذي دفع بالمحكمة إلى أن تكون مهزلة دفعت بها مثل تلك الأقاويل إلى تأويل الأحداث في غير صالح المتهم . يعيش ميرسو في مدينة الجزائر، في مكان ليس ببعيد من البحر حيث يمارس هوايته في السباحة بين الحين والآخر، وسط حي متواضع يعرف الواحد منهم أغلب جيرانه ويحاذر الاختلاط بهم وقد تكيف كل واحد منهم مع الآخرين . وميرسو شاب عديم الطموح بعد أن كان يملك ذلك الطموح يوما ما خلال فترة الدراسة . يعيش حياة التنكر واللامبالاة محاولا الاستمتاع بوقته ما أمكن، فرغم كرهه لأيام الآحاد فإنه يحاول تسلية نفسه في يوم العطلة بالتنزه أو مشاهدة أفلام السينما أولعب الكرة والسباحة . ويرفض ميرسو فرصة ثمينة للعمل في باريس في الفرع الذي قرر فتحه رب العمل هناك ويفضل الحياة في مدينة الجزائر قريبا من عشيقته ماري كاردونا التي يرافقها للسينما بعد عودته من دفن والدته مباشرة دون أن يخبرها بوفاتها، ولكنها تكتشف ذلك من خلال ربطة عنقه السوداء مصادفة. وأهم معارف ميرسو صديقه الوفي «سيليست » صاحب المطعم ببطنه المنتفخ وإزاره وشاربيه الأبيضين . وجاره «سالامانو» العجوز صاحب الكلب المريض بمرض جلدي تساقط فيه شعره حتى تغطى جسمه باللطخات والبقع السوداء ومن طول العشرة بينه وبين كلبه التي امتدت ثماني سنوات أصبحا قريبي الشبه ببعضهما، حيث انتشرت بقع حمراء على وجه «سالامانو» العجوز وغدا شعره مصفرا قصيرا بينما أخذ الكلب من صاحبه احديداب مشيته وبروز أنفه وانحناء عنقه ونظرا لحياة الكلاب القصيرة فإنهما بعد مرور هذه السنوات الثماني أصبحا عجوزين متشابهين كأنهما من فصيلة واحدة. أما جاره الثاني «ريمون سينتيس» المقيم على ثغر الدرج والذي يقولون عنه في الحي انه يعتاش من النساء، ومع ذلك فهو يجيب عندما يسأل عن مهنته انه صاحب مخزن . وعلى العموم فهو رجل غير محبوب كان له الأثر الكبير في تغير مجرى حياة بطل الرواية ميرسو. وريمون ضئيل الجسم ذو منكبين عريضين وأنف كأنوف الملاكمين يرتدي دوما ثيابا مرتبة تجعله كامل الهندام. تودد حتى صاحبَ ميرسو . ولكي يقوي ريمون علآقته مع ميرسو دعاه هو وعشيقته ماري إلى قضاء عطلة على شاطيء البحر عند صديق وهناك يشاهدون عربيين متجهين نحوهم على الشاطيء ويتعرف ريمون على أخ صاحبته السابقة ويجري عراك بينهما ثم ينسحبون، إلا أن الجو يبقى متوترا بعد أن جرح ريمون جروحا طفيفة بالسكين التي كان يحملها أحد العربيين. وهنا يطلب ميرسو أن يحتفظ بالمسدس الذي بحوزة ريمون حماية له من التهور أو الانزلاق باقتراف جريمة . ويحصل ما لم يكن في الحسبان، بالمسدس نفسه يقتل ميرسو العربي بعد أن يلتقيه على شاطيء البحر من جديد وبطريقه مسرحية، فميرسو بعد أن أطلق رصاصة تجاه العربي أردته قتيلا في الحال انتظر قليلا ثم أطلق أربع رصاصات متتالية بطريقة غير مبالية وهي النقطة التي أخذت ضده خلال المحاكمة . وتجري تلك المحاكمة المهزلة التي قال عنها محامي ميرسو : «تلك هي صورة هذه الدعوى .. كل شيء صحيح، وليس شيء صحيحا». ويحكم عليه بالاعدام. وخلال انتظاره لحظة الاعدام تتجلى موهبة الكاتب في وصف مشاعر ميرسو خلالها . ومن خلال جمل قصيرة تضمنتها الرواية نختاربعضها هنا يمكن تخيل ذلك: «وكان يعيب على تلك المقصلة، بعد ذلك أن من يساق إليها يجب عليه أن يتمنى لها حسن العمل لئلا يتعذب .. فإن الآلة تسحق كل شيء يقتل المرء برصانة وهدوء، مع قليل من العار، وكثير من الدقة»: «وكانت أصعب ساعة تمر بي هي تلك التي أعرف أنهم ينفذون الاحكام في مثلها»: «وكنت دائما أتوقع أسوأ احتمال: وهو رفض تخفيض العقوبة، فأقول في نفسي حسنا سأموت اذن، سأموت، قبل الآخرين، وهذا أمر طبيعي . ولكن الناس جميعا يعرفون أن الحياة لا تستحق عناء عيشها». ولد البير كامو سنة 1913، ورغم أنه نشأ يتيما وفقيرا إلا أنه دخل الجامعة في الجزائر وأبدى إهتماما في الرياضة والمسرح . تنقل بين مهن عديدة وعانى طويلا في الشطر الأخير من حياته من مرض السل، وسيطرت عليه فكرة فناء البشر وانعكست هذه الفكرة في مجلداته المعروفة بالمقالات الجزائرية. حاز البير كامو وهو في الرابعة والأربعين من عمره على جائزة نوبل في الأدب، أي سنة 1957 . وحقق نجاحا كبيرا، ولم ينسه ذلك النجاح أيامه الصعبة بل إعتبرها الحافز له على مواصلة طريق النجاح . وانعكست تجربته المريرة في مواجهة الفقر والعوز واليتم في مؤلفاته . وكان من نتيجة ذلك أن عشق الحرية التي قال عنها يوما «لم أتعلم الحرية من كارل ماركس، بل تعلمتها من البؤس». ونظرا لالتصاق حياة كامو بالجزائر وتعلقه بها، مكانا وزمانا، فقد اعتبر الحرب في الجزائر نكبة شخصية بالنسبة له ووجه نداء مخلصا إلى هدنة مدنية ووقفة باسم الذين يأبون القيام بنشر الذعر وتحمله معا . عمل كامو صحافيا في الصحف المعارضة للاحتلال «الجزائر الجمهورية «صحيفة اليسار المتطرف، وكتب العديد من التقارير عن أحوال الفقراء العرب في مناطق القبائل . هذه التقارير التي جمعت فيما بعدت ونشرت مختصرة سنة 1958 . وخلال الحرب العالمية الثانية عمل في الصحافة السرية الفرنسية بعد أن انهارت فرنسا بسرعة أمام الهجمات الألمانية السريعة . وفي تلك الفترة كتب كامو أهم أعماله المتفقة مع آرائه ومعتقداته في اللامعقول ونظرته في أن الحياة الانسانية لا تقدم - وبشكل مطلق - أي معنى بسبب قطع الحياة بالموت . . حقيقة الموت والفناء وأن الفرد لا يستطيع أن يكوّن احساسا عقلانيا لخبراته . ومن هذه الأعمال رواية «الغريب» 1942 واسطورة سيزيف 1942 ومسرحيتان . اكتشف كامو العدمية المعاصرة مع تعاطف معتبر ولكن موقفه تجاه اللامعقول بقي متكافأً. ونظريا فإن منطق فلسفة اللامعقول يستلزم لا مبالاة أخلاقية عالية . وقد وجد كامو مع ذلك أن ليس وسطيته ولا خبرته في فرنسا تسمحان له أن يكون راضيا عن عدم انحيازه الأخلاقي التام . وبرز نمو أفكار كامو عن المسئولية الأخلاقية جزئيا في أربع رسائل بعثها إلى صديق الماني سنة 1945 إضافة إلى عدد من المقالات السياسية عن المقاومة والتمرد والموت . وكان يسعى لاكتشاف طريق التمرد ضد اللامعقول . ففي رواية «الطاعون» المنشورة سنة 1947 خلق رمزية للمنجزات الهامة لأولئك الذين يقاتلون الطاعون في المدينة الجزائرية وهران لا تعتمد على النجاحات الصغيرة التي حققوها بل في إصرارهم على الكرامة الانسانية والاحتمال . قال كامو عن حياته الأدبية بعد أن حاز على جائزة نوبل في الأدب سنة 1975: «انني لا أستطيع العيش بدون فني، إلا أنني لم أضع قط هذا الفن فوق كل اعتبار . فإذا كان الفن ضروريا بالنسبة إليّ فلأنه لا يفصلني عن أحد من الناس، ولأنه يسمح لي أن أحيا كما أنا في مستوى الجميع» . وانتهت حياة البير كامو بطريقة غريبة ومفاجئة من خلال حادث سيارة في الرابع من يناير سنة 1960. إعداد ـ كريم السماوي