يعمل جون كين، مؤلف هذا الكتاب، رئيساً لمدرسة للسياسات في جامعة «تمريفيت» سبق له ونشر العديد من المقالات والدراسات في صحف ودوريات متخصصة مثل «النظرية السياسية» و «نوموس» وهو أحد المساهمين في كتاب «رؤية في المواطنة الاسترالية». «سياسات رأس المال الأخلاقي» هو وكما يدل عنوانه، بحث مثلث الاهتمامات إذ انه يدرس في السياسة و «رأس المال» و «الأخلاق» وإذا كانت «السياسة» قديمة قدم الفكر الانساني فإن الحديث عن «رأس المال الاخلاقي» هو حديث الاستعمال كمفهوم في الفكر السياسي، اذ يأتي في سياق مفهوم آخر سابق هو «رأس المال الانساني». يستهل المؤلف تحليلاته في البحث بماهية السياسة ومرتكزاتها حيث يجد انها مرتبطة في الذهن وفي الواقع غالباً بمنطق القوة، والقوة لها جاذبيتها، عدا انها تشكل وسيلة أساسية من أجل بلوغ الاهداف الاجتماعية المشروعة. ولهذا ليس غريباً ان تقرن الافعال السياسية أحياناً بل غالباً، بالانانية أو الطمع أو الفساد أو الكذب، أو حتى الخيانة، وهكذا قد يضطر العديد من الساسة أصحاب المبادئ والأخلاق إلى الانحراف عن الطريق السوي استجابة لمقتضيات سياسية «ألا تبرر الغاية الوسيلة؟» لكن مفهوم السياسة ذاته يستدعي من رجالها ومؤسساتها خدمة اهداف وقضايا تتجاوز مصالحهم الشخصية، ان هذا يقتضي بالتالي ان يكون لديهم أساس اخلاقي ومبادئ وقيم تكون بمثابة السبيل الذي يؤمن وصولهم إلى اقناع الآخرين بهم، وايلائهم ثقتهم، وعندما يتحلى هذا السياسي أو ذاك وهذه المؤسسة السياسية أو تلك بالمصداقية والصدق والفعالية والاخلاص في خدمة القيم والاهداف المرجوة فإنه يقابل بالاحترام والتقدير، ويمثل بهذا «رأس المال الأخلاقي» المطلوب وهنا يفتح المؤلف قوسين كي يفرق بين «رأس المال الأخلاقي» و «الشعبية» إذ قد يتمتع السياسي بشعبية كبيرة ولا يكون لديه رأس مال أخلاقي أو يكون لديه رصيد كبير من الاخلاق دون ان يكون له شعبية، فالشعبية يمكن ان تشترى وذلك على عكس الاخلاق. وبعد ان يسهب المؤلف في الحديث عن المواصفات التي ينبغي ان يتحلى القادة السياسيون بها كي يكونوا «رأسماليين اخلاقياً» يتحدث عن شخصيتين سياسيتين مرموقتين كان لهما رغم التمايز الكبير في الشخصية والظروف والتوقيت العديد من النقاط المشتركة التي تجمع بينهما، هاتان الشخصيتان هما ابراهام لنكولن وشارل ديجول، فكلاهما كان لديه طموح شديد وثقافة عالية وثقة كبيرة بالنفس، وقد وظفا كلاهما هذه السمات كلها من أجل خدمة أمة وخدمة مبادئها. فبالنسبة لابراهام لنكولن كان يرى في الولايات المتحدة أرضاً لتجربة الحكم الديمقراطي.. أما الجنرال ديجول فقد كان يعتبر فرنسا بمثابة النموذج الأمثل للأمة، هكذا وفي الحالتين كان الانغماس في السياسة يرمي لهدف واحد هو خدمة وطنيهما، لكنهما كانا يمتلكان مع ذلك الذكاء أو الدهاء السياسي لتحييد ألاعيب خصومهما، وقد استخدم كل منهما الوسائل الاعلامية المتاحة بكل حذاقة ومهارة، الصحافة بالنسبة للنكولن، والاذاعة وخاصة التلفزة بالنسبة لديجول كما شغفا كلاهما بالاستراتيجيات الحربية من جهة وبالكتابة من جهة أخرى. وخلف كل منهما دستورا لبلاده لا يزال معمولاً بمعظمه حتى اليوم مع بعض التعديلات إلى هذا الحد أو ذاك. لكن أخلاقية الرجلين لا تنفي واقع وجود خلافات كبيرة بين سيرتيهما اذ ان مجيء ابراهام لنكولن إلى السلطة كان وراء نشوب حرب أهلية، بينما وصول شارل ديجول الى رأسها بهدف منع نشوب الحرب، وحيث دعته جميع القوى السياسية لاستلام قيادة بلاده باعتباره «المنقذ» وكان ديجول رجلاً عسكرياً بينما لم يعرف لنكولن الحياة العسكرية إلا باستثناء تجربة قاتمة كان قد أمضاها مع بعض الميليشيات، ثم هناك قائمة طويلة من التمايزات التي يمكن ذكرها بين الرجلين ولكن المؤلف يؤكد على ما يعتبره أهم ما في حياتيهما، وهو ما يتمثل في «دور ومغزى» رأس المال الاخلاقي». لقد كان لنكولن متنبها جداً لصورته وصورة حكمه في عيون الناس، ولكن جهوده كانت موجهة دائماً نحو المحافظة على المصلحة الاخلاقية لقضية الشمال ولو كان ذلك على حساب رأس المال الاخلاقي الخاص به شخصياً، أما ديجول فقد كان همه متوجها في المقام الأول نحو خلق اسطورة حول شخصه «حول ديجول الذي انقذ وحدة الأمة الفرنسية» ومن المعروف عن الجنرال قوله عندما قصفت الطائرات الألمانية المقر الذي كان قد غادره منذ دقائق فقط: «لقد أنقذت فرنسا، إذ كان انقاذه يعني بالنسبة له انقاذ فرنسا كلها». لقد كرس ديجول شخصه وشخصيته كأساس للسلطة السياسية التي كان على رأسها لكن المسألة لم تكن كذلك بالنسبة لابراهام لنكولن الذي وصل إلى الحكم عن طريقة العملية الانتخابية ديمقراطياً مثل غيره من الرؤساء الأمريكيين، وإذا كان لنكولن محامياً معروفاً وسياسياً يشار إليه بالبنان في ولايته فإنه كان في واقع الأمر مجهولاً إلى حد كبير على الصعيد القومي الأمريكي، غير ان انتخابه وفر له الشرعية الفورية التي لم يستطع منافسوه الاعتراض عليها، وكان الجنرال الفرنسي ديجول بعيداً تماماً عن الحياة السياسية العامة ببلاده حتى نشوب الحرب العالمية الثانية واحتلال النازيين لفرنسا كي يجد ذلك الضابط بالقوات المسلحة نفسه أمام خيار لم يتردد في حسمه عبر رفض مبدأ الهزيمة ورفض حكومة فيشي التي كانت قد تعاونت مع قوات الاحتلال الألماني واتخاذ قرار المقاومة ضد النازيين المحتلين وضد الحكومة العميلة، لم يكن ديجول يملك سوى ارادته وشجاعته وذكائه ودهائه أيضاً، لقد رأى نفسه بمثابة تجسيد لفرنسا الحرة القوية التي لا تستكين ولا تهدأ إلا بعد تحريرها من الحكم الهتلري، كانت تلك هي الخطوة الأولى التي جعلت من هذا الجنرال «محرر» فرنسا عند نهاية الحرب العالمية الثانية، «المحرر ـ الاسطوري» لكن شرعيته اعتمدت أساسا كما يرى مؤلف هذا الكتاب على رأسماله الاخلاقي الشخصي الذي أسبغه على شخصه كممثل حقيقي ومخلص لفرنسا «الحرة». ويرى المؤلف ان التماثل بين رجل وهدف مثالي يسعى له انما يعني أيضاً التماثل بين الرأسمال الاخلاقي للشخص وللقضية التي يدافع عنها، مثال ديجول له دلالته البليغة بهذا الخصوص، ان مصير الاثنين مرتبط لا انفصام له، لكن قد يكون من المفيد الاشارة هنا إلى ان لنكولن قد وصل إلى السلطة في أمريكا ضمن سياق عصيب ولم تكن الصلة بين قضيته الوطنية وشخصه واضحة بشكل واضح، كما كان الأمر بالنسبة لحالة ديجول، وعلى الرغم من دوره الأساسي في الصراع بين الشمال والجنوب فإن معاصريه لم يكونوا يرون به زعيماً لا يمكن استكمال الحرب بدونه، بل يمكن القول بأن الكثيرين كانوا يعتقدون ان وجود رئيس آخر غير لنكولن ربما كان يخدم قضيتهم بشكل أفضل. ولم يتغير مثل هذا الرأي إلا بعد اعادة انتخابه ثم اغتياله، ومع ان رأس المال الاخلاقي للنكولن كان مرتبطاً بقضيته فإن الموقف السياسي الصعب الذي واجهه أكد بأن خدماته الحقيقية للقضية لم تضف بالضرورة إلى رصيده الأخلاقي الشيء الكثير، لكن قتله غيلة وما أحدثه ذلك من صدمة رفع رأسماله الأخلاقي إلى آفاق لم يكن يحلم بها. ويقيم مؤلف هذا الكتاب في أحيان كثيرة نوعاً من الصلة بين رأس المال الاخلاقي وانتهاج خط المعارضة السياسية لما هو قائم، وهكذا يرى في الجنرال شارل ديجول مثلاً نوعاً من «السياسي المنشق» أبدياً، كما تعكس مواقفه طيلة مسيرته السياسية، لقد عارض الجمهورية الثالثة وحكومة «فيشي والجمهورية الرابعة، ثم عارض على رأس الجمهورية الخامسة التي أسسها هو نفسه عام 1958 وصاغ دستورها على قياسه، الكثير من المواقف الدولية، وقد كان هو الذي أخرج بلاده من البنى العسكرية للحلف الأطلسي عام 1965 معارضاً بذلك «الجوقة» الأطلسية التي كانت أوروبا كلها تقريباً «تعزف أنغامها» لكن وفي جميع الحالات كانت «معارضة» ديجول قائمة على أساس مواجهة النظم غير المؤهلة للحفاظ على عظمة فرنسا التي كان يعشقهما «أي العظمة وفرنسا» ولم تكن ضد نظام يحاول اضطهاده أو الحد من حريته. ويرى المؤلف ان المبالغة في تقدير مساهمة المعارضة السياسية في تكوين رأس المال الاخلاقي للسياسيين انما تعود لواقع انها تتضمن في جوهرها نوعاً من رفض شرعية الأنظمة التي تناضل ضدها، وبالتالي يبدو ان هناك أساسا أخلاقيا باستمرار في مواقف السياسيين المنشقين، وقول: «لا» أمام منطق القوة. وهكذا يركز المؤلف على «الطبيعة الدرامية» لسياسة الانشقاق حيث تعبر عن نوع من النزاع بين الخير والقوة التي تحاول قمعه، وهذا يؤدي إلى ظهور أبطال يرمزون إلى القضايا العادلة وان كانت الخاسرة، التي يدافعون عنها ويجسدونها وبحيث يكمن دورهم في ايجاد التلاحم واللقاء بين القوى المعارضة المشتتة، وكان الكاتب الفرنسي البير كامو قد قال ذات يوم «انا مع القضايا الخاسرة» كي يقول «أنا مع القضايا العادلة» ولكن الضعيفة أمام منطق القوة، وبكل الحالات يكون على أولئك الذين يرمزون للقضايا العادلة «الأبطال» كما يصفهم مؤلف هذا الكتاب ان يكونوا قادرين على تكوين رأسمال اخلاقي يكون حافزاً للفعل وتجسيد عمل المعارضة. ويضرب المؤلف على هذا مثال بورما حيث أبرزت المعارضة الديمقراطية «اونج سان سوكيي» التي مثلت نضال شعبها كأحد رموز مقاومة الاضطهاد مما أعطاها رصيداً كبيراً من رأس المال الاخلاقي، ومثال «نلسون مانديلا» في جنوب أفريقيا أحد أبلغ الأمثلة في التاريخ المعاصر عن الشجاعة والبطولة في مقاومة الظلم. وفي سياق المقارنة بين حالتي « سوكيي» و «مانديلا» يجد عدة نقاط مشتركة، فبالاضافة إلى طول الفترة التي امضاها كل منهما في السجن فإنه كان لديهما احساس داخلي بالمصير الذي كان ينتظرهما، فالأولى كانت ترى انها محكوم عليها بالقيام بالدور الذي كان والدها يقوم به، أما مانديلا فقد أعلن وهو في سن الرابعة والعشرين بأنه سيصبح ذات يوم رئيس وزراء جنوب أفريقيا، كما اتبعا كلاهما سياسة استوحياها من مسيرة الزعيم الهندي الكبير المهاتما غاندي، وقد أظهرا مواهب واضحة للزعامة وضحيا بحبهما للأسرة وبمباهج الحياة من أجل خدمة القضايا التي كانا يدافعان عنها، ولقد كان أهم ما ميزهما هو امتلاك رأس المال الأخلاقي الذي أتاح لهما ولوج طريق الزعامة. لكن بعيداً عن نقاط التشابه يعدد المؤلف عددا من أوجه الخلاف إذ أدرك مانديلا منذ بداية عقد الستينيات عدم جدوى الكفاح المسلح ضد التمييز العنصري، فما كان منه سوى ان شكل منظمة عسكرية، أما «سوكيي» فقد عارضت وبشدة اللجوء إلى القوة وذلك خوفاً على اندلاع حرب أهلية، هذا مع العلم ان جزءاً من الجيش كان متعاطفاً معها. قد كانت هويتها العائلية أكبر مصادر رأسمالها الاخلاقي، كما كان هو الحال عامة بالنسبة للنساء اللواتي أصبحن زعيمات سياسيات اثر وصولهن إلى السلطة بسبب اغتيال آبائهن أو أزواجهن. لقد كان كفاح الشعب في بورما كفاحاً سياسياً اشتركت فيه مختلف الطوائف مما أتاح فوز « سوكيي» بالانتخابات وفوزها برصيد كبير ومستمر لرأسمالها الأخلاقي، إن مثل هذا الوضع لم يكن ممكنا في جنوب أفريقيا، فسياسة الابرتهايد كانت تحظر أي اختلاط بين البيض والملونين «السود» حيث ان المنظمات التي كانت تمثل هؤلاء هي بمثابة منظمات خارجة على القانون مع حظر أي نشاط سياسي لها. كما كان لمنظمات البيض القليلة التي كانت تساند قضية السود المعاملة نفسها وبشكل عام واجه «مانديلا» جهازاً قمعياً لا يقبل أية احتجاجات سلمية، ان مانديلا قد كسب مصداقيته عبر سنوات السجن الطويلة وليس من خلال ارثه العائلي. ويدرس المؤلف في أحد فصول هذا الكتاب المسرح السياسي الأمريكي وتحديداً في ظل رئاسة بيل كلينتون وعلاقته بالاخلاقيات وينطلق في تحليلاته من الخطاب الذي القاه كلينتون عن «حالة البلاد» عام 1997 وعبر استطلاعه رأي عدد من الطلبة حول هذا الخطاب الهام عادة بالنسبة لصورة الرئيس الأمريكي أدهشه اجماعهم على انه خطاب لا يحتوي على أي جديد وإنما هو مجرد كلمات جوفاء، وهو يرى في هذا الحكم «الأخلاقي» على الخطاب بمثابة «لغز رئاسة كلينتون» إذ ورغم الافلاس الاخلاقي والفشل السياسي الكبير والفضائح السياسية والمالية والجنسية لا يمكن وصف حكم كلينتون بأنه كان بمثابة «كارثة»، إذ استطاع الفوز مرتين بالرئاسة وبمهارة فائقة ضد الجمهوريين، ويزداد «اللغز» غموضاً عندما نرى ان مختلف التصريحات الصحفية القائلة ان فضائح كلينتون قد اضرت بنفوذه الاخلاقي، وبأنه لابد وان يكون لها آثارها السلبية في الداخل والخارج إنما أظهرت عدم صحتها، إذ وعلى العكس حقق كلينتون عدة نجاحات سياسية على صعيد السياسة الخارجية، كما انه كان وراء الاداء الاقتصادي الجيد للولايات المتحدة. وبنتيجة التحليل يرى المؤلف ان الأداء السياسي والاقتصادي للرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون قد رفعت رغم الانتقادات الشديدة ضد سلوكياته الجنسية من شعبيته حيث ازدادت نسبة مؤيديه من 50% إلى 70% في أوج فضائح لوينسكي مما قد يدل، كما قال البعض على ان الأمريكيين يؤيدون زعماءهم الذين يفتقرون إلى رأس مال أخلاقي طالما انهم يوفرون لهم الرفاهية الاقتصادية والرخاء.