يعمل يوجين روجان استاذاً للتاريخ الحديث في جامعة اكسفورد وهو ايضاً زميل (عقد) في معهد سان أنطوني في الجامعة نفسها (اكسفورد). سبق له وقدّم كتاباً تحت عنوان «حدود الدولة في الحقبة الأخيرة من حياة الامبراطورية العثمانية». ويشارك في هذا الكتاب المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد الذي ينطلق من تجربة حياته الخاصة وتجربة أسرته للحديث عن «النكبة» عندما قامت القوات الصهيونية منذ أواخر عام 1947 بطرد عشرات الآلاف من الفلسطينيين. وعندها لم يكن عمر الفتى «ادوارد سعيد» يتجاوز الاحدى عشرة سنة. وهو يؤكد سيادة «البلاغة الخطابية» والتأكيد على تقديم «حلول عسكرية» لمختلف «المشاكل السياسية»، مما أدى الى زيادة عزلة العالم العربي عن العالم الحديث. بالمقابل تم النظر الى الكيان الاسرائيلي منذ البداية على انه «دولة غربية». ويرى الاستاذ ادوارد سعيد في هذا الاطار بأن نكبة 1948 قد أنتجت في الواقع «خطابها» بالنسبة للطرفين. لكنه يميز بين «الموقع الخاص» الذي أصبح يشهده الفلسطينيون الذين ظلوا تحت نير الاحتلال وبين بقية الفلسطينيين الذين عرفتهم مختلف المهاجر العربية والاجنبية. لكن وبكل الحالات يبقى الفلسطينيون بكل فئاتهم هم «ضحايا» حرب 1948 واليهود هم المنتصرون فيها، لذلك يطالب ادوارد سعيد بضرورة التمييز على مستوى الخطاب المستخدم بين المسيطرين والذين هم تحت سيطرتهم. ويرى ادوارد سعيد بأن الفلسطينيين لايزالون يؤكدون منذ حرب 1948 وحتى اليوم وبمختلف أشكال خطابهم بأنهم موجودون على أرضهم وهو يستشهد على ذلك بقصيدة الشاعر محمود درويش «سجّل أنا عربي» كما انهم يؤكدون حقهم في تقرير المصير، كما يرى بأن حرب 1948 قد تفتح آفاقا واسعة أمام استيقاظ الفكر القومي العربي بمختلف صيغه الايديولوجية على اعتبار ان المسألة الفلسطينية أصبحت قضية العرب الأولى. إن ادوارد سعيد يشرح آليات فعل حرب 1948 بكل ما عرفته المنطقة من احداث بعد ذلك. يتضمن هذا الكتاب عدة دراسات لمؤرخين تناولوا الصراع العربي الاسرائيلي، وتراوحت الآراء بين أولئك الذين اعتبروا بأن حرب 1948 كانت بمثابة «نكبة» حقيقية، وبين أولئك الذين انتهجوا السبيل المعاكس، ورأوا في عام 1948 بداية تحقيق الحلم الصهيوني ولكن في الحالتين يتفق الجميع على ان حرب 1948 قد غيّرت بشكل جذري مسرح الشرق الأوسط السياسي. إذ تم اثر تلك الحرب التي استمرت اقل من عشرين شهراً انها طمست الى حد كبير فلسطين العربية كي تقيم مكانها «الكيان الصهيوني». وقد أدت هزيمة الجيوش العربية الى فقدان الرأي العام العربي لثقته في زعمائه. و بعد ثلاث سنوات فقط من انتهاء تلك الحرب تم اغتيال رئيس وزراء مصر ولبنان وكذلك اغتيال ملك الأردن.. كما حدث انقلابان عسكريان في سوريا ومصر. كما كانت حرب 1948 بداية سلسلة من الأحداث شهدتها الدول العربية وبدت كتداعيات لتلك الحرب وقد تمثلت في حروب عربية ـ اسرائيلية متكررة وحرب باردة في الشرق الأوسط، ثم اتباع سياسة للسلام. المساهمة الأولى في هذا الكتاب هي لـ «رشيد الخالدي» استاذ التاريخ ومدير مركز الدراسات الدولية في جامعة شيكاغو وتحدث فيها عن الفلسطينيين وحرب 1948 وحيث يعود الى شرح السياق التاريخي الذي سبق وأدى الى حرب 1948. انه يعود الى الحديث عن ثورة 1936 ـ 1939 ليقوم بعد ذلك بمقارنة بين الفترتين 36 ـ 39 و47 ـ 48 ليؤكد بأن «النكبة» منقوشة في «الذاكرة الفلسطينية» فيومها فقدوا أرضهم اذ تم تهجير حوالي 1.4 مليون فلسطيني عن ديارهم. ان رشيد الخالد يشرح بكثير من التفاصيل الأحداث التي شهدها صيف 1948، كما يشرح بالتفصيل ايضا الدور البريطاني في قيام اسرائيل. ويخص «شارل ثريب» استاذ سياسات الشرق الأوسط في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن بمساهمته «العرق وحرب 1948: مرآة الفوضى العراقية». ويرى بأن زعماء العراق كانوا هم أول من دعا الى التنسيق من اجل القيام بتدخل عسكري في فلسطين من قبل جيوش الدول العربية. كما ان حكومته قررت آنذاك المطالبة بفرض حظر على النفط وعلى التجارة مع القوى الغربية المؤيدة للتقسيم. ولكن لم يتم اتخاذ أية اجراءات عملية من اجل الانتقال من المطالبة الى التنفيذ، هذا ومع ان العراق لم يشارك في الحرب عام 1948 بفعالية عسكرية فإنه رفض، كما أعلنت الحكومة الاعتراف بالهدنة مع اسرائيل.. ان الكاتب يناقش موقف العراق آنذاك على اساس وجود رجل مثل نوري السعيد على رأس الحكومة التي كانت ذات علاقة وطيدة مع بريطانيا. وفي المحصلة يقول مؤلف هذا الكتاب عن موقف حكومة العراق اثناء حرب 1948 ما مفاده: «ان الاحداث التي شهدها عام 1948 اثبتت عدم التوافق بين الجانبين الخطابي والمادي للسياسات العراقية، لكن هذا لا يمنع واقعاً ان ما كان يجري في فلسطين قد خلق نوعاً من «الديناميكية» الداخلية في السياسات العراقية حيث ان القضية الفلسطينية قد اصبحت مسألة مطروحة على جميع الحكومات والقوى السياسية العراقية. وفي الدراسة التي يقدمها «فواز جرجس» استاذ الشئون الدولية ودراسات الشرق الأوسط في معهد «سارة لورنس» في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية يشرح «موقف مصر» من حرب فلسطين عام 1948. ويرى فواز ان مصر قد عاشت تلك الحرب على انها «صراع دولي» ولكن له «مصالحه الاقليمية».. وهو يحاول ان يحدد حقيقة الموقف المصري آنذاك بأقرب قدر ممكن من الواقعية. ويؤكد الكاتب ان انخراط مصر في حرب 1948 كان قائماً على اساس «اعتبارات سياسية وتكتيكية» وحيث كان الملك فاروق قد قرر دخول بلاده الحرب ضد رأي رئيس وزرائه «محمود النقراشي». ولكن أيضاً ضد رأي الجيش وأغلبية الأحزاب السياسية. لكن بالمقابل يرى «فواز جرجس» انه لا يمكن فهم موقف مصر من حرب فلسطين عام 1948 بمعزل عن السياق التاريخي للعالم العربي في تلك الفترة، وأيضاً عن السياق السياسي الدولي. ويناقش ضمن هذا الاطار العلاقة بين المدنيين والعسكريين في مصر وذلك في وقت يقول فيه ان المؤرخين العرب يغضون عامة الطرف عن مسئولية العسكريين في حرب فلسطين عام 1948 بينما يلقون المسئولية كلها، وعلى الأقل الجزء الأساسي منها على المسئولين السياسيين، وحيث ان القرار السياسي لخوض تلك الحرب لم يكن أقل حماساً من القرارالعسكري، لكن وكل الحالات أدّت الهزيمة العسكرية إلى تعقيد مهمات الحكومات المصرية التي كانت تواجه وضعاً دولياً اقتصادياً بعيداً عن انخراط الضباط أكثر فأكثر في العمل السياسي والتحضير لـ «ثورة» عام 1952م. تجدر الاشارة إلى ان المساهمين في هذا الكتاب يحملون اسرائيل مسئولية كبيرة فيما عرفه الفلسطينيون من تهجير وتشريد، وامتد حول هذا النقاش إلى مجموعة من «المؤرخين الجدد» كما جرت تسميتهم والذين يشككون بالمقولات الأساسية الاسرائيلية بل وبمستقبل اسرائيل ، وهذا ما يبدو في الآراء المقدمة في هذا الكتاب، وهذا ما يقابله تقديم عدد من الباحثين العرب رؤية نقدية للأسباب المتداولة الشائعة حول النكبة وأيضاً حول سير المعارك، وبأن «الانتصارات» العربية كانت كاسحة إلى درجة انها لم يكن قد بقي سوى توجيه «الضربة القاتلة» للعدو.. لكن الضغوط الدولية تحولت عندها إلى تهديدات فرضت الهدنة الأولى على العرب. ان العديد من المساهمين في هذا الكتاب اشاروا أيضاً إلى ان مشاركة بعض البلدان العربية في حرب 1948 كانت «رمزية» حيث تم الاحتفاظ بالقوات الفعالة في الداخل لدرء خطر أية تحركات محتملة يمكن ان تهدد الأنظمة القائمة، كما ان العسكريين العرب لم ينجحوا، كما يشير مساهمون في الكتاب في توحيد خططهم العسكرية لسبب بسيط هو رفضهم لوضع قواتهم تحت أمرة قيادة دول أخرى. كذلك أثيرت في هذا السياق مشكلة نقص المصادر التاريخية التي يعتمدون عليها في تأريخهم لحرب 1948 فاعتمدوا بشكل خاص في عملهم على الذاكرة الجماعية وهذا كله في ظل وجود قيود مفروضة على حرية الرأي العام في معظم البلدان العربية. تجدر الاشارة إلى ان المؤرخ «بيني موريس» وهو يهودي قد طالب باعادة النظر في تهجير الفلسطينيين عام 1948 وتفرد بطرح مشكلة اللاجئين، هذا وقد كانت آراؤه السابقة حول الموضوع قد أثارت «شبه ثورة» داخل الدوائر الاسرائيلية التي اتهمته باسهاب عن طرد الفلسطينيين من الجليل الأعلى في شهر اكتوبر من عام 1948 مع تقديم البراهين على الفظائع التي ارتكبتها القوات الاسرائيلية ضدهم. وعودة في النهاية إلى حديث ادوارد سعيد واستعراضه في مساهمته عواقب حرب 1948 بعد نصف قرن من اندلاعها، ويرى ان الخلل الواضح في موازين القوى بين الاسرائيليين والفلسطينيين وأيضاً التفاوت الكبير على صعيد المؤسسات رغم الجهود الكبيرة التي يبذلها الفلسطينيون لاقامة دولة في غزة وجزء من الضفة الغربية، كل هذا يجعل من المشكوك فيه امكانية التعايش بين دولتين فلسطينية واسرائيلية متجاورتين، وهنا يطرح ادوارد سعيد مقولته حول الحل الأمثل بالنسبة للفلسطينيين والمتمثل في اقامة دولة واحدة لها جنسيتان، وعلى الرغم من ان هذه الفكرة لها مؤيدوها من الجانبين فإن الأغلبية يرون بأنها سابقة لأوانها، وربما قد يمكن النظر فيها بعد عشرات السنوات ووصول أجيال جديدة من الباحثين. حرب 1948 في كتاب جديد.. وبأفكار خاصة