كتب بول والاس، مؤلف هذا الكتاب العديد من الدراسات والقى المحاضرات في الشئون الاقتصادية الدولية، وخاصة من زاوية تأثير التقدم في السن على الاقتصاد المعني بهم. وكان قد عمل لفترة من الزمن محرراً اقتصادياً بصحيفة «الاندبندنت» البريطانية. كما قدم العديد من البرامج الاقتصادية في قنوات التلفزة البريطانية من بينها الـ «بي.بي.سي» «آي. تي. في» و«شانيل فون» تخرج من جامعة كمبردج ومن مدرسة لندن للاقتصاد. موضوع هذا الكتاب هو تأثير تقدم سن البشر على الاوضاع الاقتصادية لبلدانهم وذلك على ضوء تزايد عدد الطاعنين في السن وتضاؤل اعداد الشباب. والكتاب هو اذن مشترك الاهتمام بين الدراسات السكانية ـ الديموغرافية ـ والاقتصاد. ومن المعروف ان مثل هذا الموضوع يشكل شاغلاً اساسياً لدى المجتمعات الغربية الصناعية المتقدمة وفي مقدمتها بلدان القارة الاوروبية القديمة، وذلك ان هذه البلدان تعاني من «شيخوخة» سكانها بفعل عاملين اساسيين هما زيادة معدل الاعمار مع تقدم العلوم الطبية الملموس وتأمين درجة اكبر من الوقاية الصحية من جهة وتحديد النسل من جهة اخرى. واذا كانت هذه الظاهرة مصدر قلق كبير حيال المستقبل القريب بالنسبة لمجموعة من البلدان الصناعية الاوروبية، فان المؤلف يشير الى ان الجنس البشري كان طوال التاريخ يتميز بصغر سن ابنائه. هذا وقد كان القرن العشرين قد شهد تزايداً كبيرا في ايقاع تعاظم عدد سكان المعمورة الذين فاق عددهم عند نهاية القرن العشرين الستة مليارات نسمة، غير ان القرن الحادي والعشرين سيشهد، كما تدل مختلف الدراسات والاحصائيات وتوقعات الاخصائيين تزايداً في معدل الاعمار بشكل ملحوظ، وهذا ما يطلق عليه المؤلف تسمية «زلزال تقدم السن» والذي سوف تنعكس آثاره على كافة نواحي حياة البشر وفي شتى بقاع المعمورة. ان الاثر الاول لمثل هذه الظاهرة تزايد اعداد الطاعنين في السن ـ سيشهده مجال الاستخدام وفرص العمل مما سيؤدي بالضرورة الى العمل من اجل صياغات جديدة لاقتصادات مختلف البلدان وسيترتب عليه ثورة حقيقية في عالم المال.. وستكون آثار هذه «الثورة» بادية بالنسبة لكل فرد وكذلك بالنسبة لجميع شرائح السن مهما اختلفت اعمارهم. وضمن النهج نفسه من التحليل يؤكد مؤلف هذا الكتاب بان ظاهرة التقدم في السن سوف تجد صداها لدى مختلف بورصات العالم، وكذلك لدى المستثمرين والشركات والحكومات بل ولدى المواطنين العاديين. ان زلزال التقدم في السن يشكل ايضاً، كما تدل التحليلات المقدمة في هذا الكتاب، اعلاناً عن منعطف حاسم في الواقع الديموغرافي الذي عرفته الانسانية حتى اللحظة الراهنة. انه يمثل الانتقال من منظومة سكانية كانت تتسم بوجود عدد اكبر من الشباب قياساً بعدد المسنين. لكن اليوم وللمرة الاولى في تاريخ البشرية يتجاوز عدد المسنين عدد الشباب مما سيؤدي بالضرورة الى تحولات كبيرة في «هيكلية» المجتمع. والصورة التي يتخيلها المؤلف لهيكل الاعمار هي على هيئة هرم يمثل الشباب قاعدته العريضة بينما يشكل المسنون رأسه. تلك كانت هي «المعادلة» التاريخية للانسانية منذ بداياتها. لكن ما كان سائداً لم يعد كذلك، اذ ان ما يتم وصفه بـ «الزلزال» قد قلب الهرم رأساً على عقب مما يعني ان المستقبل سيشهد تحولات هائلة على هذا الاساس الجديد. وما يتم تأكيده في تحليلات بول والاس هو ان البوادر الاولى لـ «زلزال الاعمار» قد بدأت تظهر على السطح بالنسبة لبلدان عديدة في العالم المتقدم بشكل خاص، مما ينبئ بـ «مستقبل» مغاير الى حد كبير عما هو سائد اليوم فيها. وتدل مؤشرات كثيرة على ان الولايات المتحدة الامريكية واستراليا ستكونان في مقدمة البلدان التي سيصيبها الزلزال، لكنها لن تكون الوحيدة فآثار الهزة سوف تطال باقي انحاء العالم ولكن بـ «قوة متفاوتة» ذلك لأن العديد من التقديرات تشير مثلا الى ان بلاد مثل الصين سوف تعرف متوسط عمر يتجاوز في أفق عام 2025 ما هو قائم في بريطانيا اليوم. ومن خصائص «الزلزال» القادم عدم صعوبة التنبؤ به اذ ان المقدمات المتوفرة تسمح باستقراء النتائج بهذا القدر من الدقة او ذاك. ذلك ان العاملين الذين سوف «يحتلون» سوق العمل في افق 2020 قد ولدوا بالفعل. كما ان الذين تنتظرهم الاحالة على المعاش او التقاعد في عام 2030 لا يزالون على قيد الحياة. ان المؤلف يحدد عاملين اساسيين يرى انهما في صميم الحركة التي تدفع العالم تجاه «الزلزال» الذي تلوح تباشيره. هذا ان العاملان هما الخصوبة والتناسل من جهة وارتفاع معدل متوسط العمر من جهة اخرى. وتتمثل الحالة التي يدرسها لتقديم البراهين على مثل هذه الآراء في الاتحاد الأوروبي حيث تدل الاحصائيات الرسمية الى ان معدل المواليد قد انخفض في دول هذا الاتحاد ـ كمعدل وسطي ـ عام 1999 الى ادنى مستوى له منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. كما تدل الاحصائيات المقدمة ضمن الاطار نفسه الى ان بلدا متقدما آخر هو «اليابان» سيشهد بداية انخفاض مؤشر تعداد سكانه خلال سنوات قليلة مقبلة. لكن، وعلى عكس ما يمكن ان تبدو عليه الصورة، يبدو ان معالجة مثل هذا الوضع من خلال رفع نسبة الولادات غير ممكن. فوفقا لتقارير الاجهزة المختصة في الامم المتحدة فان خيار زيادة النسل في بلد ما يعاني من انخفاض نسبة مواليده لا يؤدي بالضرورة الى النتائج المرجوة فـ «التاريخ قد علمنا بأنه لا توجد دولة استطاعت ان ترفع معدل مواليدها خلال فترة طويلة نسبيا، اذا كان هذا المعدل قد بدأ بالهبوط» اضف الى هذا واقع ازدياد معدل متوسط العمر المتوقع يواصل ارتفاعه في الدولة المتقدمة، وغيرها على الاغلب، وذلك بنسب متفاوتة مما يؤدي الى حدوث ارتباك في التقديرات المحتملة «الرسمية» للدول. وتشير دراسات اجرتها السلطات الامريكية المختصة الى ان معدلات متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة، والتي تقوم على اساسها حسابات الضمان الاجتماعي والصحي، تدعو الى التشاؤم جدا. كذلك كان انخفاض معدل الوفيات في استراليا في مطلع السبعينيات يفوق معدله في التسعينيات بمقدار الثلث. ولعل من أهم ميزات هذا الكتاب تقديمه لصورة «بانورامية» للوضع الديموغرافي في العالم ـ المتقدم بشكل خاص ـ عبر عملية مقارنات لها دلالاتها المستقبلية. اذ ورغم النجاحات الهائلة التي تم تحقيقها في مجال رفع متوسط العمر المتوقع في الولايات المتحدة فان مخططي الضمان الاجتماعي يرون بأن هذا المعدل بالنسبة للنساء الامريكيات لن يصل الى نظيره الحالي لدى النساء اليابانيات. سوى في افق عام 2055 بالمقابل لا يعتقد المؤلف بأن تقديرات المسئولين الامريكيين تقارب الحقيقة تماما حيث انها لم تأخذ بالاعتبار، حسب رأيه، تأثر التقدم في مجال صناعة الأدوية وتقنيات العلاج على حياة الانسان. كما ان التحسن الذي طرأ على صحة الاطفال خلال فترة 19201950 قد وضع اسسا راسخة لتحقيق مكاسب هامة على صعيد رفع معدل العمر المتوقع لهؤلاء الاطفال في مراحل حياتهم اللاحقة. ويؤكد المؤلف ضمن هذا الاطار، بأن رفع معدل العمر المتوقع كان احد الانجازات الرائعة للقرن العشرين والتي ستستمر في القرن الحادي والعشرين. الا انه اشار الى ان الوسائل الحالية لتقييم الرخاء الاقتصادي والاداء الاقتصادي السليم لا تأخذ باعتبارها طول عمر الانسان. وهذا الامر ينبغي ان يتغير. فالتقديرات الحديثة في الولايات المتحدة تشير الى ان الوفيات الناتجة عن امراض القلب قد بلغت تكاليفها 1.5 تريليون دولار سنويا خلال الفترة الواقعة بين عقدي السبعينيات والتسعينيات. ان مثل هذا المبلغ يمثل ثلث الانتاج القومي، وهذا يبدو باهظا الى اقصى الحدود. وهناك بعد هام يتم اغفاله في مسألة متوسط العمر المتوقع وهو انه يمثل احد افضل الوسائل للتنبؤ بالانتعاش الاقتصادي في الدول النامية. فيما ان الناس يتوقعون الاستمرار في الحياة طويلا هم وابناؤهم.. فانهم يزيدون من رفع مدخراتهم ويخصصون مزيدا من الاموال للتعليم. ان التجربة الآسيوية هي برأي المؤلف، شاهد على ذلك، ويقول ان المعجزة الاقتصادية في آسيا والانتعاش الاقتصادي المذهل الذي بدأ هناك منذ مطلع عقد الستينيات قد انطلق من الظروف السكانية المواتية. ويذكر المؤلف بهذا الصدد انه نبه خلال الازمة المالية الكبيرة التي مرت بها البلدان الاسيوية الى ضرورة ان يأخذ المستثمرون باعتبارهم البعد السكاني في اسيا. ويؤكد المؤلف على ايمانه بأن ارتفاع معدل متوسط العمر المتوقع في الدول النامية لابد وان يؤدي الى بلوغ المعجزة الاقتصادية بلدان عديدة في آسيا وأمريكا اللاتينية خلال النصف الأول من القرن الحادي والعشرين. ولكنه يحذر في الوقت نفسه من اغفال العواقب المترتبة على مرض نقص المناعة المكتسب «الايدز» الذي يتسبب في خفض رهيب لمعدل متوسط العمر المتوقع في افريقيا. ان هذا المرض لا يشكل بنظره مجرد كارثة انسانية، بل انه كارثة اقتصادية ايضا. قضاؤه على الشباب وهم في ريعان العمر يدفع بأكثر البلدان فقرا الى كارثة اقتصادية رهيبة. واذا كان المؤلف يؤكد في مجمل تحليلاته على انه اذا كان من المرغوب فيه رفع معدل متوسط الاعمار، فانه من المرغوب ايضا الحد من المواليد حيث ان النساء في الدول المتقدمة تواجه مشاكل التوازن بين تربية الاطفال والانخراط في تجربة العمل. كذلك فان تكوين اسر صغيرة في البلدان النامية يساعد على انضمام المرأة الى سوق العمل مما يزيد بالتالي من هامش حريتها، كما يكون له اثاره الايجابية على الصعيد الاقتصادي وبما يساعد على مصادر لزيادة الاستثمارات. ثم ان الحد من التزايد السكاني الكبير له آثاره على مستوى حماية البيئة، وخاصة بالنسبة للدول المتقدمة، ذلك ان مولد طفل «امريكي» يزيد في اسباب الضغط على البيئة اكثر من ميلاد عشرة اطفال في الدول الفقيرة. ان «زلزال الاعمار» له اذن جانبيه: القاتم والمضيء، اذ في الوقت الذي تتزايد فيه اعداد المسنين وتتناقص اعداد الشباب وتتضاعف اعباء العناية بشريحة «العمر الثالث» اي سن الشيخوخة، مما سيؤدي في المستقبل المنظور الى رفع التكاليف لدرجة لن تستطيع بلدان عديدة السيطرة عليها، اذا لم تجر اصلاحات سريعة اكيدة في مجالات الضمان الاجتماعي والصحة. ففي ايطاليا مثلا تمثل نفقات المحالين على المعاش سبع اجمالي الناتج القومي على الرغم من ان معدل المسنين بالنسبة للقوة العاملة سيتضاعف خلال الثلاثين سنة المقبلة، وكلما تأخر الاصلاح ستكون الخسائر أكثر فداحة اذ ان المنظومات المطبقة على صعيد الحماية الاجتماعية والصحة حاليا قد تم وضعها حينما كانت الاغلبية من الشباب، ولذلك يتعين اعادة النظر في هذه المنظومات وتعديلها بحيث تتناسب مع التطورات الجديدة. وينتقد المؤلف بشدة نظام الاحالة الى المعاش المبكر ويقول بأن مثل هذا النظام ربما كان مفيدا في السابق، ولكنه الآن عديم الجدوى اذ ان البشر يعيشون لزمن اطول ولذلك يجب ان يعملوا ايضا لزمن اطول. كما يطالب بضرورة اتخاذ قرارات صعبة كي يستطيع الناس العيش في رخاء ضمن ظروف العصر «الديموغرافي» الجديد. ويرفض لجوء العديد من المسئولين الى الحلول السهلة المؤقتة من اجل تفادي التصدي بجدية للتحديات الجديدة، كما يرفض ما يتصوره البعض بأن عصر الانترنت سيأتي بثروات لا حد لها بحيث يمكن ان تحل مشاكل المسنين. فاذا كانت هناك احتمالات لحدوث طفرات اقتصادية على المدى القصير فانه من المشكوك فيه ان يستمر الانتعاش الاقتصادي لوقت طويل. وحتى اذا كانت هناك آمال في استمرار النمو الاقتصادي فان «زلزال الاعمار» سيقضي عليها، وهو زلزال قادم «شئنا أم أبينا» ينذرنا المؤلف مؤكدا بأن هذا الزلزال سيصيغ النموذج الديموغرافي الجديد لحياتنا في المستقبل. ويؤكد بهذا الصدد بأن التركيبة العرقية «ستتغير في بلدان عديدة. ففي الولايات المتحدة سيصل عدد البيض من غير اصل اسباني في افق عام 2050 الى نصف عدد مجموع الامريكيين ويبدو في هذا السياق بأن المدن الكبرى في الدول المتقدمة تمثل صورة «مسبقة» لما سيكون الامر عليه غدا. فربع سكان مدينة لندن اليوم هم من الأقليات. ومن خلال التركيز على بحث الحالة الامريكية يرى المؤلف بأن الولايات المتحدة تتجه نحو ايجاد نوع من التوازن على صعيد سياسة العمل حيث بدأت بعض الشركات الامريكية فعليا بتوفير الفرص الخاصة بالابقاء على كبار المديرين بها، في ظل اعادة النظر في تعريف الاحالة على المعاش، وبهذا المعنى يرى المؤلف بأن سن المعاش لم يعد كـ «جدار برلين» الفاصل بين العمل وعدم العمل. وفي المحصلة يؤكد مؤلف هذا الكتاب بأن النموذج الديموغرافي الجديد سيتم تعميمه على سائر انحاء العالم. كما انه سيعيش بتشكيل النظام الاقتصادي العالمي مما سيكون سببا في اثارة مشاكل اجتماعية واقتصادية كبيرة في البلدان المتقدمة خاصة. ان تجنب وقوع زلزال تقدم السن امر غير ممكن حسب رأي «بول والاس» ولكن يمكن الاستعداد له في افق اتخاذ الاجراءات التي «تقينا تداعياته» المطلوب هو السرعة في التحرك دون اي ابطاء والقيام باعادة نظر جذرية في منظومات الضمان الاجتماعي والصحي والتخلي عن فكرة تحديد سن معينة للاحالة على المعاش وترك الناس يعملون طالما انهم قادرون على العمل