ما ان يرفع المؤذن صوته مناديا لصلاة الفجر حتى تكون قد تأهبت تحسبا لأي هجوم مباغت حتى وأنت تعيش في هذه الضاحية المتواضعة الواقعة في احدى المدن القريبة من العاصمة الجنوب افريقية جوهانسبرج المكان الذي تحول بمرور الوقت الى جنة مؤقتة تؤوي آلاف السكان من اللاجئين الصوماليين الذين يعيشون في جنوب افريقيا، والتي لم يعد احد من المقيمين فيه يشعر بالغربة، بما سبب هذا النداء الذي يتردد خمس مرات في اليوم فيشعرك بالنشوة ويذكرك بطفولتك ومدارس تحفيظ القرآن المؤسسات التي كانت تجمعنا كأفراد مجتمع واحد. ولد الروائي العالمي نور الدين فرح في الصومال في سنة 1945 لأب يعمل في التجارة وأم تنظم الشعر وفي حين يطرح لك هو صورة مشابهة للعصور التي يقدمها جيمس جويس في رواياته عن دبلن تعبر عن علاقته ببلاده العاصمة الصومالية مقديشو التي امضى معظم حياته بعيدا عنها في منفاه الاجباري وعلى الرغم من ان الصوماليين الذين كتب عنهم فرح في اعماله الروائية هم من الاشخاص الذين يواصلون كفاحهم في الداخل الا ان احد هذه الاعمال يسلط الضوء على حياة الكثيرين ممن اضطرتهم الحرب الى مغادرة بلادهم والاقامة في اماكن متفرقة من العالم وهو اول اعماله غير الروائية «الامس هو الغد، اصوات من الشتات الصومالية» ويشتمل كتاب الامس هو الغد عى العديد من المقابلات الصحافية مع مجموعة من اهم الشخصيات الصومالية المقيمة في المنفى في دول منها بريطانيا وايطاليا وسويسرا والسويد وهما دولتان مشهورتان بالاغداق في مجال المساعدات المادية التي تقدمانها الى اللاجئين. يقول نور الدين فرح: لقد استغرقت عملية نشر هذا الكتاب عددا من السنوات بسبب ظروفي المادية فقد كنت مضطرا الى العمل لتأمين تكاليف طباعته ولذلك فقد واصلت كتابة الاعمال الروائية ونشرها والسعي الى مقابلة الاشخاص الذين كان لابد لي من الالتقاء بهم والتعرف اليهم كما كنت مضطرا الى ترجمة ما يقوله بعضهم مما كان يتطلب المزيد من الوقت. وعلى الرغم من ذلك فقد كانت لي أسبابي الاخرى الكامنة وراء عدم نشره مباشرة فلم اكن اريد له ان يكون عرضة لصرف النظر عنه باعتباره مجرد كتاب آخر يتحدث عن اوضاع اللاجئين. ففي هذه الاثناء قمت بحذف الاجزاء غير الضرورية منه وكما اتصور فإن كل كتاب يجب ان يشتمل على الاهداف التي تجعله يقرأ ويمتع من يقرأه حتى بعد مرور عشر سنوات على صدوره. لقد خلصته من كل ما رأيت انه غير ضروري وغير مفيد في التعريف بمشكلة اللاجئين وفي التعريف بهذه المشاعر التي تعتريك وأنت تعيش في وطن ليس وطنك في الاساس وانما هو وطن للآخرين. بعد عودته من جيبوتي حيث عقد احد مؤتمرات الكتاب الافارقة وجيبوتي هي مستعمرة فرنسية سابقة مطلة على البحر الاحمر متاخمة لمنطقة القرن الافريقي العاصفة بالقلاقل والحروب وبالتحديد المكان الذي تقع فيه احداث جزئية من ثلاثيته «دم في الشمس» هما «الخرائط» و«الهدايا» اصدر فرح الجزء الروائي تحت عنوان «الاشرار» والواقع ان هذه السلسلة من الاعمال تؤرخ للاحداث الدامية في هذا الجزء من القارة الافريقية عبر الرصد الدقيق لتفاصيل الحياة اليومية وتقاليد الطبقة البرجوازية الوسطى في العاصمة مقديشو والتأثير المدمر للنزعة القومية والاوضاع المأساوية التي يعيشها الاطفال في الجزء الشرقي من القارة الافريقية والاكثر من ذلك ان هذا المشهد يتم التعبير عنه بلغة مكثفة واسلوب شديد التعقيد لا يمكن ان يفهمه بسهولة الا اولئك الذين يعرفون شيئا عن هذه التفاصيل او الخصوصية المميزة للمجتمع الصومالي. ان رواية نور الدين فرح ان كانت تظهر بهذا المستوى من التعقيد فإن ذلك بلا شك يعود الى انها تغوص عميقا في البواعث الحقيقية لابطالها وهم اما شباب فقدوا اهلهم في الحرب وعاشوا حياة التمزق بين الانخراط في صفوف مقاتلي جبهة تحرير الصومال والحياة الشديدة الصعوبة في العاصمة الصومالية في الخرائط واما نساء ارامل كما في الهدايا يعشن ممزقات بين حياتهن الخاصة وبين حياتهن مع اطفالهن. وحتى بداية ظهوره كروائي كان حضوره في الساحة الثقافية العالمية مثيرا للجدل فمنذ سنة 1981 اقترن هذا الظهور المفاجيء لكاتب لم يكن اسمه مألوفا بحرصه على الظهور بصورة الواثق من نفسه اثناء قراءته بعض النماذج القصصية باللغة الانجليزية على جمهور من كتاب دول الكومنولوث في فرانكفورت مخيبا بذلك آمال الذين لم يتوقعوا له الظهور بتلك الصورة بالنظر الى الصعوبة التي كان يتعامل بها مع اللغة الانجليزية. بعد نشره رواية «الابرة العارية» سنة 1976 وجهت الى نور الدين فرح تهمة الخيانة التي تم ابلاغه بها وهو يوشك على مغادرة العاصمة الايطالية الى مقديشيو وفي تلك الاثناء تم تحذيره من العودة الى الصومال وسط اشاعات بالتهديد بسجنه كمنشق او حتى اعدامه وفي وقت لاحق علق على ذلك بقوله «لقد قررت الاقامة في شقة احد الاصدقاء في روما واذا كانت عودتي الى بلدي غير ممكنة فبامكاني التفكير في العيش في اي بلد افريقي آخر لكن رواية نور الدين فرح ومنذ ذلك الحين ظلت تهاجم الاتوقراطية الماركسية. بالاضافة الى عمله استاذا زائرا في عدد من الجامعات الامريكية اقام فرح في دول افريقية عديدة منها نيجيريا وزامبيا والسودان واثيوبيا وأوغندا وجنوب افريقيا غير انه وبسؤاله عما اذا كان قد تحول الى رمز للارتحال هذا الطقس البدوي الافريقي الشهير اجاب «حسنا ان ما يسعى اليه البدو الرحل من وراء تنقلهم من مكان الى آخر هو، ممارسة مهنة الرعي اما انا فلست اكثر من متنقل يحاول ان يجرب كل مفردة ثقافية من مفردات القارة التي ينتمي اليها. على الرغم من نشره الاجزاء الثلاثة التي تتألف منها ثلاثية «دم في الشمس» في الولايات المتحدة وعلى الرغم مما لقيته من ترحيب حار في الاوساط النقدية الامريكية الا ان ظهوره على الساحة العالمية لم يبدأ قبل سنة 1987 وهي السنة التي اعاد فيها نشر الجزء الاول (الخرائط). يتذكر فرح ذلك بقوله «لقد اثار هذا النجاح الذي حققته رواية الخرائط لوحدها سخطي لانني اصبحت في ذلك القفص مؤلف عمل روائي واحد فقط هو الخرائط.. لكن ما جعل هذه الرواية تأسر عقولهم في الاوساط الاكاديمية هو كما اتصور انها كانت قد ظهرت في وقت اعتبرها هؤلاء فيه العمل الافضل الذي يدور موضوعه حول القومية وانتحارها الذاتي، وكان هذا الكتاب يدرس في كل الجامعات الامريكية التي كان فرح قد عمل فيها استاذا لأدب مرحلة ما بعد الاستقلال. «دعني اقولها لك بصراحة فبينما كنت اقوم بتدريس نماذج كتبها آخرون لم اكن قادرا على تدريس الاجزاء المتعلقة بأعمالي الروائية». يتحدث نور الدين فرح عن رواياته الثلاث بحماس شديد «هذه الاعمال الثلاثة غيرت مجرى حياتي» في سنة 1997 اشترت «اوركيد» (دار نشر) رواية الاسرار. كما اشترت الخرائط والهدايا وصممت لها اغلفة مع بعضها اشرف عليها «مكدونالد» اما المراجعات والعروض ووجهات النظر فقد ظهرت بشكل متميز واحداهما كانت صحيفة نيويورك تايمز لعروض الكتب فقد كتبت تقول: «ان فرح هو اهم روائي افريقي في الخمس والعشرين سنة الاخيرة». بالنسبة لفرح فإن نقطة التحول في علاقته بالولايات المتحدة قد جاءت في وقت متأخر من سنة 1998 لدى حصوله على جائزة نيوستادت العالمية للادب واختياره من بين اسماء كثيرة وردت في القائمة الاخيرة من بينها «جون اشبري» و«ادرين ريتش» و«فيليب روث» وبعد ذلك ظهر اسمه على صفحات مجلة «وورلد لترتشر» الصادرة عن جامعة اوكلاهوما راعية الجائزة وكانت المجلة قد خصصت عددها الصادر في خريف سنة 1998 لعرض سيرة حياة نور الدين فرح واعماله اما الآن وفي الاخيرة حيث اصبحت اعماله تجتذب اهتمام النقاد الذين نذكر منهم «ديريك رايت» في دراسته «روايات نور الدين فرح» سنة 1994 و«نور الدين فرح» وهي الدراسة التي قامت بها «باتريشيا الدن ولويس ترليمين» ودراسة خاصة بمجلة «وورلد اوثررز سيريز» فإن السؤال الذي يمكن توجيهه الى فرح لابد ان يتعلق بالكيفية التي يتعامل بواسطتها مع كل هذه الكتابات النقدية «الملفات الروائية». يتلخص رأي نور الدين فرح في هذه الملفات الثانوية بقوله «ان الملفات الثانوية لا يمكنها ان تظهر قبل ظهور الملفات الاولى كما ان الاولى لا يمكنها ان تستمر وتتطور في ظل التجاهل التام الذي قد تلقاه من الرواية. وعموما فان النقاد الذي يكتبون عن اعمالي ومنهم مترمتي الى اللغة الفرنسية «جاكلين باردولف» قد تحولوا الى اصدقاء لي وعلى الرغم من ذلك فإننا لا نتحدث عن الكتب عندما نلتقي فأنا احاول الابتعاد عن هذا كله لأنني لا أتمنى ان يكون لي تأثير فيما يمكن ان يقوله هؤلاء عني وبدلا من ذلك فأنا متأثر بعوالم لكتاب آخرين منهم على سبيل المثال «تشينوا شيبي» و«دوريس لسبخ» و«ديريال والكوت». بعد النجاح الذي حققته رواية الاسرار (الجزء الاول من ثلاثية دم في الشمس) بدأ فرح جولة ترويجية نظمتها له مؤسسة اوركيد للنشر بسؤاله عن هذا الحدث اجاب «لأنني استطعت ومن خلال تلك الصلة ان التقي بقراء نور الدين فرح الاكثر اعجابا بكتاباته ومع ذلك فأنت تعرف ان لكل واحدة من رواياتي محبيها. وأنا اعتبر نفسي محظوظا لأنني لا أشعر بالقلق تجاه هذه الاعمال فهي تروج لنفسها بطريقتها الخاصة. مريم جمعة فرج