بعد كتابه «اللايقين السلمي» الذي حلل فيه الاوضاع اللبنانية بعد الحرب الاهلية، يعود الكاتب الصحفي محمود حيدر من جديد لقراءة سيرة الاحتلال الاسرائيلي للبنان بين عامي 1976 و 2000 وهي المرحلة الحافلة بأحداث خطيرة وحروب لم تهدأ منذ لحظة بداية الحلم الصهيوني في امكانية التبييء في جغرافيا معادية، وحتى لحظة انكسار هذا الحلم مع خروجه من الجنوب اللبناني في الخامس والعشرين من مايو 2000 وانهيار مقولة «الجدار الطيب» التي حاول تكريسها عبر منطق القوة والجدار الطيب بهذا المعنى سيكون صيغة سياسية حلمية انتجتها اسرائيل في العام ذاته سعيا منها للعيش في حاضنة طبيعية تمنحها الامن بعد شتات طال، وعلى ابناء الحاضنة الشرعيين ان يقبلوا في هذه الحال محتلهم الطيب، والذي يمكن ان يظل طيبا فيما اذا سهرنا على امنه بداية من رأس الناقورة وحتى سفوح جبل الشيخ. والكتاب بهذا المعنى ليس كتاب تاريخ للاحتلال الاسرائيلي للبنان، بمقدار ما هو قراءة للعقل السياسي الاسرائيلي ولاستراتيجياته الامنية التي بدأت مع سياسة تحقيق الامن بواسطة الحروب الخاطفة، ثم المتغيرات التي طالت هذا المفهوم بعد هزيمة اكتوبر 1973 والعمل على ممارسة الهجوم السياسي على دول الطوق باستثناء لبنان الذي كان يعتبر الحلقة الاضعف والتي يمكن ان تؤثر على العرب والى ذلك فان الكاتب سوف يقسم السياسات الامنية الاسرائيلية تجاه لبنان الى خمس مراحل: 1ـ مرحلة ماقبل 1975 التي استنزفت قواعد الفدائيين والغارة على مطار بيروت الدولي، ثم اغتيال قادة فتح الثلاثة وما تلاها من عمليات كوماندوز. 2ـ مرحلة انفجار الحرب الاهلية 1975، واتساع هامش اللعب الاسرائيلي، ليصبح لبنان عرضة لاختراقات على جبهتي الجنوب والداخل في آن، فعملت اسرائيل على التعاطي مع هذا الوضع بمفهوم امني مزدوج: جانبه الاول هجومي ضد المقاومة الوطنية والفلسطينية بشن ضربات وقائية من الجو والبر والبحر، وجانبه الثاني التسلل السياسي الاستخباراتي لاختراق الداخل اللبناني الذي كان مؤهلا لمثل هذا الاختراق بفعل التمزق الاهلي. 3ـ مرحلة حرب 16 مارس 1987 والنتائج التي ترتب على اجتياح الجنوب حتى حدود نهر الليطاني شمالا، وتأسيس ما سمي بالحزام الامني بالاضافة الى اقامة منطقة دولية عازلة بواسطة قوة متعددة الجنسيات. 4ـ مرحلة غزو لبنان صيف 1982، وفيها بلغت مفاهيم الامن ذروتها من خلال تحقيق هدفين استراتيجيين: تدمير البنية العسكرية الفلسطينية تدميرا تاما، واخراج منظمة التحرير نهائيا من لبنان، وقد حصل. واقامة نظام حكم يعقد معها معاهدة صلح. وكان اتفاق السابع عشر من مايو 1983 التعبير الاوضح عن هذا الهدف. 5ـ مرحلة مؤتمر السلام 1991 وسعي اسرائيل الى تكريس مفهوم للامن يتحقق بواسطة المفاوضات، مالم يمكن استكمال تحقيقه من خلال نظرية الهجوم القتالي او نظرية الضربات الفولاذية والى ذلك سيوضح الكاتب الى ان نقل هذا المفهوم الى المسار اللبناني سيخضع لآلية معقدة عنوانها العام المزاوجة بين المفاوضات واستمرار العمليات العسكرية. وبالتالي فان هذه المراحل الخمس هي عبارة عن سلسلة متصلة الف بينها منطق داخلي، واحد، مؤداه الاخير بلوغ مفهوم امني يقضي بجعل الضفة الشمالية مع لبنان بمثابة سياج امني لا تشوبه شائبة. يرى ان هذا التداخل ادى في جانب مقابل الى اضطراب الرؤية الاسرائيلية وربما لهذا السبب، وكذلك لسبب آخر هو استمرار المقاومة في الجنوب، راحت اسرائيل تواصل عملياتها الحربية على الاراضي اللبنانية الى جانب مواصلة التفاوض مع الحكومة اللبنانية خلال عقد التسعينيات، والسجال الذي دار بين النخب السياسية والعسكرية الاسرائيلية حول نظرية الامن المطلق التي تبناها شارون والتي تبيح لاسرائيل اجتياز خط وقف اطلاق النار سواء من اجل غارة قصيرة او من اجل بقاء احتلالي طويل لاربع حالات هي: ازالة اسباب الحرب الصغيرة والارهاب والتخريب. مد يد العون لحلفاء محتملين، في حال حدوث خطر يهدد الوضع الراهن في احدى الدول المجاورة. واخيرا في حال الهجوم، او حشد القوات المعادية بغاية الهجوم. وسيعتبر الكاتب ان الحزام الامني او المنطقة الامنية من اهم واخطر ما انجزته اسرائيل عبر اجتياحين متتاليين الاول في عام 1978، والثاني في عام 1982 بمبرر ان اسرائيل بحاجة الى منطقة امنية في لبنان نظرا لعدم وجود سلطة حقيقية فيه. ولكن هذا الحزام الذي اعتبرته اسرائيل ضرورة حيوية، انما كان بمثابة طوق نجاة مثقوب على حد تعبير الكاتب، حيث انه بات يشكل عبئا على المؤسسة العسكرية الاسرائيلية. ان من جانب الدعم المالي لبضعة آلاف من عناصر جيش لبنان الجنوبي الذي تزعمه انطوان لحد او من الناحية الامنية، حيث استطاعت المقاومة اختراق قطاع واسع من عناصر هذا الجيش التي اخذت تسرب المعلومات، وتسهل عبور عدد من المجموعات المقاتلة الى داخل ما سمي بـ «الشريط الحدودي». وهو بذلك بات معضلة حقيقية لجنرالات الحرب الذين فكروا بانهائه عبر صيغ سياسية في اطار المفاوضات مع الحكومة اللبنانية، وذلك بعدما ثبت ان الحزام بات في حاجة الى حزام يحميه جراء حرب الاستنزاف التي يتعرض لها من جانب المقاومة. ولكن مع تطور الاوضاع السياسية والعسكرية، سيغير الاسرائيليون رأيهم في السنوات الاولى من التسعينيات، وسيورد الكاتب اسباب هذا التغيير من خلال حاجة اسرائيل الى متاريس بشرية للوحدات الاسرائيلية المتحركة او الثابتة، وبالتالي فانها حرصت على رعاية وضمان راهن ومستقبل الميليشيات التابعة لها في الشريط الحدودي وفي حالة السلام مع الحكومة اللبنانية فانها ستلجأ الى نوع من المقايضة تقوم على معادلة نفوذ امني في مناطق استراتيجية على الحدود، تضمنها اتفاقية سلام عتيدة في مقابل حل جيش لبنان الجنوبي، والذي بدوره ينبغي اعتباره ميليشيا محلية ينطبق عليها ما ينطبق على الميليشيات الاخرى، ويضاف الى ذلك استفادة اسرائيل من الروابط التي مع الاهالي الشريط الحدودي لتسهيل عملية التطبيع. ويذهب الكاتب الى ان اسرائيل كانت تطمح الى اكثر من ذلك، فهي راهنت على اختراق المجتمع الاهلي اللبناني المقاوم للتطبيع، عبر انشاء العشرات من الجدران الطيبة من دون ان يتحمل المواطنون تبعات التطبيع نظرا لانهم يتصرفون تحت ظل شرعية اتفاق السلام. ولكن الايام ستحمل لاسرائيل المفاجآت، وكان اجتياحها العسكري للبنان بمثابة خطأ استراتيجي على حد تعبير جنرالاتها وسياسييها، وتحول احتلالها الى عبء نتيجة لاستبسال المقاومة الوطنية، الامر الذي خلق سجالا كبيرا داخل اسرائيل حول ضرورة الانسحاب من لبنان من طرف واحد، ويذهب الكاتب في تبيان حالة الاضطراب التي سادت الاوساط السياسية والامنية الاسرائيلية ابان تلك الفترة، وجملة العروض التي قدمتها اسرائيل للانسحاب حتى عام 2000 الذي تكلل بالانسحاب المدوي او الهزيمة المخزية للجيش الذي لا يقهر، وسقوط نظرية الجدار الطيب، والى ذلك سيقول الكاتب: طوى جلاء الاحتلال الاسرائيلي عن جنوب لبنان اذ ابرز وجوه الصراع المتعلقة بالمجال الجيو بوليتيكي مع شمال فلسطين منذ نحو نصف قرن، غير ان النقاش الحار الذي شق طريقه حول الحدود الدولية، بدا وكأنه يؤسس لـ «دفرسوار» اسرائيلي، لا غاية له سوى ابقاء ملف لبنان مفتوحا على قضايا وملفات اساسية مثل الترتيبات الامنية الحدودية التطبيع والعلاقات الدبلوماسية والمياه .. الخ .وقد تصور المعنيون بأمر الانسحاب الاسرائيلي: الولايات المتحدة وهيئة الامم المتحدة ان جبهة لبنان العسكرية قد اغلقت الى الابد، الا ان ظهور مسألة مزارع شبعا التي استولت اسرائيل عليها في الـ 67، والسجال الذي دار بين لبنان والامم المتحدة حول تفسير القرار 425 ومدى تنفيذه على الارض، فتح الباب من جديد لبقاء التوتر قائما بين لبنان واسرائيل وهو في الوقت نفسه فتح الباب للمقاومة لكي تواصل عملياتها من اجل تحرير هذه المزارع كما في الوقت نفسه، ابقى الباب مفتوحا ايضا لاسرائيل لكي تشن حروبها على العرب من خلال الجبهة اللبنانية. وفي نهاية الكتاب وضع الكاتب ملحقا ضم جملة وثائق عن اتفاقيات الهدنة وقرارات مجلس الامن، واتفاقات ترسيم الحدود والرسائل المتبادلة بين لبنان والدول الاخرى وغيرها. انه مرجع غني بالمعلومات والوثائق وهو الى ذلك يفيد الباحثين في الشأن اللبناني والقراء عموما .. مهم ويقتنى. عزت عمر