كان يريد ان يكون ممثلا، ولكنه أدرك ان شكله ليس شكل نجوم تلك الفترة، ففضل الاخراج، ومنذ بدأ عمله صار يبحث عن ممثلين يمثل من خلالهم، ويا ويل الذي لا يكون يوسف شاهين... وكان الاصطدام حتى وصل الى فترة شعر فيها انه في مأزق كبير لأنه لم يجد الممثل الذي يمكن ان يكون هو، فبحث عن الممثل في داخله وكان «باب الحديد» أول فيلم يخوض فيه تجربة التمثيل. كان بامكانه ان يبقى في امريكا لكنه فضل العودة، ليس لصعوبة العمل أو لأن هوليوود تفضل اليهود عنه فحسب، بل لأنه ابن النيل ومصر عنده هي القضية، هي المبتدأ والخبر، هي المحور والجوهر والأساس، مصر الأم والأرض والشباب، مصر بهية ويحيى وعلي وأبوسليم، مصر الفلاح والصحافي والبحار... مصر الكريمة الخيرة والصابرة، مصر الطيبة المقهورة والرافضة.. مصر هذه يحبها يوسف شاهين ولأجلها عاد، فهو منها يفرح لانتصاراتها وانجازاتها، ويتفاعل مع طموحاتها، ويتألم لألم اناسها ويدافع عنهم، ويفضح مستغليهم وجلاديهم. ولادة بعد وقفة مطولة مع يوسف شاهين في الفصل الأول من الكتاب، يتناول فيها الاعلامي الناقد وليد شميط حياة يوسف شاهين ومسيرته الفنية ومواقفه المبدأية من عمله وعلاقته بالناس وهمومها، واحساسه المرهف النابض مع نبض الشوارع والحارات الغائر في حكايا الناس وتاريخ التاريخ. يعطي المؤلف الكلمة ليوسف شاهين كي يتحدث هو عن أفلامه وعالمه وهواجسه ومنطلقاته وافكاره وهمومه، وكيف يقوّم مسيرته الفنية في السينما والحياة. ومن بين العديد من اللقاءات التي كان يجريها شميط مع شاهين منذ أواخر الستينيات لغاية اصدار هذا الكتاب، اختار ستة لقاءات، أربعة منها غير منشورة سابقا، يتحدث فيها شاهين عن بداياته الأولى، وعن ممارسته للسينما كمخرج وكمنتج، وعن تجربته مع المنتجين والموزعين في القطاعين العام والخاص في مصر، وعن الانتاج المشترك مع فرنسا، ويتوقف عند العديد من افلامه، ويبدأ من الولادة: ربما يبدأ الفيلم مع نكتة أو كلمة أو أي شيء آخر يفجر فكرة بسيطة جدا. ولابد من اختبار هذه الفكرة قبل العمل عليها، فهي تهم مَنْ؟ وبدلا من كلمة «فكرة» وصلتُ الى تعبير آخر هو «احتياج شعبي»، هذا الاحتياج ينفجر مرات بشكل كبير وآخر بشكل أصغر، ويؤدي الى نشوء ما يمكن ان نسميه ظاهرة. في التاسع من يونيو 1967 حدثت ظاهرة جمعت بين ملايين عدة من العرب في أماكن مختلفة وهي ظاهرة رفض الهزيمة... احتاجوا في ذلك اليوم الى ان يطالبوا بشيء واحد في هذه الوقفة ضد الهزيمة. أمام هذه الظاهرة الاجتماعية، وحيال هذه الهزيمة، ماذا أريد أنا كيوسف شاهين ان أقول عن حرب 1967؟ كنت أريد ان أقول ان مظاهرات قامت ورفضت الهزيمة، وقيل لنا اننا قبلنا الهزيمة! يوجد ثمة تناقض... ومن هنا ولدت حاجتي الشديدة الى ان أقول «لا» وليس لأحد ان يتهمني بالخيانة عندما أقول ان الشعب لم يحارب، وان الشعب ليس جبانا، وإنما السلطة هي التي انهارت. وأضيف الى ذلك ان الذين خرجوا في مظاهرات 8 و9 يونيو لن يتحملوا المزيد وسيتحركون... وهذا ما قلته في فيلم «العصفور». وماذا عن الوعي؟ المسألة بدأت عندي باحساس انساني أو بانتماء شديد للناس الذين أعيش بينهم، كان احساسا عفويا وتلقائيا. أنا أحب الناس كثيرا وذلك من خلال أشياء مهمة لم تجد اجاباتها في زمن الطفولة. أدركت ان غيري ايضا عنده مثل هذه الحاجات، وأكثر منها، وان غيري يتعذب، وان المجتمع كما هو قائم لا يساعد الانسان على ان يكون سعيدا. ولم أكن أفهم أسباب هذا العذاب ودوافعه. كن يجب كشف هذه الاسباب والدوافع أمام الناس.. لماذا يهمنا كثيرا ان نتشبه بفئة من الناس ممن هم أكثر ثروة منا؟ لم أكن أفهم آنذاك معنى كلمة «طبقة» تعلمت في مدرسة يرتادها الاغنياء وعاشرتهم فوجدت ان المال لا يحدد نوعية الناس. ولكنني اكتشفت ان الرغبة في الحصول على المال تدفع الناس الى القيام بتصرفات «خرافية» وبأعمال لا داعي لها، ولاحظت ان من الناس من يتعذب دون مبرر. وكان التحليل عندي يتم من خلال التحليل النفسي السيكولوجي والاهتمام بأشخاص يرغبون بالتحرر من ضغوط المجتمع. وكانت الضغوط تأخذ عندي شكلا نفسيا من دون استعمال مفاهيم التحليل المادي والاقتصادي، وإنما مفاهيم السيكولوجية مثل السادية والمازوشية وغيرها. والسؤال كان: الى أي حد يطلب الانسان العذاب لنفسه، والى أي حد هو مرغم على قبوله؟ وبعد ذلك جاءت فكرة الحرفية، وربما يكمن الأمر الغريب الوحيد في مسيرتي ان التغييرات التي عرفتها تظهر في أعمال موجودة، ولعل من أسبابها انني بدأت العمل في السينما في سن مبكرة. عندما اتحدث عن الفترة السيكولوجية هذه فذلك يعني ان التحليل النفسي كان الأساس عندي خلال فترة امتدت من فيلم «بابا أمين» الى فيلم «باب الحديد»، ومن خلال قليل من الفهم العفوي التلقائي، ومن خلال انتمائي الى الناس العاديين، تفجرت عندي بعض الأشياء في فيلم «صراع في الوادي». بدأت أفهم معنى الطبقات، وجاءت الثورة. لم أكن أفهم ثورة 1952 جيدا. وهي لم تكن ثورة متكاملة قادرة على استيعاب كل تطلعات الناس. الامريكيون كانوا معها، فأي ثورة كانت؟! لم تكن واضحة.. ثم وصلت الى فترة ادراك ووعي أكثر عمقا مع فيلم «جميلة» وخلال تصويره أدركت ان الاجنبي يحتل بلدي ايضا. قبل ذلك لم أكن أشعر كثيرا بهذا الاحتلال. هل لأنني نصف «خواجة» عاش في الاسكندرية التي يعيش فيها 600 ألف «خواجة»؟ هل لأن صحافتنا عجزت عن كشف الاحتلال لأنها كانت تعاني من الضغط البريطاني؟ هل تعرضت لعملية غسل دماغ في طفولتي؟ لم أكن أدري بوضوح. وعندما أخذت أتحدث عن بلد آخر هو الجزائر، وعن نضاله ضد الاستعمار الفرنسي، ومع ردة الفعل الكبيرة التي أثارها الفيلم والمظاهرات الصاخبة التي فجرها ـ وفي بعض المظاهرات قام المتظاهرون بحرق السفارات الفرنسية ـ وجدت ما من شأنه ان يعمق الوعي عندي وعند أي انسان. وهنا طُرحت علي بعض الاسئلة بالصدفة.. أحدهم سألني بالفرنسية عن التزامي بالمعنى السياسي لكلمة التزام، ولم تكن الكلمة تعني لي شيئا كثيرا. لابد من الالتزام بقضية. أنا كنت أتحدث عن قضية، وكان عدد من الشبان الجزائريين قد عملوا معي في «جميلة» وبعد الانتهاء من تصوير الفيلم عادوا الى الجزائر حيث استشهدوا هناك. كنت في السابعة والعشرين من عمري. وأخذت الاسئلة تزداد: لماذا احتلونا؟ لماذا لا يغادرون؟ وجاءت هذه الاسئلة بعد سؤال المرحلة الأولى: لماذا الانسان ليس سعيدا؟ كنت أدري في المرحلة الأولى ان المسألة ليست مسألة مال، ولكني لم أكن ادري انها مسألة استغلال. وبدأت أعي تدريجيا عملية الاستغلال الداخلي والخارجي ولعبة المصالح التي ترافقها فخطوت خطوات جديدة توضح لي الطريق. يكمل المبدع الكبير يوسف شاهين طريقه مع القاريء حيث ينتقل بعد البدايات الأولى الى علاقته بالافكار السياسية التي كانت ومازالت، ومن ثم علاقته بالانتاج والتوزيع وكيفية القدرة على الجمع بين الفن والصناعة... ليفصّل بعد ذلك في الحديث عن بعض افلامه من عودة الابن الضال الى الاسكندرية ليه؟ مرورا بالوداع يا بونابرت واسكندرية كمان وكمان.. وصولا الى المهاجر والاشكاليات التي تمت حول قصة «سيدنا يوسف».. ومن زمن الفراعنة الى زمن الاندلس في المصير الى زمن العولمة في الآخر... اذا كنا قد تعودنا ان من يدخلون التاريخ هم قادة سياسيون أو عسكريون أو رؤساء دول أو ملوك أو حتى علماء ذرة... فإن يوسف شاهين كتب تاريخه ودخل تاريخ وطننا العربي من أوسع أبوابه، ودق بعنف عدة مرات على بوابات العالمية.إ ن هذا الكتاب ليس مجرد شهادة فحسب، بل ايضا تكريم لمبدع عربي كبير، ونافذة يطل بها قارئنا على حياة هذا المخرج الفذ الذي جسدت افلامه تطلعات كل الشرائح الاجتماعية الباحثة عن الحقيقة. محمود أبوحامد