كم كتاباً قرأنا هذا العام؟ سؤال يبدو غريباً للوهلة الاولى، لكنه سؤال مشروع، بل انه مشروع جداً وسط هذا الجرد لما انجزه الانسان خلال العام 2001. في احدى قصصه يذكر تشيخوف ان رجلاً وجد ذات يوم ورقة نقدية وهو يسير في الطريق، فأعجبه حال السير وهو ينظر الى الارض بحثاً عن قطع نقدية اخرى، وقد امضى وقتاً طويلاً من حياته على هذا المنوال، وفي النهاية قام بعملية جرد لحصيلة ما عثر عليه، فوجد عشرات الازرار ومثلها من الدبابيس وبعض الكوبيكات «عملة روسية صغيرة» ومجموعة مناديل وظهراً محدودباً، وعمراً ضاع هباءً! جردة ذلك الرجل كانت دليلاً على تمسكه بأحلام اليقظة وعلى مجافاته للشموخ والامل اللذين يرتبطان بالنظر الى الاعلى، الافضل، المستقبل. تلك القصة سقناها لنبرر سؤالنا عن عدد الكتب التي قرأناها ونحن نحتفل بنهاية عام مضى ومجيء عام جديد. ترى هل يخشى بعضنا من الاجابة لانه لم يقرأ كتاباً طيلة تلك السنة وهل يخشى اخر من القول ان علاقته انقطعت مع الكتاب منذ انتشار الكمبيوتر والموبايل وغيرهما من ثورة الاتصالات. ستكثر الاجابات السلبية في هذا الشأن وستقل الايجابيات نظراً للمسافة الكبيرة التي اصبحت بين الناس والكتاب، حيث تعددت مشاغل ومتاعب البشر وكثرت اعباؤهم وزاد عملهم ولم يبق لهم من الوقت الا القليل، وذلك القليل يصرف امام الشاشة الصغيرة حيث تقودك المحطات الفضائية الى عالم من احلام اليقظة نظراً لما تقدمه من جُمل بصرية خادعة ليست من الحقيقة في شيء كما انها تحجب عن الانسان المعرفة والثقافة فيصبح حاله حال ذلك الذي امضى عمره يبحث عن النقود فأحدودب ظهره وضاع عمره. لو منحنا الكتاب ربع الوقت الذي نمنحه للتلفزيون لفاز الانسان برصيد كبير من الثقافة والمعرفة ولتمرّن عقله وتدرب صبره وقلت شكواه من البدن لان العقل سليم، غير ان الناس بطبعهم يستعْدون الكتاب لما يمثله في اذهانهم من ذكريات غير لطيفة عن معلمٍ قاس يأمرهم بتكرار الواجبات وعن اخر يأمرهم باستظهار القصائد وثالث يعاقبهم جسدياً لو اخطأوا في تهجئة احدى الكلمات. الا ان ذلك الكتاب كان مصباحهم ليصيروا الى ما صاروا عليه اليوم ولو اعطوه وقتاً اطول لأصبحوا في حال افضل مما تحقق. ان حساب العام لا يتمثل بجملة نصائح عن القراءة او عن اقتناء الكتب بل الحساب في ما نفع ما قرأناه وفيما استثمرناه وماذا جنيناه من حصيلة تلك المعارف. نعلم سلفاً ان جردة الكتاب لن تكون لصالحه ولكنها ضرورية فمازال هناك متسع من الوقت يمكن للانسان ان يستفيد فيه من زاد الثقافة وان يعوض كثيراً مما فاته.