كثير من التايوانيين ممن هم الآن في الخمسينيات او الستينيات من اعمارهم ترعرعوا مع الخيزران. فالاشياء كقبعات الخيزران والسلال والكراسي والدمى كانت شائعة في كل منزل تايواني تقريبا، لكن وفرة هذه الاشياء محدودة الآن. غير ان الجهود التي يبذلها احد الشباب التايوانيين تضمن اطلاع الاجيال القادمة على كنوز الخيزران البسيطة وادراك روعة جمالياتها. يقول باتريك لي، وهو جامع تحف يدوية من الخيزران: «لا اعرف كيف تمكنت من جمع كل هذه الاشياء، ويبدو وكأنها وجدتني بدلا من ان اجدها. ان الامر اشبه ما يكون بقيامها بنشر رسالة مفادها: اذهبي وابحثي عن باتريك لي، فهو سينظفك ويجد لك منزلا جيدا» وهذا التصور يسهل فهمه لدى الدخول الى منزل لي الواقع في مقاطعة تويوان بشمالي تايوان. ففي داخل المنزل، هناك عدد هائل من الاشياء المصنوعة من الخيزران، والكثير منها يعيد ذكريات دافئة الى اولئك الكبار بما فيه الكفاية ليتذكروا الايام الخوالي، التي كانت تستخدم فيها هذه المادة المرنة في صنع كل شيء، من الادوات الى الدمى. ويشير باتريك البالغ من العمر 32 عاما الى ان «تحف الخيزران التقليدية تملك القدرة على استدعاء مرحلة غابرة من الزمن. فهي تمثل الحكمة والفضائل والمعتقدات وانماط حياة الناس الذين استخدموها. ومن المسلم به انها تتمتع بأهمية ثقافية ثرية» ويقدر لي انه استطاع ان يجمع ما يقارب 400 قطعة مصنوعة من الخيزران كانت تستخدم من قبل الناس قبل 50 عاما على الاقل. وهي تتراوح بين الاثاث وصنارات الصيد والادوات الزراعية والسلال والاشياء المستخدمة في الطقوس الدينية واسرة الاطفال. ويقول باتريك بهذا الخصوص ان «قطعة خيزران واحدة قد لا يكون لها معنى كبير بالنسبة لمعظم الناس، ولكن عندما توضع العشرات او المئات منها معا، فان اوجها عديدة لنمط الحياة التايواني الريفي تتكشف». كان الناس يعملون بكدح في الارض من الفجر الى الفسق، وممارساتهم ومعتقداتهم انعكست في الاشياء المصنوعة من الخيزران التي كانوا يستخدمونها يوميا. وهو يؤكد ان هذه القطع هي بالتالي مصدر قيم للتراث التاريخي والثقافي الذي ينبغي الحفاظ عليه. والاشياء الموجودة في مجموعة لي ليس لها وظيفة عملية فحسب، بل انها تمثل ايضا جمالا بسيطا في تصميمها. ويقول باتريك: «هناك تناغم جميل للطبيعة في كل قطعة فنية من هذه القطع. وهي مصدر كبير للحنين الى الايام الخوالي. وبالنسبة لي، فانني احب النظر اليها وتخيل تاريخها». ينبع اهتمام لي بالقطع التاريخية من الفترة التي قضاها في الخدمة العسكرية الالزامية فقد جاءت خدمته في جزيرة كينمن النائية، التي احتفظت بسبب عزلتها، بالجانب الاكبر من ازيائها الشعبية التقليدية وتحفها وهندستها المعمارية. وبدأ ينفق رواتبه الضئيلة ويقضي اجازاته في الدكاكين المحلية بحثاً عن تحف تثير الاهتمام. وبعد ان تم تسريحه من الخدمة العسكرية، وجد لي وظيفة في الترويج لبيع تحف يدوية مستوردة في محال التحف الواقعة بالقرب من بعض المواقع السياحية بالجزيرة، واستغل السفر الذي يتطلبه عمله في البحث عن اشياء تسترعي اهتمامه، ولم تمض فترة طويلة حتى تحول منزله الى مخزن للوحات الفنية واعمال السيراميك والبورسلان والمنحوتات، ويقول باتريك «بدأت اتساءل عن جدوى شراء اشياء بدون هدف، فقد عملت باستمرار على زيادة عدد مقتنياتي ولكن لم يكن هناك اي معنى لها». وبعد بعض التفكير، قرر لي التخلص من مجموعته بوضعيتها تلك والتركيز بدلا من ذلك على مجال تخصص معين، وبالتالي قرر ان يكتفي بجمع الاشياء يدوية الصنع والقديمة بعض الشيء والمرتبطة بالثقافة التايوانية، وان تكون بسعر يمكن تحمله وليس من الصعب ايجادها والمحافظة عليها. وبالاخذ بعين الاعتبار هذه المعايير، استقر رأيه على الاشياء المصنوعة من الخيزران. ويقول باتريك لي: «نظراً لان الخيزران يزدهر طبيعيا في المناخات الدافئة والرطبة، فإن الحرارة والامطار شبه الاستوائية لتايوان تجعلها البيئة المثالية لزراعة الخيزران. وهذا المصدر الغني اصبح جزءاً من كل نواحي الحياة كالزراعة وصيد السمك وتخزين الغذاء والملابس والسكن والنقل وتربية الاطفال والموسيقى. يتفق بنج تنج سونج، وهو مستشار فني لمتحف القصر الوطني، مع تقدير لي لقيمة الاشياء المصنوعة من الخيزران، ويمدح بنج الذي اجرى دراسة شاملة حول الانواع المختلفة للخيزران وبيئتها وتكوينها، لي الشاب على تمتعه بالبصيرة التي اتاحت له البدء بهذا المشروع، ويقول بهذا الخصوص ان الاشياء المصنوعة من الخيزران التي كانت في يوم من الايام مرتبطة بشكل وثيق بالحياة اليومية، وبخاصة في عهد جيلنا، قد عانت من الاهمال ويشير بنج ايضا الى ان خطوة لي في جمع هذه التحف والحفاظ عليها مهمة في تذكير الناس بالدور الذي لعبته في المجتمع الزراعي التقليدي وكيف يمكن استخدامها بشكل فاعل في الحياة اليومية. وعلى الرغم من شيوعها في غالبية المنازل في الماضي، إلا ان التحف اليدوية التقليدية من الخيزران اصبحت نادرة الوجود على نحو متزايد، وكان التحول من الادوات المصنوعة من الخيزران الى الادوات البلاستيكية او الالكترونية وبخاصة في مجالات صيد السمك ومعدات الزراعة ـ كان هذا التحول قد تم تسريعه من خلال الاجراءات الحكومية في الستينيات والتي كانت تهدف الى تحديث البلاد. وكانت نتيجة ذلك ان اختفت الاشياء المتخذة من الخيزران بين عشية وضحاها، وهو ما دفع بباتريك لي الى جمعها من اجل الحفاظ على تراث الاجداد، الذي يستحق الاحترام والتقدير، وهو يرى ان الحفاظ على هذه التحف اليدوية القديمة وعلى هذا التاريخ للاجيال القادمة هو مهمة ملحة ينبغي ان تحتل الاولوية حتى على المستوى الرسمي. ضرار عمير


