نجح الانتاج التلفزيوني في الاردن في تحقيق قفزات نوعية كبيرة خصوصا في السنوات التي سبقت عقد التسعينيات وتحديدا حرب الخليج الثانية، وتعد فترة الثمانينيات الفترة الذهبية للانتاج التلفزيوني الأردني خصوصاً بعد تأسيس شركة الانتاج التلفزيوني الاردني مطلع هذا العقد، هذه الشركة التي ساهمت الى حد بعيد في لعب دور بارز بانتشار انتاجي واسع يمكن وصفه بانه استطاع ان يغزو التلفزيونات العربية عبر عباءة المسلسلات البدوية التي نجحت هي بدورها في جذب عدد مهم من الممثلين العرب وخصوصا المصريين الى هذه الساحة، حيث كان لتشييد استوديوهات ذات تقنية عالية ومتطورة في ذلك الوقت اثره في اقناع اسماء مهمة من المخرجين العرب من مختلف انحاء الوطن العربي على المشاركة في الدراما البدوية. ودفع هذا النجاح عددا من التلفزيونات العربية المجاورة للاردن وخصوصا السورية منها الى خوض التجربة الاردنية او محاكاتها في ذلك الوقت. ويترحم معظم الممثلين الاردنيين على تلك الفترة ويصفونها بالذهبية التي يبدو انها لن تتكرر على حد ما يفهم من احاديثهم، اما لماذا توقفت هذه التجربة عن مواصلة نجاحاتها فيجمع المعنيون الاردنيون ان لنتائج حرب الخليج الثانية اثرها الكبير في توقف عدد من التلفزيونات العربية عن شراء الاعمال الاردنية، ما اظهر خشية لدى المنتجين من عدم القدرة على تسويق منتجهم الفني وبالتالي التوقف عن العمل مستقبلا فيه. ولكن السؤال الذي يطل برأسه هنا هو اذا كانت الاعمال الفنية الاردنية لم تجد لها سوقا خصوصا في الخليج تحت وطأة نتائج حرب الخليج فما هو السبب حاليا في استمرار توقف هذه الاعمال عن الظهور ولماذا لا تعود العجلة الفنية الاردنية الى الدوران من جديد؟ يجيب خبراء الفن الاردني عن هذا السؤال بالاشارة الى ان الحضور المتميز للدراما الاردنية على المستوى العربي لم يكن حضورا مؤسسيا وانما فردي مبني على جهد افراد معينين لم يتحركوا حتى الان الى العمل كما الفترة السابقة، وانه لو كان هذا الحضور ممثلاً بحركة فنية مؤسسية تعرف الى اين تتجه لما استطاعت عقبة «حرب الخليج الثانية» التأثير عليها بهذه الصورة والقوة، خصوصا وان مستويات اردنية اخرى سواء سياسية او اقتصادية وغيرها استطاعت الانفلات من تأثير تلك الحرب والعودة الى الوسط الخليجي، بعد انفتاحه. بل اننا يمكن ملاحظة ان دواليب عربة الفن الاردني ليست كلها حتى الان متوقفة بل ان الدولاب الوحيد المتوقف فيها هو الدراما الاردنية ذاتها، فمستويات كتابة السيناريو والحوار والانتاج يديرها حاليا د. وليد سيف وجمال ابو حمدان حتى انه امكن القول ان دورانها اصبح الان مقبولا كبداية، وبالتحديد في هذا الموسم من رمضان ما يؤكد المقولة السابقة عن ان الامر مبني على مجموعة معينة فقط من الافراد وليس على المؤسسة الاردنية الفنية بذاتها وهذا ما تثبته موجودات الفضائيات العربية في موسمها الرمضاني الحالي. ولاحظت الصالونات الفنية الاردنية التي تجمع كل مفردات العمل الدرامي الاردني في العادة هي الاخرى هذه الظاهرة بمناسبة انطلاقة المواسم التلفزيونية في الدول العربية في شهر رمضان الحالي من خلال مقارنتها بدراما الدول العربية الاخرى وخصوصا سوريا الشقيقة المجاورة. ولم يكن هذا التوقف بغائب عن المشاهد المحلي الذي يرى بنظرة غير جادة الى الدراما التلفزيونية المحلية دفعه الى ذلك تطور العمل الدرامي في الدول العربية المجاورة وبالتحديد الدراما السورية الاقرب في خطابها العام للمجتمع الاردني عن خطاب الدراما المصرية على سبيل المثال، رغم انه في العموم لا فروقات جوهرية في خطاب الدراما العربية القطرية بصورة عامة، وجاء هذا التطور للدراما السورية في مقابل هبوط مستوى الدراما الاردنية والانتاج معا ما ادى الى ملاحظة المشاهد الاردني لهذه المفارقة وبالتالي تكوين صورة للدراما المحلية في مجملها غير مؤثرة في المجتمع المحلي. ولدى استطلاعنا آراء عدد من هؤلاء المواطنين لوحظ حجم الهوة التي تفصل الدراما الاردنية عن مشاهدها المحلي وساهم في ذلك ثلاثة امور تجمعت فشكلت موقف هذا المشاهد. الامر الاول والذي يأتي في الطليعة المستوى الفني المقدم في هذه المسلسلات واقتصار بعضها على حد قول احد المواطنين على التهريج حينا واستغفال المشاهد حينا اخر. اما الامر الثاني فهو ملاحظة قوة الاعمال الفنية العربية الاخرى ومنها الاعمال السورية والمصرية والخليجية. اما الامر الاخير وهو ربما تقني ويتصل بضعف بث التلفزيون الاردني في عدد واسع من المناطق، الى الحد الذي يستطيع فيه المشاهد الاردني ان يتابع التلفزيون السوري دون «هوائي» في مقابل احتياجه لتقنية عالية من اجل التقاط البث التلفزيوني الوطني. يقول خبراء ونقاد اردنيون ان السر الذي يكمن في المعاناة الاردنية في هذا الصدد يتصل بعدم جدية طرح المستوى الدرامي من جهة ومن جهة اخرى عدم تناولها لاي من الافكار الاشكالية في المجتمع ما حولها الى شكل اخذ في النهاية طابع التسلية غير المبررة وربما التافه احيانا. مع الاشارة هنا الى ان هذا الطابع لم تكن الدراما المسلسلات البدوية لتعاني منه ولهذا اخذها المواطن الاردني على محمل الجد رغم ان شريحة واسعة منه ليست من اصول بدوية. الا ان ما يقارب من الخمس سنوات على بدء فتح السوق الخليجي والانفراج السياسي الذي حدث بين الاردن والاقطار العربية الخليجية، ثم على مختلف الصعد دفع البعض الى الوقوف طويلا على ما اعتاد ان يذهب اليه الاردنيون من العاملين في الوسط الفني من خلال قولهم بان حرب الخليج الثانية «كشفت ظهر الدراما الاردنية» وتركتها عارية. فانغلاق عدد من الاسواق العربية التي كانت تلح سابقا في طلب المسلسل التلفزيوني الذي يحمل طابعا بدويا لم يعد الان موجودا وبالامكان مع بعض الجهد اعادة العربة الى سكتها من جديد، رغم الاعتراف بصعوبة ذلك فالفترة الفاصلة بين الانغلاق والفتح تلك لم تكن بسيطة اولا وثانيا دفعت الذوق العربي الى الاختلاف وبالتالي الى اختلاف الطلب على هذا النمط من المسلسلات، ولكن في مقابل ذلك من قال ان الدراما الاردنية لا تستطيع تقديم الا النمط البدوي من المسلسلات، هذا سؤال لا يريد اجابة بقدر ما ينشد الوقوف عنده مطولا. عمان ـ ايمان أحمد