ما لا يقل عن ثمانية صحافيين من جنسيات غربية عدة لقوا مصرعهم إبان الحرب في أفغانستان. ليس بين أولئك عربي مع ان الصحافيين العرب يشكلون جيشاً عرمرماً وهم أكثر من غيرهم انهاكاً لمقولة «مهنة المتاعب» التي يحلو لهم وصف الصحافة بها. فما الذي يدفع الصحافيين الغربيين ولا يدفعنا ـ نحن العرب ـ للموت في ساحات المعارك العسكرية. وبعضنا يموت في معارك أخرى؟ هل يتفاوت البون على هذا النحو الشاسع بين أولئك وهؤلاء في الانتماء للمهنة؟ أيجرف الحرص على الإمساك بالحقائق والمعلومات غيرنا الى المحرقة ويرضي بعضنا القعود بالتصريحات الهلامية؟ أهو دافع الهروب من الحياة أم شهوة في الموت التراجيدي تتمكن منهم أم هي نزعة المغامرة التي تقضي بصاحبها الى التهلكة؟ أحب الاستشهاد أثناء الواجب شرف يحلم به البعض منهم؟ أهي المؤسسات التي يعملون فيها تدفعهم أو تحثهم على الموت أم ان هناك قدوة يتوسم أولئك المهنيون خطاها؟ في الزمن العربي الجميل كان الصحافي يعدد أساتذته فخراً باستهلال مشواره في ظلال قاماتهم فيذكر اللبناني نخبة منتقاة حتى يبلغ مقام غسان تويني أو سعيد فريحة مثلاً ويعدد المصري نجوماً اهتدى بضيائهم من طراز مصطفى أمين ومحمد التابعي أو هيكل ويستشهد السوداني بفطاحلة رواد من أمثال أحمد يوسف هاشم وعبدالله رجب وعلي حامد، ايماء لا حصراً. كل هؤلاء الجهابذة العرب أفلحوا في اقامة دور صحافية أصبحت مدارس ذات نهج متميز ـ كل على طريقة شيخها ـ فيتباهى البعض بانتمائه لمدرسة «النهار» أو «الأنوار» في بيروت ومدرسة «الأخبار» و«الأهرام» أو «روز اليوسف» في القاهرة أو «السودان الجديد» أو «الأيام» أو «الرأي العام» في الخرطوم. الصحافة العربية لم تنج من النكسات الكارثية التي ضربت العالم العربي وأعطبت مؤسساته وألحقت ضرراً بالغاً بمشروعاته الحياتية في السبعينيات. فالحرب اللبنانية أحرقت الأجواء التي ازدهرت فيها الصحافة البيروتية فكانت مرآة العالم العربي بأسره واضطر الصحافيون للهجرة الى الخارج ـ مثل جميع اللبنانيين ـ هرباً من الجحيم. ووجدت شريحة عريضة من الصحافيين المصريين نفسها مضطرة هي الأخرى للهرب من الملاحقة أو التشريد في الوطن. وطال التدمير النميري الصحافة مثل غيرها من المؤسسات السودانية وانتشر الصحافيون السودانيون في كل واد بعيداً عن النيلين. ربما كان من حسن طالع الصحافيين العرب العثور على مظلات خليجية تقيهم شر التشرد، غير ان هذه المؤسسات الوليدة لم تكن لتعوض عن تلك العتيقة لحداثتها أولاً ولتعدد المشارب التي امتزجت فيها على نحو أفرز حالات من الاستقطاب والتجاذب أكثر من التلاقح. وظاهرة الاستقطاب وغياب التلاقح لم تكن وقفاً على المؤسسات الصحافية الخليجية الجديدة بل طالت ما تبقى داخل الدور القديمة، فانقطع تواصل الأجيال عبر التلقين والتلقي بفعل عناصر عديدة تضافرت في وقت بعينه. فمعظم الذين كتب لهم البقاء لم يكن هذا التواصل في أولوياتهم كما ان الشبان الجدد لم يجدوا في تجربة هؤلاء ما يغري على النقل عنهم أو التمثل بهم. الأسوأ من ذلك ان الصحافيين بحكم انتمائهم للطبقة الوسطى في المجتمع تعرضوا لحالة انهاك مضنية بحثاً عن الخبز اليومي في ظروف معيشية متردية، فلم يعد الوقت يسمح بالانشغال بأمور تبدو غير ملحة أثناء ركض الحياة الضروري الذي يستنزف الجهد والوقت. مثل هذه الظروف لا توفر بيئة ملائمة للانتماء بين الموظف والمؤسسة، لعل كل ذلك أوجد حالة من القنوط والاحباط تقتل روح المبادرة والمثابرة دع عنك المغامرة التي تضع صاحبها على حافة الخطر. إبان حرب أفغانستان تعرضت كذلك صحافية غربية واحدة ـ على الأقل ـ للاعتقال بتهمة التجسس. هذه وصمة لا تتطلب من الصحافي العربي مغادرة الوطن والمغامرة في المناطق الملتهبة، فعديد من الزملاء العرب وصمتهم أنظمتهم ـ زوراً وعدلاً ـ بالخيانة. وكل الصحافيين عملاء في عيون بعض أجهزة الأمن في وطنهم أو قطاع عريض من شعوبهم. ربما كان مصطفى أمين أشهر صحافي عربي واجه تهمة التخابر لصالح دولة أجنبية وتداعيات ذلك الاتهام، ولايزال مصير محمد مكي «الناس» مجهولاً بعد عملية على نسق أفلام «جيمس بوند» اختطفه بها أمن جعفر نميري من بيروت بعد مطاردته بالاتهام نفسه لصالح الدولة الأجنبية ذاتها. كما لايزال اللبناني حبيب يونس قيد الاعتقال بتهمة التجسس لصالح العدو الاسرائيلي، ويطارد الاتهام بالعمالة الصحافي السوري نزار نيوف من قبل النظام وخصومه. وكانت التونسية سهام بن سدرين تعرضت لاتهام مماثل اثر اشتباك مع النظام حول حقوق الانسان. وددت لو ظل مراسل «الجزيرة» في كابول متشبثاً بأمل الحياة ولم يهرب من كابول بعد انهيار نظام طالبان على نحو فجائي لم يكن يتوقعه، رغم التباين الشاسع مع نهج المراسل المهني إلا ان بقاءه في دائرة الخطر كان مهماً للدفاع عن صورة الصحافيين العرب أو استنهاضهم وربما كان دمه ـ في أسوأ الحالات ـ شاهداً على عودة الروح إلى هذا الجسد المترهل الذي يعلك «مهنة المتاعب» دون تعب.