يفترض عادة ان تكون الصور الجميلة من نتاج عقل فني أو تعبير شخص مهتم بالمظاهر العاطفية للكون. ولذا فإن رؤية اشكال فنية مبتكرة تنبثق من دائرة العلم العقلانية تكاد تكون امراً ينطوي على تناقض بالالفاظ، ومع ذلك فقد امكن انتاج صورة رائعة باستخدام قوانين الميكانيكا الكمية، وعدد من الكمبيوترات عالية السرعة وعقل البروفيسور اريك هيلر، استاذ الفيزياء في جامعة هارفارد. ويتلاشى الانقسام القائم في كثير من الاحيان بين الفن والعلم بطريقتين هنا اولا: ان البروفيسور هيلر فنان وعالم في الوقت ذاته، وهو لا يتحفظ في دمج الممالك المتفاوتة للتعبير العفوي عن الذات بالمعادلات الرياضية الجافة، وثانيا ان ميكانيك الكم ـ دراسة تنوع وسلوك الجسيمات الذرية، ليس علماً اعتيادياً، وحقيقة يمكن القول انه غريباً عن العلوم الكلاسيكية كغرابة الفن عنها. في الحقيقة ان عالم الكمّ غريب وشاذ جداً لدرجة ان الفيزيائيين اللامعين الذين كان لهم السبق في اكتشافه تمنوا بعد ذلك انهم لم يكتشفوه ابداً، كان ذلك في نهاية القرن التاسع عشر، عندما كان العلم يعتبر معصوما عن الخطأ وعلى وشك تفسير كل ما ينتظر التفسير في العالم والكون من حولنا. بدأ الامر كله في عام 1897 باكتشاف العالم البريطاني جيه تومسون للإلكترون في سعي علمي حثيث لم يخمد الى الآن. الالكترونات هي جسيمات سالبة الشحنة تدور حول نوع الذرات بسرعات تعادل سرعة الدوران حول الارض اربع مرات في ثانية واحدة. وقال تومسون لاحقا: اخبرني احد الفيزيائيين البارزين الذين كانوا موجودين في محاضرتي ان بعض الحضور اعتقدوا في باديء الامر اني اخادعهم على سبيل الدعابة في حديثي عن الالكترون المكتشف. مصطلح الكم ابتكر مصطلح «الكم» او «الكموم» كما يحلو للبعض تسميته في عام 1955 من قبل الفيزيائي الكبير ماكس بلانك، وبعد ان اكتشف ان الاجسام السوداء لا تسخن او تبرد في تمرير او امتصاص هاديء رقيق للطاقة بل في ارتعاشات ضئيلة اعلنت بلانك ان الكم هو وحدة قياس هذه الاندلاعات او الكتل الصغيرة من الطاقة. ولم يؤخذ اكتشافه على محمل الجد في باديء الامر. لكنه بعد ذلك اطلق العنان لثورة علمية حقيقية هددت بتقويض اساس العلم المتين الموثوق. لقد كان عالم الكمّ بمثابة مكان محيّر تنقلب فيه كل قوانين الفيزياء رأساً على عقب لقد تحدى قوانين السببية والتواصلية والانعكاسية، والانفصالية، والموضوعية والقياس، اي باختصار كل المفاهيم التي نسلم بها على انها بديهيات في حياتنا اليومية. حاول بلانك جاهداً ان يعيد العفريت الذي اطلقه الى الزجاجة، لكنه لم ينجح في ذلك حتى انه فكر في شطب جميع اعماله والتضحية بسمعته العلمية في سبيل هذه الغاية، وكذلك فإن اينشتاين الذي ساهم في تقدم ميكانيك الكم في مطلع القرن العشرين بالدراسات التي اجراها على الالكترونات والضوء انتهى ايضا الى نبذ العلم الجديد بتعليقه الساخر الشهير: «الدعابة الجيدة يجب ان تعاد مرتين». ومنذ ذلك الحين لم يتمكن حتى المع علماء الفيزياء من حل كامل الغاز عالم الكم، ومع ان معظم مظاهر سلوك الجسيمات الذرية توصف الآن بمعادلات رياضية معقدة، فإن هذه القوانين لا تعيدنا بحال من الاحوال الى مرحلة يعتبر العلم فيها معصوماً عن الخطأ او قريباً من ايجاد «نظرية كل شيء». السر الغامض وفي الحقيقة ان هذا السر الغامض الملازم للذرات هو مصدر الهامات هيلر الفنية العلمية. ويقول هيلر: اشعر بالرهبة عندما انظر الى العالم المجهري.. وانا احاول نقل نفس الاحساس الغامض العميق للآخرين ولا اعتقد انه بالامكان فعل ذلك من خلال كتابة البحوث العلمية الطويلة. ولانتاج الصور يقوم هيلر اولاً بكتابة برامج حاسوبية مبنية على قوانين تحكم سلوك الجسيمات الذرية وتعالج كميات هائلة من البيانات، وهذا هو الجانب العلمي في العمل، ثم يطبق حاسته الفنية على الصور الناتجة، ويقول: احيانا يمكن بادخال تعديل او تعديلين طفيفين في الظل واللون ان تحول لوحة جامدة باهتة الى عمل فني رائع. الامر ممتع جداً، لانه يشبه الرسم بالزيت، اي انني لا استطيع انتاج الشيء نفسه مرتين. وقد ساعدته الاعمال الفنية في بعض الحالات على فهم مشكلة بارزة في فيزياء الكم، وكان ذلك بمثابة بدء علاقة تفاعلية بين الفن والعلم. وعن ذلك يقول هيلر: قبل عشرين عاماً كان الفيزيائيون يعتقدون ان الرسومات البيانية تافهة وليست لها قيمة علمية حقيقية، لكن الامر تغير كثيراً الآن. فالناس بدأوا يدركون ان نظامنا البصري هو افضل نظام تعرف على النماذج في دماغنا، اذن لماذا لا نستخدمه. لكن هيلر ينتج الصور عموماً للجمهور من غير العلماء. وكانت الاستجابة لاعماله جيدة جدا، لدرجة انه الآن يقيم معارض كبيرة خاصة بنتاجه الفني، بما في ذلك معرض جوال يطوف انحاء العالم الآن. ويعتقد هيلر ان اهمية اعماله تنبع الى حد ما من حقيقة انها ليست صوراً عشوائية بل رسومات تلتقط ظواهر طبيعية اصيلة. مشيراً الى ان الرسالة التي تحملها لوحاته تدور في فلك العلم الذي لم يعد منفصلاً تماماً عن الفن. عن «نيو ساينتست»