يتابع ملايين الناس في مختلف انحاء العالم بمزيد من الفضول الرؤى السينمائية لعالم هاري بوتر بما فيه من كائنات خرافية عملاقة ومكانس مسحورة واشرار تقشعر لهم الابدان. ويروي فيلم «هاري بوتر» وحجر الفلاسفة الذي يعرض في 62 بلدا الآن قصة أول كتاب من رباعية المؤلفة جي.كيه رولينج التي شكلت ظاهرة مثيرة في تاريخ كتب الاطفال. وقد بيع الى الآن اكثر من 100 مليون نسخة في مختلف انحاء العالم من سلسلة الكتب هذه التي كان آخرها «هاري بوتر وقدح النار» الذي أصبح أسرع الكتب مبيعا في تاريخ النشر البريطاني بعد اصداره العام الماضي. ومن المؤكد ان اطلاق الفيلم قد أشعل شرارة جدل جديد بين جمهور عشاق بوتر.. هل ينصف الفيلم براعة رولينج الفريدة في سرد القصص؟ ما هي النجاحات أو الاخفاقات النسبية في توظيف المؤثرات الخاصة؟ ماذا عن اختيار مسارح الاحداث؟ ماذا بشأن طاقم التمثيل؟ ومهما كان شكل الاجماع، فإن الموزعين البريطانيين حرصوا منذ البداية على انصاف العمل الاصلي بعدم تحريف اسمه على الأقل. وخلافا لنسخة التوزيع الامريكية التي تحمل اسم «هاري بوتر وحجر المشعوذ» فإن نسخة الفيلم البريطانية التزمت بالعنوان الاصلي لكتاب رولينج. وتغيير كلمة واحدة في عنوان الفيلم على لوحة الاعلانات (ربما تحسبا من نفور الجمهور الامريكي من كلمة فيلسوف) قد يبدو أمرا ثانويا. لكن هذه الكلمة تمس جوهر أحد أكثر تأويلات «هاري بوتر» اثارة للاهتمام. ذلك ان فكرة حجر الفلاسفة كانت محورية في الخيمياء (الكيمياء القديمة) وهي ممارسة جمعت خليطا من الحكمة القديمة ومبدأ التجريب الحديث، وهي النقطة التي يلتقي عندها العلم بالسحر. العلم التجريبي والسحر متلازمان ظل العلم التجريبي والسحر متلازمين على مدار التاريخ، والمحرض وراء كليهما كان يكمن في الرغبة بنفير البيئة المحيطة والسيطرة عليها. وأكثر من ذلك ان العلم استخدم على مدى قرون طويلة لتفسير الظواهر الطبيعية التي وقف أمامها العلم عاجزا، وكما قال آرثر كلارك ذات مرة فإن السحر هو ببساطة علم لانزال نتدرب عليه، لكن على الطريق المشترك بين الفلسفتين كلتيهما لم يحظ قط بالاهتمام الذي حظي به عند تفجر ثورة الفهم العلمي في الغرب خلال عصر النهضة. انقسم المشتغلون بالخيمياء الى فريقين، الأول سعى لحل المسائل المعضلة من خلال استخدام الخلطات الكيماوية والثاني اعتمد بشكل أكثر على التعويذات ورسومات الأشكال الملغزة واستحضار الأرواح. واليوم تبدو هناك هوة سحيقة بين العالمين، لكن لم يكن واضحا مسبقا ان العلم سينتصر والسحر سيخفق. وفي الحقيقة احتاج الأمر لمرور قرون عديدة حتى بات واضحا للناس ان الطبيب العلمي يتفوق على القروية العجوز بكل ما تستعين به الاخيرة من أعشاب وتعاويذ في المساعدة على شفاء الأمراض. وفي كتاب «هاري بوتر وحجر الفلاسفة» أوجدت رولينج عالما حديثا وعصريا، لكنه منغمس في التاريخ والحنين للماضي من الجهة الاخرى. لقد قدمت لنا واقعا بديلا يتمثل في عالم يعتمد السحر كطريقة مقبولة للتأثير على البيئة المحيطة. يفيد «القانون الثالث» الذي وضعه كلارك في كتابه «لمحات من المستقبل» بأن أية «تقنية متطورة الى درجة كافية لا يمكن تمييزها عن عالم السحر». إذن الى أي درجة يمكن ايجاد تفسيرات علمية للمظاهر السحرية في عالم رولينج؟ لننظر في بعض أبرز الأعمال الخارقة في قصص «هاري بوتر». التحليق في الهواء عندما يسمع هاري وزملاؤه في الصف الأول من علوم السحر بأنهم سيكونون قادرين على جعل الاجسام تحلق في الهواء، يسيطر عليهم شعور بالاثارة، ويسيل لعابهم وتزداد شهيتهم للتعلم عندما يراقبون البروفيسور فليتويك وهو يجعل ضفدع فيفيل يحوم في فضاء غرفة الصف. لو كان هؤلاء في مختبر بجامعة نيجميجن الهولندية قبل بضع سنوات لشعروا بالاثارة نفسها، لكن في الواقع هذه المرة. ففي عام 1997 نجح فريق من علماء هذه الجامعة في رفع ضفدع في الهواء، مع ان الأمر لم يكن بسهولة ترديد عبارة «ونجارديوم لفيوزا» كما هو الحال في صف هاري بوتر. وتستغل خدعة مقاومة الجاذبية الأرضية حقيقة ان المعادن ليست العناصر الوحيدة التي تستجيب للمجال المغناطيسي، فكل شيء يستجيب للمجالات المغناطيسية حتى الماء، وإن كانت استجابته ضعيفة عادة. ويقول البروفيسور ماين الذي عمل على مشروع تطيير الضفادع في التجربة الهولندية: «نحن نتحدث هنا عن مجالات مغناطيسية أقوى بمئتي مرة من مغناطيس الثلاجة». هناك أنواع عديدة للتأثير المغناطيسي. وللوصول الى حالة انعدام الوزن كليا، كما هي الحال في كتاب هاري بوتر يتطلب تحقيق تأثير يعرف بـ «الديافغناطيسية» ينتج عن تغيير طاقة الالكترونيات التي تدور بسرعة حول نوى الذرات، وبذلك تحصل على قوة تعمل على المستوى الجزيئي. وفي تجربتنا قمنا برفع الضفدع بالهواء عن طريق التأثير على جزيئاته. يكمن سر هذه الخدعة العلمية في موازنة قوة الجاذبية ضد قوة التأثير المغناطيسي، إذن يمكن من حيث المبدأ جعل الانسان يرتفع في الهواء، لكن ذلك يحتاج الى مغناطيس عملاق يكلف الملايين. لذلك فإن العلماء يتدربون على رفع الاجسام الأخف وزنا كما يفعل هاري بوتر ورفاقه في عالمهم السحري. من العجائب الاخرى التي نشاهدها في عالم رولينج عقار «الترياق العظمي» الذي يصلح ويرمم على الفور العظام المتكسرة ونقرأ في الكتاب ان كل ما احتاجه هاري عندما كسر ساقه هو كأس من هذا العقار. لكن ما مدى تطبيق هذه الفكرة علمياً؟ يسعى العلماء منذ زمن طويلة لايجاد علاجات افضل للكسور ولتسريع ترميم العظام، وآخر انجاز هام في هذا المجال كان عبارة عن «طعم عظمي زجاجي» يستخدم غالبا على شكل مسحوق خلال العمليات الجراحية لمساعدة الاشخاص الذين يعانون من ترقق العظام او من كسور مضاعفة. والغريب ان جيه كيه رولينج التي حرصت على مراعاة القوانين العلمية في عالمها الخيالي لكي يبدو اقرب الى الواقع تقول انها لم تكن جيدة على الاطلاق في العلوم ايام الدراسة وانها لاتزال حتى الآن لا تفهم الفيزياء. لكنها مع ذلك تعرف اكثر مما يمكنها اثباته في معادلة فيزيائية. فلقد اثبتت امكانية انسحاب قوانين الدفع المستخدمة في الطيران على المكنسة المسحورة الطائرة، وحرصت على احترام ادق القوانين العلمية في عالم هاري السحري المليء بالعجائب والخوارق. «نيوساينتست»

