الانجاز المدوخ وقاطع الأنفاس الذي حققه المخرج باز لوهرمان بفيلم «الطاحونة الحمراء» يقلب الفيلم الموسيقي الاستعراضي على رأسه ويلقي به في ارض عجائب تبدو مغامرات «أليس» تافهة ازاءها. ان المفرقعات الاستعراضية «للطاحونة الحمراء» هي هجوم ماحق على الحواس، وأحداثه تدور في عالم سفلي لا تنطبق عليه قوانين الجسد، وهو يلوي ويشوه الزمن والحيز والعمق والنسب لخدمة أغراضه الخاصة. في أحد أوجه الفيلم هو اعظم شريط موسيقي اصيل وواسع صنعته السينما، وعلى مستوى اخر هو قصة حب وخسارة بسيطة ومغلفة بأبهة وفخامة ذات ألوان ساخرة مبهرة. «الطاحونة الحمراء» ليس متحدراً من الأفلام الموسيقية الاستعراضية اللزجة التي شاهدناها بالأمس، انه مرصع بالهزل الصادح والدسائس، ولكنه في النهاية مشروع مأساة. الفيلم الذي يقتبس أجواءه من باريس العام 1899، هو توليفة جديدة لأسطورة اورفيوس ببطولة نيكول كيدمان كنجمة وحسناء مربع المولان روج الليلي وايوان ماكجريجور في دور كاتب مثالي يأتي الى هذا الملهى الليلي بحثاً عن الحب. وكان مقرراً ان يوزع الفيلم في السنة الماضية «2000» إلا أن لوهرمان احتاج الى مزيد من الوقت. ولا عجب في ذلك اذا أخذنا بعين الاعتبار ان الانتاج المعقد للفيلم احتاج بعد انتاجه الى تأثيرات وألوان متوهجة. ويدمج لوهرمان البلاتوهات والأزياء والتأثيرات البصرية والحركة والموسيقى في حدث سينمائي يستخف لكونه مختلفاً بشكل صارخ الى هذه الدرجة، حتى وان كنت تنتمي الى تلك الشريحة الكبيرة من جمهورية السينما التي لا تستطيع حتى أيامنا هذه ان تستسيغ رؤية شخصيات الفيلم ينطلقون في الغناء. وهذا هو بيت القصيد، فالفيلم يحتاج سلفاً الى تنازلات كبيرة من المشاهدين. ليس فقط للخدعة الموجودة فيه والتي تتمثل من باريسي القرن الماضي وهم يغنون أغاني البوب المعاصرة، بل لعمل لوهرمان ايضاً حسب مبدأ ان أي شيء وكل شيء يمكن حدوثه في الأساليب السينمائية. انها تنازلات لا يقبلها كثيرون من الناس. فردود الفعل والتعليقات على الفيلم جاءت مختلطة عندما عرض لأول مرة في مهرجان كان السينمائي هذه السنة. انه ليس موسيقى استعراضية تنقسم حولها الآراء مثلما حدث لفيلم «راقصة في الظلام» في السنة الماضية. ولكن رغم مزاجيته التي ستجتذب الكثير من المتحمسين، فهو سيجد ايضا العديد من النقاد الذين سيعتبرونه مصطنعاً جداً، جداً. وتلعب نيكول دور ساتين التي تجد التمثيل والعهر طريقة حياة، وتحس مبكراً ان الماس هو أفضل صديق للفتاة «وتسمع فقرات اغنية مادونا» «فتاة مادية». ويصهر الفيلم الكثير من الأغاني التي درجت على امتداد القرن العشرين من الكان كان الى أغنيات فيلم «صوت الموسيقى» والجز وغيرها. ويتخذ الكاتب كريستيان «ماكجريجور» من أغنية «اغنيتك» لألتون جون موضوعاً لحبه، فيما يعني التينور العالمي بالاسيدو دومنيجو من وراء الكاميرا لصوت وجه القمر المبتسم. ويضيف خوزيه فليسيانو بعض الأنغام الصوتية المأخوذة من التانجو البطيء «روكسان» لستينج. ويضفي الممثلون المساعدون ـ جيم برودبنت في دور صاحب الملهى، وجون لجويزامو في دور طولوز لوتريك وريتشارد روكسبورو في دور شرير ساخر ـ اجواء كوميدية ساحرة على أدوارهم. الا ان هذا الاستعراض الموسيقي هو ملك لكيدمان وماكجريجور. والحب الاسطوري فيه لا يصل الى الأعماق ولا يبدو حقيقياً ابداً، الا ان النجمين يتواصلان بطرق تجعل مقولة الوقوع في الحب بسبب اغنية ـ على الأقل في عالم لوهرمان الخيالي ـ قابلة للتصديق. وانه لعالم خيالي منعش فعلاً. انه ليس ما يتمنى الجميع ان يقضوا وقتهم فيه، ولكن على الأقل يجعل البديل الخيالي المشوه الذي يقدمه لوهرمان للواقع المشاهد يلاحظ كيف تصنع الأفلام الجيدة. وقد شارك كريج بيروس ولوهرمان في كتابة نص «الطاحونة الحمراء» وصممت زوجة لوهرمان كاترين مارتين الانتاج. ويستغرق العرض 125 دقيقة.
