الكتابة عن غسان كنفاني الروائي والقاص والصحفي والقائد والشهيد، ليست كما الكتابات الأخرى المعهودة، التي تعودناها. فقد تعمد معد هذا الكتاب الأستاذ الحكم نعيمي أن يجمع جزءاً كبيراً مما قيل بغسان كنفاني الإنسان والمعلم. وتوخى الكاتب في هذا الجانب كمتلازمة زمانية في ذكراه السنوية التي تتردد منذ لحظة استشهاده في 8 يوليو من عام 1972 حتى هذه اللحظة التي نعيش. ومن الملاحظ لقراءتنا لهذا الكتاب أن جعبة الأصدقاء لاتزال عامرة بالذكريات، وما لها من دلالة عميقة تستوجب التوقف عند ما هو أعمق وأنبل لدى دينامية الفكر المبدع أدباً وفناً. ومن الملاحظ أن الدفاع عن مشروعية الكتاب، تأتي في سياق صيرورة حبنا وتقديرنا لإنسان مبدع كرس حياته للقضية، خطفه الموت قبل أن تكتمل دورة الواقع المتغير والمتحول في عالم عاصف مفتوح على شتى الأعاصير العاتية. لكن الحق يقال أن، للتضخيم في المعرفة التاريخية عواقب جمة، أظن أن غسان من القلائل بين أقرانه ومعاصريه الذين تجاوزوا هذا المرض، حين عمل على تجيير التاريخ لصالح الحياة بجعله تاريخاً غير خاضع للزمن. لقد انطلق الكاتب من توصيف لكنفاني، استناداً إلى رواياته التي اتسمت بالديمومة ولأعماله الأدبية التي استشرفت القادم من الزمن الغابر بما قد يزفه من مفاجآت لم تحدث بعد. من هذا المنطوق يرى الكاتب أن مجموعة الشهادات الكثيرة، صبت في غالبيتها بوعاء الحقيقة وكونت الحس التاريخي نفسه لتحويل التاريخ إلى قيمة تتحدى الحياة المعاشة. النعيمي، توخى جمع الشهادات من قادة سياسيين وأدباء وفعاليات جماهيرية، فمنهم من سمع أو قرأ لغسان وهو طفلاً، ولاتزال ذاكرته تتقد برواية (أم سعد)، هذه الشخصية التي لاتزال على قيد حتى لحظة طباعة هذا الكتاب. أم سعد، تقول: «أعاني من السكري والضغط وألم في القدمين، ومع اقتراب الثامن من يوليو يرتفع السكري والضغط وينتابني ألم في جسدي وأحس بنثرات الزجاج التي ملأته حين انفجرت سيارة غسان عام 1972». وبدموع ينقلها الكاتب بشيء من المأساوية.تقول أم سعد، قال لي قبل أن يطلع بالسيارة: «شوفي يا أم سعد. أسلمك الجنينة، وأسلمك آني والأولاد، وانتبهي عليهم ونزل عن السيارة، ولحقته لاميس. وسمعت الانفجار. ركضت». أما محمود درويش الشاعر العربي الكبير الذي لايزال يمتطي حصانه، فقد اعتبر لحظة استشهاد غسان، بغزال يبشر بالزلزال، قائلاً: «أن تكون فلسطينياً، معناه أن تعتاد الموت، أن تتعامل مع الموت أن تقدم طلب انتساب إلى دم غسان كنفاني». وأضاف: «لو وضعوك في الجنة أو جهنم لأشغلت سكانها بقضية فلسطين». بينما رأى الكاتب العربي الكبير عبد الرحمن منيف، أن أبرز ما تركه غسان من أشياء ثمينة هي نموذج حياته، الذي يمثل انسجاماً منقطع النظير بين الفكر والسلوك. وأضاف أننا إذا ما حاولنا، الوقوف في وجه الحملة المجنونة التي تريد إعادة صياغة العالم على قياسها وهواها، فإننا نجد في غسان كنفاني مثالاً يحكي الصدق والصلابة، وهذا يستدعي أن نعيد قراءته وأن نكتشفه من جديد. عن غسان الطفل، يقول والده المحامي، «الذي كان يترافع في المحاكم البريطانية، عن ثوار ثورة العام 1936: غسان طفل هادئ يحب أن يكون وحده في أغلب الأوقات مجتهد ويميل إلى القراءة، يحب الرسم حباً جماً بتاريخ 1950أرسلت تحريراً إلى وزير خارجية إيطاليا بشأن ميول غسان. وأنا شخصياً لا أشك بأن المستقبل باسم وزاهر أمام غسان.. أخاف عليه وأفخر به أحس أنه سيصير ذا شأن عظيم.. وفقك الله يا غسان يا قطعة غالية من كبدي. لكن القائد اللبناني قد تجاوز بالوصف صديق الخنادق غسان، بالقول: « تحفل ذاكرتنا الجماعية بأسماء شهداء تكاد تكون كما السرمدية، ولكن يبقى الثامن من يوليو، مناسبة خاصة نستحضر فيها ذكرى شهيد خاص، كتب فلسطين بدمه وقلمه لأنه سيّج حلمنا باليقين وصانه بوعيه التاريخي الذي اكتسب وعياً يومياً بلغ ذروته في روايته (أم سعد) تلك المرأة التي لم تذهب إلى المدرسة في عمرها، القادمة من بيوت الصفيح، وآمنت بالحرية ورأت في كل ما عداها سجناً كبيراً واليوم نتغلب على حفر غرسه فينا ذل دام عقوداً تجهش الذاكرة بجمعها، لنعترف بأن أم سعد الشعب، المدرسة هي التي فجرت ثورة الحجارة في فلسطين. أما ذاك المتجدد رغم الإعياء وطول السفر والمسافات المتقطعة بين مدن الغربة والغربة، يقول جورج حبش، الأب الروحي لغسان، منذ بداية معرفتي وتجربتي مع الرفيق الشهيد غسان كنفاني لم يرتسم في ذهني فقط، غسان الكاتب وغسان الموهوب بل أيضاًغسان المناضل كان غسان يتمتع بأعصاب هادئة ورؤية ثاقبة أثناء الأزمات التي تتعرض لها الثورة الفلسطينية.. لقد كان غسان نمطاً فريداً من الرجال.. لقد اغتيل غسان لأنه مناضل وكاتب ولأنه كان أيضاً إعلامياً بارزاً.. كانت إسرائيل تعرف ذلك وتدرك خطورته». يتواضع قيصر القصة القصيرة، الدكتور الأديب يوسف إدريس لدم غسان المسفوح على جدران وأزقة بيروت، ليقول فيه: « لكن الفخر أني كاتب قصة قصيرة أحسسته مرتين في حياتي، والغريب أن المرتين كانتا تتعلقان بغسان كنفاني، أولاهما حين استشهد غسان، وثانيهما أحسست فيها بالفخر أني كاتب حين تفضل الأصدقاء وعهدوا إلي بكتابة هذا التقديم لقصص غسان كنفاني أيها الناس اقرؤوا هذه القصص مرتين، مرة لتعرفوا أنكم موتى بلا قبور، ومرة أخرى لتعرفوا أن قبوركم تجهزونها وأنتم لا تدرون، اقرؤوا قصص غسان كنفاني واجعلها يا شعب فلسطين قرآنك، غنوها وترجموها واحفظوها فهي أعمال تصنع الرجال. من الملاحظ أن الكتاب إضافة إلى ما حمله بين دفتيه من شهادات لكتاب وسياسيين عرب، لم يغفل الكثير من شهادات من عاصروا غسان كنفاني في غمار النضال والعمل الإعلامي الدؤوب، من كتاب ومثقفين غربيين، فهذه الناقدة الإيطالية «ايزابيلا كاميرا دافليتو»، تقول بغسان: «بدأت دراستي للأدب العربي المعاصر بقراءة لأعمال غسان كنفاني.. فلقد صدمتني كتاباته واستحوذت على كياني، وفتحت أمام عيني أبواب عالم جديد وأصبح هاجسي الوحيد نقل وترجمة هذه الأعمال إلى القراء باللغة الإيطالية ليشاركوني متعة الاطلاع على هذه الكتابات الرائعة شكلاً ومضموناً . ليذهب كاتب دانمركي آخر «ستيفان بكمان» بالقول: « غسان كنفاني يمثل الماضي كما يمثل الحاضر والمستقبل. لقد ترك بصمات خالدة كالوشم على كل ما كتبه. . ماذا كان عليه أن يفعل ولم يفعل ؟ ماذا كان عليه أن يقول ولم يقل ؟ كم كان سيعطي لو قدر له أن يعيش غسان.. أنني أفتقدك بعمق». أما زوج غسان الظل الذي رافقه حتى النهاية، رغم أنها من بلاد الغربة(دانمركية الأصل)، بقيت وفية للخط الذي انتهجه غسان كنفاني، ففي إحدى شهاداتها تقول: «كان غسان نبعاً من الكلمات والأفكار يعب منه الصفحة تلو الصفحة عن فلسطين، وطنه وعن شعبه وكان دائم الانشغال كما لو أن الموت يتربص به عند زاوية الشارع لقد كنت شديدة التأثر بأفكار غسان غير أنه لم يفرضها أبداً علي وهذا ينطبق على أصدقائنا الأجانب الذين اكتشفوا القضية الفلسطينية من خلاله، واهتم الكثير منهم لاحقاً بهذه القضية في بلدانهم ». حرص الكاتب في نهاية عمله على رصد عناوين كل الدراسات والأفلام السينمائية التي تناولت حياة وأدب غسان كنفاني. بالإضافة إلى أن الكتاب ضم مجموعة من الصور التي لم تنشر من قبل، وهي مثلت مراحل حياة الكاتب الشهيد. دمشق ـ عبد الكريم محمد: