.. دخل ذلك الشاب باحة المسجد بسيارته ولم يوقفها في المواقف العامة المنتشرة خارج اسوار المسجد.. قلت في نفسي ياله من تصرف غريب! أعجز ان يمشي تلك الخطوات البسيطة، هل وصل الشباب الى هذه الدرجة من الاعتماد على السيارات فهم لا يكادون يمشون امتاراً بسيطة على أقدامهم إلا بدأ التعب يأخذ منهم مأخذه، الان عرفت سبب فقدان معظم شبابنا لياقتهم البدنية وظهور زوائد غير مرغوب فيها في بطونهم.. كل ذلك بسبب قلة المشي!! .. وكلها لحظات حتى وجدت ذلك الشاب يصلي في المسجد على كرسي أحضره معه نظراً لاصابة المت به في ركبته فاصبح ثقيل الحركة بسببها وبالتالي ادخل سيارته الى أقرب مكان قرب باب المسجد الداخلي حتى يستطيع الدخول!! أدركت انني تسرعت كثيرا في الحكم على ذلك الشاب ولم أسبقه في تقديم العذر له بدلا من مهاجمته في «نفسي»، عندها تذكرت احدى القصص التي رواها لنا أحد الزملاء الأفاضل وكان يدلل بها على ضرورة ايجاد العذر للناس قبل الحكم عليهم في اي موضوع كان.. ويقول صاحبنا ان احد الاشخاص كان مسافراً من بلد اوروبي لاخر في قطار سريع وتصادف جلوسه في الكابينة مع رجل له ثلاثة من الاولاد الصغار كانوا يلعبون ويصرخون ويقومون بحركات مزعجة سببت له ازعاجاً شديداً وصلت الى حد الصداع، وكان الاب صامتاً لا يهمس حتى همساً لاقناع ابنائه بالجلوس والهدوء مما كان يثير الرجل ويوتر أعصابه التي لم يستطع ان يتمالكها ابداً فقال للرجل: يا اخي احترم نفسك وقم بإسكات اولادك فقد تسببوا في ازعاجنا بطريقة لا مثيل لها... نظر الاب للرجل وقال له هل تسمح لي بكلمة واحدة في اذنك بعيداً عن آذان اولادي.. ثم اقترب منه وقال له: هؤلاء الاولاد توفيت امهم البارحة وهم لا يعرفون ذلك وانا افكر الى الان بالطريقة التي تمكنني من قول هذه الحقيقة لهم ولا اعرف لذلك سبيلاً... عندها احس الرجل باحراج شديد وقام بنفسه ليلعب مع الاطفال الثلاثة طوال الوقت المتبقي من الرحلة، وكأنه الطفل الرابع!! .. إذن الحكم مسبقاً دون التمهل في معرفة الاسباب مصيبة من مصائب هذا الزمن والاهم من إطلاق الاحكام هو محاولة الانسان وبشكل مستمر ان يسبق في تقديم العذر لأخيه قبل ان يبدأ في اطلاق سلسلة الاحكام الهوجاء والعشوائية.. وعلى سبيل المثال اذا فوجئت بأحد الموظفين يدخل عليك فجأة وانت منهمك في اجتماع مهم فأسأل نفسك عن السبب الطاريء الذي جعله يقتحم عليك المكتب قبل ان يسبق لسانك صارخاً: يا... الا تعرف الانتظار او طرق الباب!! .. ومن هذا المنطلق فان الدنيا ما هي الا لحظات ومواقف تمر علينا، وعلى الانسان فقط أن يغير الزاوية التي ينظر اليها لمن يقومون بتنفيذ هذه المواقف فبدلاً من التركيز على زاوية سوء الظن واطلاق الاحكام المسبقة بصورة ظالمة، عليه التمهل وتغيير النظرة السوداوية والنظر الى الموقف من الزاوية الايجابية وهي زاوية خلق الاعذار للناس قبل مهاجمتهم.. امور بسيطة لكننا كثيراً ما نتجاهلها ونصر على استباق سوء الظن والنظر بعين الشك والريبة دائماً، فجميعنا يردد المبدأ القانوني القائل ان المتهم بريء حتى تثبت ادانته، لكننا عملياً نطبق النقيض في التعامل مع بعضنا البعض فالمتهم عندنا مدان حتى تثبت براءته!! كل ذلك بسبب حصر النظرة في زاوية الشك والاصرار على ذلك... .. يقول الامام علي بن إبي طالب كرم الله وجهه: «اعقل الناس اعذرهم للناس».. ويقول جعفر الصادق: «لان اندم على العفو خير من ان اندم على العقوبة»..