ذبح جماعي لملايين الماشية والأغنام، محارق ضخمة تنفث الدخان عبر الأراضي الريفية، وبينما تسابقت السلطات لاخماد الوباء المتفشي لمرض الحمى القلاعية هذا العام، كان الريف البريطاني أشبه ما يكون بتصور كلاسيكي للجحيم، فقد تم قتل كل حيوان في كل مزرعة مصابة، وتلا ذلك وبسرعة تلك الحيوانات الموجودة في المزارع المجاورة، وقالت السلطات انه لم يكن هناك من طريقة أخرى لوقف انتشار المرض. البعض رأى غير ذلك، فالمناصرون للغذاء العضوي مثل «رابطة التربة» إلى جانب بعض المزارعين الصغار والأطباء البيطريين طالبوا برد أكثر تحضراً يتمثل في لقاح ضد الحمى القلاعية كان بحوزة مسئولي الحكومة ولكنهم رفضوا استخدامه ولا يزال الجدل قائماً حتى هذا اليوم، حيث يواصل المستشار العلمي الرئيسي للحكومة ديفيد كنج اصراره على ان الحكومة كانت على حق في عدم استخدامها للقاحات. وفي هذا الشهر ستطرح سياسة التطعيم مجدداً عندما يجتمع العلماء وصناع السياسة في بروكسل لحضور مؤتمر حول مرض الحمى القلاعية يعقد مبادرة من الاتحاد الأوروبي رداً على تفشي المرض في بريطانيا، ولكن من غير المتوقع ان يخرج المجتمعون باجابات واضحة ففوائد التلقيح ضد الحمى القلاعية ليست ثابتة تماماً، وحالما يتفشى المرض فإنه يكون من الضروري وقف انتشار الوباء بأسرع وقت ممكن مع تقليل عدد الحيوانات الميتة إلى الحد الأدنى. ومن غير الواضح ما إذا كان التطعيم يساعد في تحقيق هذا الهدف والرأي السائد في الأوساط الزراعية هو ان الأمر لا يستحق المحاولة، ومع ذلك فإن هناك حجة قوية لصالح هذا الأسلوب. فالتطعيم يمكن ان يساعد في تخفيض تكلفة المرض على المجتمع ككل، ولهذا السبب وحده كانت السلطات البريطانية مخطئة على الأرجح في تجنبها التطعيم في الربيع الماضي. فكرة شعبية من السهل رؤية الأسباب التي تجعل من فكرة التطعيم فكرة شعبية، فقد نجحت تماماً في اجتثاث أو الحد من الامراض البشرية مثل شلل الأطفال والجدري والدفتيريا لكن التطعيم ضد الحمى القلاعية لا يعتبر مباشراً هكذا. وفي البداية يمكن للتطعيم ان يعني ممارستين مختلفتين هما التطعيم الاعتيادي الوقائي لجميع الحيوانات قبل اندلاع أي جائحة كما يستخدم التطعيم لدى البشر، أو استجابة طارئة أكثر استهدافاً لتفشي مرض معين. الخيار الأول يسهل استبعاده فاللقاحات ضد مرض الحمى القلاعية تحمي الحيوان لمدة ستة أشهر فقط، ولهذا فإن التطعيم الجماعي الاعتيادي يكون مزعجاً ومكلفاً ما لم يحدث المرض بفترات متقاربة جداً، بحيث تظهر حالات جديدة دائماً، وهذا الوضع لا يزال قائماً في بعض الأجزاء من العالم مثل أمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، والتطعيم الاعتيادي هو الأمر المعتاد هناك، ولكن مرض الحمى القلاعية في أوروبا نادر جداً، لدرجة انه ليس هناك من معنى للتطعيم الاعتيادي المنتظم. وهكذا فإن الجدل حول التطعيم يتركز على استخدامه كاستجابة طارئة، وتتمثل الفكرة في احتواء المرض عن طريق احاطة موقع تفشي المرض بحيوانات ملقحة تكون محصنة ضد الفيروس، واحدى الطرق للقيام بذلك تتمثل في ان يقوم الاطباء البيطريون بتطعيم جميع الحيوانات في المنطقة الموبوءة بأسرع وقت ممكن. وحالما يتم تحصين اعداد كافية من الحيوانات فإن الحيوانات المصابة من المستبعد ان تصادف حيوانات عرضة للاصابة يمكنها نقل الفيروس إليها، بالتالي فإن الوباء ينتهي وهناك خيار آخر أكثر تركيزاً وهو «التطعيم الحلقي» الذي يبدأ من أطراف دائرة بقطر كيلومترات عدة وينتقل إلى الداخل بحيث يقوم الأطباء البيطريون بتحصين جميع الأنعام التي تحيط بمكان تفشي المرض، ويذكر ان الحكومة البريطانية تحتفظ بمخزون من لقاح مرض الحمى القلاعية لاستخدامه عند الطوارئ مع انها اختارت عدم استخدامه هذا العام لأنها ارتأت ان مساوئ التطعيم فاقت حسناته. أسلوب مباشر ان أسلوب التسييج الحلقي لمكان تفشي المرض يبدو أسلوباً مباشراً ولكن في الواقع يصعب انجازه بنجاح فالفيروس المسبب لمرض لا يظهر تأثيره قبل مضي أسبوع على الاصابة والحيوانات المصابة قد تصبح معدية قبل يومين تقريباً من ظهور التقرحات المميزة التي تتيح للأطباء البيطريين التعرف على المرض والبدء بعملية التطعيم. وبعد ذلك تستغرق الحيوانات أربعة أو خمسة أيام بعد التطعيم لكي تطور المناعة والأدهى من ذلك هو ان تطعيم أعداد كافية من الحيوانات لاتمام الدائرة قد يستغرق عدة أيام، وذلك يمنح الفيروس فرصة جيدة لاختراق الحصار، يقول مارك وولهاوس وهو عالم اوبئة بيطرية في جامعة أدنبرة: «ان مرض الحمى القلاعية ينتشر بسرعة كبير وكل ما في الأمر هو انك لا تملك بضعة أيام للانتظار حتى يأخذ اللقاح مفعوله». ومع ذلك فإن التطعيم الطارئ يبدو انه قد نجح في بعض الحالات، ففي هولندا هذا الصيف وفي الجزائر عام 1999 وفي ألبانيا ومقدونيا عام 1996 على سبيل المثال تم ايقاف الوباء في بدايته بعد وصول برامج التطعيم إلى اعداد كبيرة من الحيوانات، ويقول كيث سومبشن وهو عالم فيروسات بيطرية في جامعة أدنبرة ان الدليل الميداني هو اذا حصلت على نسبة أكثر من 80% من الحيوانات مطعمة فإن الوباء عندئذ يتوقف. لكن المتشككين يشككون فيما إذا كان اللقاح هو الذي له الفضل في هذه النجاحات، ففي ذروة تفشي مرض الحمى القلاعية لن يقدم أحد على محاولة القيام بتجربة مقارنة كأن يقوم بالتطعيم في شمال البلاد ويترك الجنوب بدون تطعيم ولهذا هناك دائماً تفسير بديل، فالهولنديون لم يكتفوا بالتطعيم وإنما قاموا أيضاً بذبح اعداد كبيرة من الحيوانات، ومناخ الجزائر الحار الجاف لابد وانه قتل الفيروس ومنعه من الانتشار، وربما يكون الوباء في ألبانيا ومقدونيا قد توقف من تلقاء نفسه. من الواضح ان العلماء لا يزال لديهم الكثير ليتعلموه حول ما إذا كان التطعيم الطارئ يمكن ان يساعد في وقف انتشار الوباء وفي أية ظروف ولكن شيئا واحداً يبدو مؤكدا وهو ان التطعيم لا يمكنه ان يقوم بالمهمة وحيداً. ضرار عمير
